
في ظل الأجواء السياسية المضطربة والملبدة بغيوم الأزمات في منطقة الشرق الأوسط ومنها فلسطين، نرى الإعلام العالمي والإقليمي يعج بالمحللين السياسيين والعاملين في مراكز الأبحاث والتخطيط الإستراتيجي والدراسات السياسية... بعضهم يكتفي بالتحليل، وبعضهم ينظر للحدث من زاوية خاصة، وبعضهم يعطي رؤية مستقبلية لما هو متوقع، أو يُقدم مجموعة من السيناريوهات يربط تحقق أحدها بإنعكاسات وتأثيرات سياسية هامة على المنطقة... ومن ذلك إنتخابات كيان يهود، فبعضهم يرجح هزيمة معسكر نتنياهو بناءً على الإنقسامات الداخلية وإنعكاسات حرب إيران وإدارة ملف لبنان على الشارع عند الكيان، ويرى بأن ذلك إن حصل سوف يحمل في طياته إنفراجة لأهل فلسطين وإنفراجة للمنطقة، بل قد يدشن بوابة سياسية لمرحلة من الإستقرار النسبي في فلسطين وخارجها، فهل الإنتخابات حدث هام؟ وما هي انعكاستها على أهل فلسطين والمنطقة؟ وما الهدف من تركيز الإعلام على مخرجاتها؟
قبل تقديم الإجابات على تلك التساؤلات لابد من تبيان بعض الحقائق السياسية اللازمة لتصور واضح، منها أن التركيبة السياسية في كيان يهود ورغم كثرة الأحزاب المشاركة فيها إلا أنها لا تخرج عن أحزاب قومية هدفها الحفاظ على "الدولة" وبقائها وعلى قوة جيشها، وبعضها يضيف لتلك الناحية القومية ناحية توراتية فيربط ذلك بتوجهات ومشاريع دينية مزعومة -قومي توراتي- وهنالك أحزاب توراتية ترى بأن الحفاظ على الشعب والدولة يكون من خلال التوراة، وأن عملها لا يقل أهمية عن المؤسسة العسكرية، وخلاصة تلك التركيبة الحزبية ودون الدخول كثيرا في تفاصيلها هي الحفاظ على "الدولة" قوية، ومنع زوالها وإطالة عمرها بغض النظر عن الصبغة الحزبية، سواء كانت قومية يمينية أم قومية وسطية أم قومية توراتية، أو توراتية دينية... وحتى أحزاب اليسار التي أوشكت على الاندثار فقد كانت هي أيضاً تنطلق في توجهها -مشروع الدولة الواحدة- من زاوية الحفاظ على الدولة وإطالة أمد بقائها.
إن تلك الأحزاب تقدم مشاريعها السياسية، وبناءً على تلك المشاريع تحصل على الأصوات اللازمة لتجاوز نسبة الحسم وإمكانية المشاركة في تحالفات لتشكيل الحكومة، فهي، أي تلك الأحزاب ومشاريعها لا تنفصل عن الناخبين، فمثلاً بن غفير يمثل بتوجهاته كل من صوت له وكذلك سموتريتش ونتنياهو، فهم يعبرون عن تلك التوجهات التي تحملها تيارات واسعة وتصوت لمن يعبر عنها بشكل مؤثر ويقدم وعودات تنسجم معها، وبالتالي فالمشهد لا يعبر عن أشخاص يمثلون أنفسهم وتوجهاتهم، بل هو كيان يمثله أشخاص في توجهاته وأفكاره وتركيبته البشرية القومية التوراتية.
إن الدعاية الإنتخابية بعيداً عن الأوضاع الإقتصادية والمعيشية والدينية والقوانين الإدارية والقضاء داخل الكيان ترتكز في جانب كبيرمنها على الأمن والقوة العسكرية، سواءً أكان التسويق بطريقة الليكود وأحزاب اليمين على شكل حروب وعمليات عسكرية مستمرة داخل فلسطين و خارجها، أو بطريقة لابيد وغانتس وأحزاب الوسط من خلال القيام بعمليات بالقدر اللازم محلياً وإقليمياً لإدارة الوضع وإعادة شيء من الإستقرار للكيان، أو بطريقة بن غفير وسموتريتش والأحزاب القومية التوراتية القائمة على الضم وهستيريا الإستيطان ومخططات التهجير وبناء الهيكل.
