في مشهدٍ جيوسياسي مهيب، يتجلى أمامنا كيف استطاعت دولة واحدة في بلاد المسلمين، بمجرد امتلاكها شاطئاً على مضيق هرمز، أن تجعل العالم يقف "على قدم واحدة"؛ فبمجرد التلويح بإغلاق هذا الشريان الملاحي، تضطرب أسواق النفط، وترتعد فرائص البورصات العالمية، وتستنفر الأساطيل الغربية أسلحتها. هذا المشهد يطرح سؤالا جوهرياً ملحاً حول طبيعة القوة في العصر الحديث: إذا كان مضيق واحد، تشرف عليه دولة واحدة، قد أحدث كل هذا الارتباك في موازين القوى الدولية، فإلى أي مدى يمكن أن تصل حدود التأثير لو أُديرت هذه الأوراق بمنطق مختلف؟
إن المتأمل في خريطة الأرض يدرك أن الله قد حبى أمة الإسلام بمفاتيح الكوكب؛ فنحن لا نملك مخزونات النفط والغاز فحسب، بل نملك "عنق" التجارة العالمية عبر سلسلة من المضائق الحاكمة التي لو أُغلقت لتوقفت نبضات الغرب فوراً. بدءاً من باب المندب وقناة السويس اللذين يمثلان مفتاح التجارة بين الشرق والغرب والتحكم في تدفق البضائع والأسلحة، مروراً بمضيق جبل طارق؛ البوابة التاريخية للمتوسط نحو المحيط والحارس الأمين لسيادة الأمة على بحر الروم، وصولا إلى مضيقي البسفور والدردنيل اللذين يمثلان صمام الأمان الفاصل بين القارات والمتحكم في حركة القوى الكبرى، دون نسيان مضيق تيران الذي يمثل خناقاً جغرافياً قادراً على شلّ حركة الكيان الصهيوني تماماً.
هذه السيطرة الجغرافية تعيد تعريف معنى القوة في عالمنا المعاصر؛ فالأمر ليس متعلقاً بالقدرات العسكرية التقليدية وحدها، بل إن الجغرافيا والسيطرة عليها تلعب في كثير من الأحيان دوراً يفوق أعتى الأسلحة فتكاً إن أُحسن استثمارها. وهنا يبرز التساؤل الكبير: كيف يمكن تحويل هذه المزايا من "ممرات عبور" للآخرين إلى أدوات سيادة حقيقية؟
رغم أن العالم يمتلك مخزونات وثروات ضخمة من النفط في مناطق أخرى كفنزويلا وروسيا وأمريكا، إلا أن طبيعة الطمع الرأسمالي تجعل بقاء النظام الغربي وازدهاره رهناً بالسيطرة المطلقة على ثروات العالم وممراته الحيوية. وفي هذا الطمع يكمن مقتله؛ فهم يدركون أن استعادة الشعوب لسيادتها على هذه المضائق لا تعني مجرد خسارة اقتصادية، بل تعني نهاية الهيمنة التي دامت قروناً. لذا، يستميت الغرب لبقاء هذه الممرات تحت مسمى "الإدارة الدولية"، وهي في الحقيقة إدارة "منزوعة السيادة" لأصحاب الأرض، لضمان استمرار تدفق شريان الحياة لنموذجهم الاستهلاكي على حساب هواننا.
هذه الممرات، وغيرها الكثير مما يقع ضمن جغرافيا بلاد المسلمين، تمثل "الخناق" الحقيقي الذي يمسك برقبة العالم؛ فلو توحدت هذه الممرات تحت راية واحدة، وبإرادة سياسية منبثقة من عقيدة الأمة، لن تستطيع قوة في الأرض مهما بلغت غطرستها أن تقف أمامنا.
ويبقى السؤال المرير: لماذا لا تُستثمر هذه القوة؟
إن امتلاك أدوات القوة لا يكفي مالم تتوفر إرادة استعمالها، فالجبان لا يستفيد من سيفه ولو كان أمضى السيوف. وإذا كان ثمة درس مستفاد من التوترات الراهنة في "هرمز" أو "باب المندب"، فهو الدليل الملموس على أن هذه القوة قابلة للتفعيل، وأن الغرب ليس قدراً لا يُرد. وتظهر حقيقة المشكلة في "حراس الممرات" من الأنظمة التي ارتضت دور الوكيل للمستعمر، وجزأت المجزأ لتجعل من مضائقنا ممرات آمنة للعدو. ومن هنا، فإن مقتضى العمل اليوم يتلخص في استعادة الوعي بمكامن القوة الحقيقية للأمة، والسعي الجاد لخلع ربقة التبعية عبر التخلص من الأنظمة التي آثرت حماية مصالح الغرب، وصولا إلى الغاية الأسمى بالتوحد تحت راية الإسلام في دولة واحدة تملك زمام قرارها وتدير مضائقها بسيادة مطلقة؛ فحينها فقط لن نكون مجرد ممرات يعبرها الآخرون، بل سنغدو نحن من يمنح الإذن بالمرور ويضع شروط البقاء، لنمسك بمصيرنا ونخاطب العالم بلغة القوة من خلال كيان يتحكم بموازين الأرض بإصبع لا يعرف إلا التوحيد.
أ. عبد الله النبالي
07/04/2026






