"لم تنته تلك القضية التي هزت الوسط الطبي في أمريكا عند الطبيب جافيد برويز أخصائي النساء والتوليد الذي أجرى عددا كبيرا من العمليات الجراحية في ولاية فرجينيا بين عامي 2010 و2019 دون حاجة المرضى لها، وذلك بهدف زيادة أرباحه من شركات التأمين وبرامج الرعاية الصحية الحكومية، لم تنتهِ القضية عند إدانة الطبيب في يناير 2025 ، وإنما وُجهت كذلك اتهامات جنائية إلى Chesapeake Regional Medical Center، حيث ادعت السلطات أن المستشفى قد سمح له بمواصلة العمل رغم وجود مؤشرات وتحذيرات سابقة، وأنه استفاد مالياً من العمليات التي أجراها، كما رفعت مئات النساء دعاوى مدنية ضد المستشفى ومسؤوليه، وقد كانت أكثر من 500 إمرأة قد تواصلن مع مكتب التحقيقات الفيدرالي بعد الإعلان عن اعتقال الطبيب".
 لقد سلط الإعلام الأمريكي الضوء على حجم الجريمة التي قام بها الطبيب، والذي كان يُخبر بعض المريضات أنهن مصابات بالسرطان أو معرضات لخطر الإصابة ويقنعهن بالخضوع لعمليات جراحية غير لازمة، شملت أيضاً إجراء جراحيا مبكر للولادة دون مبررات طبية، مما تسبب بفقدان بعض الضحايا للقدرة على الإنجاب وبمضاعفات خطيرة، 
إن هذه الجريمة البشعة في الحقيقة تدفع إلى جملة من التساؤلات الهامة من مثل ما هو التفسير الدقيق  لتلك الجرائم الكثيرة والمتكررة، والتي ليست قضية جافيد برويز سوى واحدة منها؟ وهل تلك القضية حادثة منفردة أم أنها ظاهرة منتشرة بأشكال مختلفة؟ وهل الخلل في العلم أم في شيء أخر؟ وهل فقدان الناس الثقة في المنظومة الطبية وتوجيهاتها العلمية والصحية له دوافعه المنطقية؟ وهل الحل في محاكمة الطبيب وملاحقة المستشفى؟ وإلى أين يتجه الطب وتفرعاته وأين يكمن الحل؟
لقد كانت غريزة البقاء هي الدافع لبني البشر في الحضارات والأزمنة المختلفة لإنشاء علوم طبية قائمة على التجربة والملاحظة والإستنتاج، بهدف علاج مريض أو مواجهة مرض والوقاية منه، ولذلك كان الطب علم تراكمي ساهم فيه بني البشر من كل الحضارات، كالمصرية القديمة، والصينية القديمة، والآشورية، والبابلية، والفينيقية، والإغريقية، والفارسية، الرومانية، والمايا... وحضارة المسلمين العظيمة، حتى جاء النظام الرأسمالي الذي يقدس المنفعة ويعتبرها أساس كل شيء، فأصبحت تلك النظرة النفعية والربحية تتسلسل في الهرم الصحي من مراكز الأبحاث والمعاهد العلمية وشركات الأدوية وكل ما هو متعلق بالقطاع الصحي إلى المستشفيات والمراكز ومن ثم إلى الأطباء، فبات العلاج لغاية الربح، وبات العلاج المربح والأكثر تكلفة هو المطلوب، وبات المرض وبقاؤه مصدرا هاما للربح وعلاجه بشكل جذري يعتبر خسارة، وبات المستشفى شركة، والطبيب تاجر إن تخلى عن أخلاقه وقيمه وإنسانيته.
 إن هذه الأزمة الفكرية المبدئية التي أصابت كل جوانب الحياة في النظام الرأسمالي المسيطر على العالم، والتي لا يتسع المقام لكثير شرح فقد باتت آثارها الكارثية على القطاع الصحي ومنه الطبي ملاحظة حتى من عامة الناس، وفي تفاصيل حياتهم الصحية، بدءا بالأمراض المزمنة إلى مستشفيات الولادة وحليب الأطفال والتطعيمات، خاصة بعد أزمة كورونا، وبات الناس على بساطتهم يتحدثون عن تحول القطاع الصحي إلى لوبيات متشابكة، سواء على مستوى مراكز الأبحاث والجامعات وشركات الأدوية أم على مستوى المستشفيات والأطباء مع شركات الأدوية ومراكز الأشعة والمختبرات... وباتت الثقة معدومة بين الناس وبين هذا القطاع الإستثماري بنظرهم، خاصة في ظل الثورة الرقمية وانتشار المعلومات وسهولة الوصول إليها، وكذلك التجربة العملية مع القطاع الصحي، فكانت الضرورة الطبية وعدم وجود البديل هو فقط ما  يلزمهم به مع فقدان الثقة، وما إن يتوفر بديل مهما كان حجمه أو دقة طرحه أو مضمونه حتى تتكشف هذه الهوة بين الناس والنظام السائد، كما هو حاصل الآن فيما يسمى بنظام الطيبات.
وبالتالي فقد بات الناس بين مطرقة نظام رسمي إستثماري لا رحمة فيه بنظرهم، وبين سندان بديل لا بأس بتجربته -حسب رأي الكثيرين منهم- ودون التمحيص لمضمونه ومدى دقة ما يقدمه، وسوف يبقى الناس في هذه الدوامة لا يستطعمون نعمة العلم لأنهم لا يستطيعون التمييز بين العلم النقي المجرد والربحي، ولا يقدرون خدمة الطبيب، لأنهم لا يثقون به هل عالجهم بالشكل الصحيح أو بالأكثر ربحاً، وسيستمرون في جعل أنفسهم حقل تجارب للترندات ومواقع التواصل، وقد يتركون الضار ويأخذون المفيد وقد يحصل العكس، وهكذا دواليك، وفي المقابل يقوم الإعلام والقائمين على القطاع الطبي بتسخيف الناس وعقولهم، وبتحميلهم المسؤولية، ويجددون القداسة العلمية للنظام الرأسمالي المجرم وللعلم الذي بات محل شك في كثير من جوانبه!
 وإنه لا حل لهذه الحالة الفوضوية المضطربة سوى دولة تجعل العلاج من الأساسيات التي تتكفل بها وجزء من الرعاية، فتنشىء المستشفيات وتبني الجامعات وتخرج العلماء وتنصف الطبيب، وتشرف كذلك على الإعلام ومواقع التواصل فتمنع التلاعب بالناس وعقولهم وصحتهم وغذائهم، بحيث يكون الطب للدولة رعاية شؤون بغض النظر عن تكاليفه، وللطبيب مصدر احترام ودخل مربح من الدولة التي تعطي كل عمل قيمته التي يستحقها، وللناس طب مجاني لا يمكن التشكيك فيه، وليس من الغرابة أن ذلك هو النظام الذي كان سائداً في حضارة المسلمين القائمة على مبدأ مستمد من خالق الإنسان والرحيم به، وهو النظام الذي حكم على مر قرون طويلة فعظم الإزدهار وعولجت الأمراض، ولن يعود ذلك الحال الذي يطمح إليه الناس إلا بعودة مبدأ الإسلام ودولته القائمة على رعاية شؤون الناس وليس الإستثمار بهم. 


د مؤمن عبد الله

15/06/2026