لست أرى أن الأمة الإسلامية عرفت عبر تاريخها الطويل فكرة وثقافة أشد خطرا عليها من تلك التي تجعل أفعالها مرتبطة برد فعل العدو.
منطق عقلاني والتصاق بالواقع وأفكار براغماتية روجها الإعلام والساسة والمحللون برزت بشكل واضح منذ أحداث السابع من أكتوبر، وذلك بدعوى الحكمة والحرص على الأرواح والممتلكات، والحياة الآمنة المطمئنة، حتى لو كانت في الحقيقة حياة من أجل الحصول على بضع لقيمات قد نحرم منها في أي وقت.
بل إن البعض ذهب أكثر من ذلك، إذ جعل مجرد الحديث عن الجهاد والثبات والنيل من الأعداء ضربا من التهور الذي يجلب الويلات ويستدعي القصف والتدمير والقتل والحصار.
على أن التأمل والتفكير في هذا الخطاب يجعلنا ندرك أن الأمر ليس حرصا على الدماء والبناء، بقدر ما هو تأسيس لثقافة جمعية ووعي عام يراد من خلاله سلب الأمة قراراتها والتزامها بأحكام الإسلام، لصالح حسابات الأعداء المحتلين، بحيث يصبح المحتل وكأنه هو المحدد لما يسمح به وما يحظر، وما يعد دفاعا عن الدماء والأعراض والأموال، وما يعد تهورا وطيشا.
حين جهر النبي بدعوته في مكة، لم يكن صلى الله عليه وسلم وأصحابه يجهلون بطش قريش ولا حجم قوتها، وفي المقابل كانت قريش تدرك أن هذا الإسلام القادم إليها سيؤثر على مراكز سادتها ويقضي على مصالحهم الدنيوية وذلك حين تصرفت ببطش وقوة شديدين في محاولة للقضاء على النبي عليه السلام وأصحابه، فهل كان النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام يفكرون بالمنطق المجرد لتجنب بطش قريش، وبعقلية سد ذرائع سادة مكة؟
ألم يقتل بعض الصحابة، بينما عذب آخرون تعذيبا وحشيا، وهاجر بعضهم إلى الحبشة، وفرض الحصار عليهم في الشعب، حتى أكلوا أوراق الشجر؟
لقد مارست قريش أقسى أشكال الضغط الاجتماعي والاقتصادي والإعلامي على كل من تبع محمد صلى الله عليه وسلم، لكن ذلك كله لم يدفع مشروع الإسلام إلى الرضوخ لتجنب ردة فعل العدو، ولم يجعل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يتراجعون، أو حتى يفكرون في خفض مستوى التحدي حتى لا تُستفز قريش، لقد كان واضحا لهم جميعا أن هذا الطريق يحتاج إلى الثبات والصبر، وأن الثمن ليس دنيا يصيبونها أو راحة ينعمون بها، وأن ما عانوه من بطش قريش وما سيعانونه ليس دليلا على خطأ المنهج، بل هو سنة من سنن الله في التغيير لمن يسير في ركب الحق.
لقد كان الأولى حين وافت رسول الله المنية، وارتدت قبائل العرب ومنعت الزكاة، حسب معايير "ثقافة سد الذرائع" أن يفكر أبو بكر الصديق رضي الله عنه بالتسويات المؤقتة مع المرتدين، فالدولة حينئذ ناشئة، والصدمة كبيرة، وحرب المرتدين هي حرب مكلفة ستزهق فيها الأرواح وتخرب بها البيوت.
لكن أبا بكر أدرك أن التنازل هنا ليس حفظا للدماء، بل هو فتح باب لانهيار لن يتوقف؛ انهيار في هيبة الدولة، وانهيار في الالتزام في أحكام الشريعة، وانهيار في ثقة الأمة بنفسها، فما كان منه إلا أن أعلن موقفه الحاسم في قتال المرتدين ومانعي الزكاة، وكان ذلك من أشجع القرارات السياسية في تاريخ الإسلام، قرار لم يقم على تجنُّب ردِّ فعل العدو، بل قام على إدراك أن الواجب لا يُعطَّل مهما كانت الكلفة، وأن الثمن الذي يدفع اليوم مهما كان فهو أقل من الأثمان الباهظة التي سوف تدفعها الأمة لاحقا إن بقيت صامتة أو خضعت لشروط العدو.
إن تاريخ الأمة الإسلامية عبر القرون لم يكن دعوة إلى التهور، أو إلى إهمال موازين القوى وترك الأخذ بالأسباب، فقد عرف المسلمون الصلح والهدنة ومارسوا التكتيك والسياسة مع إعداد القوة الطويل، تماما كما عرفوا الجهاد حتى وإن كانوا قلة.
لكن الفارق الجوهري — وهو الفارق الذي يميز المسلمين عن غيرهم من الأمم — أن هذه الممارسات كانت دائما في سياق خدمة الدعوة والإسلام، وخيارات لتحقيق مصلحة الدعوة وانتشارها، ولم تستعمل يوما لتسويغ الاستسلام والرضوخ للعدو وشروطه.
إن أخطر ما يصنعه خطاب (سد الذرائع) وثقافة التراجع أمام رد فعل العدو، هو أن يتحول ذلك إلى فلسفة عامة وبديلا عن الأحكام الشرعية الواجبة على الأمة، فهذا الخطاب يجعل من الخوف موقفا، ومن الخضوع قرارا، ومن الأمة مفعولا به ورقما في معادلة يرسمها العدو لا أكثر، بدل أن تكون فاعلا في التاريخ، وهذا بالضبط ما لم تقبله الأمة التي حملت الإسلام من مكة حتى امتد حكمه في العالم من أقصى المشرق إلى المغرب، أمة لم تستأذن عدوها، ولم تجعل يوما من الخضوع حكمة، فشتان شتان ما بين أمة تتألم وهي تدفع ثمن السير في طريق الحق ونصرة المظلوم وإقامة الدين، وبين أمة تتألم من الخضوع لشروط العدو ورد فعله.
أ صابر حسين
24/05/2026






