"سنغتالك ... لك الخيار أن نغتالك في بيتك مع عائلتك أو تخرج لنغتالك في الشارع!! "، كان ذلك اتصال ضابط مخابرات كيان يهود على هاتف شاب في جنوب لبنان، خرج الشاب من وسط عائلته وأقربائه ليتم استهداف سيارته في الشارع ويغتال، لم يكن اتصال الضابط حرصا على العائلة بل تأكيدا لتحقيق الهدف.
تلك الحالة المتكررة والموثقة بالصوت والصورة تم بثها على وسائل التواصل الاجتماعي وسط صمت " رسمي " وفي ظل اعتياد غير طبيعي على تلك الحوادث المتشابهة والمتكررة في الحزن والغصة وقلة الحيلة!
ومساء ليلة الجمعة وفي نفس تلك السياقات المؤلمة تم استهداف عز الدين الحداد وارتقاؤه وحشد من الشهداء معه رحمهم الله جميعا، في ظل مشاهد أخرى باتت يومية لكنها تحمل ذات الدلالات ونفس الارتدادات السياسية والفكرية والشعورية.
فالمسجد الأقصى يُقتحم وتُقام فيه الشعوذات التلمودية وترفع فيه أعلام الكيان الغاصب، ويعيث المستوطنون فسادا في الأرض وسرقة للأغنام واعتداء على العزل الذين لا حامي لهم !!
وتصدر أوامر بالإخلاء لمدن وقرى كاملة في جنوب لبنان، ويحشر أهل غزة في شريط من جغرافيا البؤس والألم والخذلان تحت القصف والقتل والجوع والاغتيالات المتواصلة !!
كل تلك الصور والمشاهد تنتظم في شعور واحد لذلك الشاب الذي تلقى الاتصال، ولأهل من تم اغتيالهم وقصفهم، ولسكان القرى المخلاة، ولأهل غزة المحاصرين، ولأصحاب المسجد الأقصى، والعزل أمام المستوطنين، والمزارعين ملاك الأغنام المصادرة من قبل المستوطنين ... كل أولئك يتملكهم شعور الخذلان وقلة الحيلة، شعور غياب الراعي ومن يُستغاث به ... شعور الوحدة والوقوف عاريا حافيا في وجه قوة غاشمة لا تأبه بأحد.
لم يخطر ببال ذلك الشاب الذي تلقى اتصالا أن يستنجد برئيس لبنان مثلا، ولم يتأمل الذين تم اغتيالهم بالطائرات في غزة أية نجدة من السيسي لإيقاف ذلك المسلسل من الاغتيالات، ولم ينتظر الأقصى فزعة من ملك الأردن ولا من غيره من الحكام الذين يستميتون في الدفاع عن كيان يهود .... لم ينتظر العزل حماية من السلطة وأجهزتها التي تعتقل المقاومين والصادعين بكلمة الحق، كما لم يخطر في بال أصحاب الأغنام المصادرة أن السلطة وقياداتها المنمقة بالكلام الفارغ والمؤتمرات الاستعراضية في رام الله ورئيس وعلم وحرس وتشريفات وبث مباشر على الفضائيات تستطيع استرجاع قطيع من الأغنام صادره مستوطنون على أطراف عاصمة السراب في رام الله!
فكل المعذبين في أمتنا وأهل فلسطين والمقدسات وأهل الشهداء والقرى المهجرة والمدن المسحوقة قد أسقطوا من حساباتهم كل العصابات الحاكمة العميلة وقد أدركوا أنهم باتوا بلا راع ولا جهة تخطر في بالهم للاستنجاد بها، فكيف يجرؤ كيان مصطنع على فعل كل ذلك لو خطر في باله حقا أن وراء كل هؤلاء المستهدفين ووراء كل هذه البلدان مسؤولا وراعيا يقف أمام مسؤولياته فيمنع هذه الاستباحة المذلة للإنسان والأرض والمقدسات.
إن غياب السيادة الحقيقية عن بلاد المسلمين وغياب دولة الإسلام جعل الأمة تعيش بلا راع يُتقى به ويُقاتل من ورائه، فشرذمة العصابات الحاكمة في بلادنا لا يمكن أن تشكل راعيا حقيقيا للأمة وأرضها ومقدساتها وثرواتها، بل هم أداة رخيصة بأيدي أعداء الأمة.
وإن ذلك الشعور بفقدان الراعي يجب أن يشكل دافعا " نوويا " لشعوب الأمة الإسلامية للتخلص من العصابات الحاكمة في بلادنا، إذ ما الحاجة إليها وهي لا تمنع اغتيالا ولا تحمي مقدسا ولا تستطيع استرداد قطيع من الأغنام؟!! بل إنها تقتل وتعتقل وتشارك في الحصار وتمهد الأرضية للمحتلين وتحرس حدودهم وتستميت في توطيد أركانهم في بلادنا!!
وما لم تتخلص الأمة من هذه العصابات الحاكمة المرتبطة بأعداء الأمة، وما لم تتحرك القوى الفاعلة فيها وأهل القوة والمنعة لاستعادة سلطان الامة وسيادتها واقامة دولة الخلافة على منهاج النبوة وتحريك الجيوش لتقوم بوظيفتها الحقيقية في حراسة الأمة وتحرير المقدسات ومنع هذه الاستباحة اليومية، ما لم يتم ذلك ... فقد تخلي بيتك أو مدينتك، أو قد تغتال وتستباح مقدساتك دون أن يسعفك أحد ...دون أن يخطر في بالك اسم تستنجد به، أو تستغيث مثل تلك الاستغاثة الملحمية التي تعرفها: وامعتصماه!!
عبد الله العمري
22/05/2026






