maqal9626

 

كانت قلعة الشقيف من آخر المعاقل الصليبية التي صمدت بعد معركة حطين عام 1187م، ولم تلبث الأمور على ذلك طويلا حتى استسلمت لصلاح الدين، ثم حررها الظاهر بيبرس من يد فرسان الهيكل عام 1260م، فبقيت بيد المسلمين، وحافظ عليها العثمانيون إلى أن هدمت الخلافة، فغاب الحارس وسقط السور، وضاعت القلعة بل وضاعت سائر بلاد المسلمين.
وفي صيف عام 1982م، حين اجتاح كيان يهود لبنان، كانت قلعة الشقيف مسرحا لإحدى أشد المعارك ضراوة في ذلك العدوان، تحصن فيها المقاتلون وأبدوا مقاومة شرسة استنزفت قوات كيان يهود لأيام، غير أن الدعم الجوي المكثف وموازين القوى المختلة لم تمهل الصمود طويلا، فسقطت القلعة بعد معارك شرسة، وسجل ذلك اليوم إضافة أليمة إلى سجل الجراح التي خلفها غياب الحارس وانهيار السور، وقد استحضر نتنياهو تلك الذكرى بنفسه حين صرح: "أذكركم أنه قبل 44 عاما، كان هذا المكان رمزا لمعركة بطولية خاضها مقاتلونا"، معترفا بما تختزنه هذه البقعة من ثقل تاريخي.
واليوم، عاد كيان يهود إلى المكان ذاته، لا ليستذكر التاريخ، بل ليصنع واقعا جديدا على أنقاض الماضي، إذ أعلن سيطرته على قلعة الشقيف الاستراتيجية المطلة على جنوب لبنان والجليل الأعلى، ووسع توغله البري متجاوزا نهر الليطاني باتجاه مدينة النبطية، في أعمق توغل له منذ عام 2000. وأصدر نتنياهو أوامره صريحة "أمرت الجيش بتوسيع التوغل في لبنان، قواتنا عبرت نهر الليطاني واستولت على سلسلة جبال الشقيف، والآن تعليماتي هي تعميق وتوسيع سيطرتنا على الأماكن التي كانت تحت سيطرة حزب الله".
وهذا التوسع لم يكن عشوائيا، بل سبق طلب ترامب بوقف الحرب وتقدم عليه، إذ أراد كيان يهود فرض معطيات ميدانية راسخة قبل أية تسوية دبلوماسية، لأن أي اتفاق مع ايران ينهي العمليات العسكرية في جميع الساحات. فلما جاء ترامب بمطالبه، كانت قوات كيان يهود قد رسمت الخرائط بأقدامها على الأرض، وصارت التسوية تفاوض على وقائع جديدة لا على ما كان قبلها، وتعهد وزير الدفاع كاتس بتحويل منطقة الليطاني إلى "منطقة عسكرية أمنية"، ظنا منهم أن هذه المناطق العازلة في لبنان وسوريا وغزة ستكون درعا يحميهم من أمة الإسلام. أما أمريكا في هذه المعادلة فليست وسيطا ولا ضامنا، بل هي الراعي الممول، وأمريكا تضغط على الكيان وفق مصالحها الاستعمارية في المنطقة، والتعويل عليها في حفظ مصالح لبنان هو ضرب من التضليل السياسي.
في ظل هذا التمدد المدعوم غربيا والمغطى دوليا، يشتد هجوم كيان يهود على لبنان يوما بعد يوم؛ تهجير للناس، وهدم للبيوت والمساجد، حتى الأراضي الزراعية لم تسلم من البطش.
وبينما تتواصل هذه الجرائم، ومع اتساع هذا العدوان، يزداد اضطراب الناس في قراءة المشهد. فينتظر بعضهم توقف إجرام كيان يهود مراهنين على الانتخابات وسقوط نتنياهو، والانقسامات الداخلية، وتشرذم المجتمع وتعدد الطوائف، كما وصفهم الله تعالى (بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ).
وهذه العوامل وغيرها، وإن كانت تكشف ضعف هذا الكيان وأنه أوهن من بيت العنكبوت، ولكن ثمة حقيقة لا بد من قولها بوضوح بأن هذا الضعف الداخلي لن يسقط الكيان من تلقاء نفسه، فالكيان لا يقوم اليوم بقوته الذاتية، بل بالتنفس الاصطناعي الذي يعيش عليه من دعم أمريكي وغربي لا ينضب. ومن يروج لفكرة الانهيار الذاتي إنما يخدر الرأي العام ويبعده عن الحل الحقيقي، فالكيان لن يرحل وحده، ولن تغني الرهانات على انقساماته، بل هو يحتاج إلى قوة تزيله وتقتلعه من جذوره.
والحل لا يكون إلا بجهاد شرعي حقيقي وتحرير فعلي تخرج فيه جيوش الأمة لأداء واجبها. والعقبة الكبرى أمام ذلك ليست في قدرة الأمة، فهي تملك العدد والعتاد والإمكانات، بل في الأنظمة التي تكبل هذه الجيوش وتحول دون تحركها، بل وتحمي الكيان وتضمن أمنه. فما دامت هذه الأنظمة قائمة حارسة لحدوده بدلا من أن تكون سيفا في وجهه، فإن وحدة الأمة وتحررها سيظل بعيدا. والقضية ليست لبنانية ولا فلسطينية فحسب، بل هي قضية الأمة بأسرها، وما التقطيع الذي نراه اليوم في غزة ولبنان وسوريا إلا ثمرة مرة لغياب الحارس الذي يوحد الجيوش ويسيرها.
قال رسول الله ﷺ: "إنما الإمام جنة، يقاتل من ورائه ويتقى به"، فمتى قامت هذه الجند بإزالة الأنظمة العميلة الحائلة دون التحرك، عادت قلعة الشقيف وسائر البلاد إلى أهلها.

 


أدهم عبد الكريم

09/06/2026