ومن خلال ما سبق يتبين أن كيان يهود وإضافة إلى أنه مشروع إستعماري أوجدته الدول الكبرى، تدعمه وتدافع عنه كقاعدة إستراتيجية متقدمة لها، وخنجر في خاصرة الأمة التي تشكل الخطر الحقيقي على مبدأها الرأسمالي ونفوذها الإستعماري في المنطقة -أي أن وظيفته محددة قبل إيجاده وثابته ببقاءه مهما كانت التركيبة الحزبية الداخلية له-، فإنه إضافة إلى ذلك يُعتبر مشروع وجودي لتركيبة بشرية تمثلها أحزاب سياسية تجعل بقاء هذا الكيان فوق كل اعتبار سياسي آخر، وترى في القتل والدماء والدمار والتهجير خير وسيلة، وتعتبر ذلك رافعة إنتخابية ودعاية لجلب الأصوات، وهي تتنافس فيما بينها لتنفيذ تلك المشاريع القائمة على الحروب والدماء والتهجير والدمار مع شيء من الإختلاف في الأساليب والوتيرة وسرعة التنفيذ وبعض التفاصيل، وبالتالي يتبين أن هذه الإنتخابات كلها شر في شر، وأن التعويل عليها وهم وخداع، وأن حصر المشكلة في شخص أو حزب كما تفعل بعض الأنظمة وخاصة النظام التركي ممثلاً بأردوغان الذي يركز في كثير من المناسبات على جعل المشكلة وحصرها في وجود نتنياهو وليس في وجود هذا الكيان من الأساس، هو عمل خبيث لجعل التغيير الانتخابي كفارة لهذا الكيان ومدعاة لتقوية العلاقات معه!
إن الإعلام في بلاد المسلمين وخاصة المؤثر، يريد أن يشغل الرأي العام بهذه الإنتخابات، وهو قد بدأ بذلك فعلاً على شكل جرعات سياسية تحليلية، حيث يروج للقضية وكأن فيها شيء من الأمل والاستقرار للمنطقة ووقف للنزيف والدمار داخل فلسطين، وبينما هو يفعل ذلك تتنافس أحزاب الكيان في مشاريعها الإجرامية بل وترتب أوراقها كما يفعل نتنياهو بإقناع بن غفير وسموتريتش للنزول في قائمة واحدة لتجنب فقدان الأصوات في حال عدم وصول حزب سموتريتش لنسبة الحسم وغيرها من التريبات الداخلية التي تجعل معسكر اليمين بقيادة نتنياهو هو الأقرب لتشكيل حكومة قادمة في حال حصول إنتخابات، وتجعل من الدماء والدمار والاستيطان والتهجير هو العنوان الأبرز لتلك الانتخابات ومخرجاتها.
إن خلاص الأمة الإسلامية لم يكن يوماًً بنتائج الانتخابات الأمريكية، ولم يكن خلاص أهل فلسطين ومن جاورهم بإنتخابات كيان يهود، فهذا هو الأفيون الذي طالما روجه الإعلام أن بوش والجمهوريين هم المسؤولين عن تدمير العراق وليست أمريكا! وأن نتنياهو وبن غفير هم المسؤولين عن تدمير غزة وليس الكيان! ... ولكن اليقظة والوعي السياسي البعيد عن تلك المُسكرات السياسية وأفيون الإعلام يقف ماثلاً كالشمس في رابعة النهار أنه لا خلاص للأمة الإسلامية إلا بطرد أمريكا من المنطقة وتفكيك قواعدها، وأنه لا خلاص لأهل فلسطين إلا بتفكيك هذا الكيان وإزالته من الوجود على يد جيش من جيوش المسلمين وخاصة القريبة منه.
د مؤمن عبد الله
06/07/2026






