كيف تستخدم أمريكا التفاوض والمبادرات قبل المعركة وأثناءها لتحقيق أهدافها؟

كتبه: عبد الله حمد الوادي/ فلسطين
مع التغطية المستمرة للتطورات العسكرية لحرب أمريكا والكيان ضد إيران ولبنان، تزدحم وسائل الإعلام أيضا بتغطية النشاط الدبلوماسي الكثيف بعنوانه العريض التفاوض والوساطة والمبادرات المقترحة للتوصل إلى وقفٍ لإطلاق النار وإنهاءٍ للحرب.
ولكنّ التجارب العديدة سابقة وحالية من حروب أمريكا وربيبها الكيان تؤكد أنها تستخدم سلاح المبادرات والتفاوض والوصول إلى إتفاقيات لتحقيق غايات خبيثة من أبرزها:

* جني الثمار وتحقيق ما يصعب أو ما عجزت عن تحقيقه بالقوة وربما الخروج من المأزق بأفضل النتائج أو أقل الخسائر، والتغطية على فشلها وهزيمتها.
فأمريكا قبل أعمالها العسكرية تطرح شروطها ملوّحة بالقوة وأحيانا بالعصا والجزرة، وهي بالعادة شروط يصعب القبول بها، فإذا خضع الطرف المقابل بدون قتال فهي رابحة، وإلا حركت آلة حربها لإجباره فإذا لم تستطع الحسم بدأت باستخدام أدواتها من الوسطاء "المحايدين" لتحقق بالتفاوض والاتفاق ما عييت أن تحققه بالقوة، وإذا وجدت نفسها في ورطة وأصبحت مجبرة على التراجع والانسحاب حرصت على تغطية خيبتها بالوصول إلى اتفاق. وأقرب مثال على ذلك أفغانستان إذ خاب فألها وعجزت عن تحقيق انتصار بعد عشرين عاما من احتلال أفغانستان، فاستخدمت قطر للوصول إلى اتفاق تستر به عورة فشلها، ولعلها تحقق بالاتفاق بعض ما عجزت عنه بالقوة، وقد كان واضحاً لكل ذي لب أنها قررت الانسحاب فعلاً، وأنها كانت ستنسحب في كل الأحوال باتفاق أو بدون اتفاق، بل إنها انسحبت قبل الموعد المعلن دون أن تبلغ حلفاءها.
وأما الخروج من المأزق ففيتنام ليست بغائرة في التاريخ، فبعد أن أوشك الشارع الأمريكي أن يطيح بالحكومة الأمريكية بعد عشرات آلاف القتلى من الجنود الأمريكيين في حرب لم يكن لها أي أفق للحسم العسكري، نجح دهاة السياسة الأمريكية وعلى رأسهم كيسنجر في الوصول إلى اتفاق باريس الذي أنقذ أمريكا من مستنقع فيتنام، فخرجت باتفاق حفظ ماء وجهها وحقق لها جزءا من أهدافها بعدما كانت بين خيارات صعبة: فإما أن يطيح الشعب الأمريكي بالحكومة، أو تستمر في الغرق في مستنقع فيتنام، وإما أن تنسحب خائبة مهزومة.
* الخداع
ربما تكون إيران قد نسيت كيف خدعت أمريكا نظام صدام حسين بل والعالم أجمع منذ مطلع أغسطس ١٩٩٠ حتى أواسط يناير ١٩٩١ وأغرقتهم جميعا في جولات من الوساطات والمفاوضات وأوهمتهم بأنها لن تشن حربا على العراق حتى إذا أكملت استعدادها وجهزت عدتها بدأت حربها التدميرية في التوقيت الذي اختارته وبالطريقة التي تناسب حملتها والتي كانت في تلك الحرب القصف الجوي والصاروخي المتواصل بدون حرب برية.
وفي هذه الأيام وقعت إيران في نفس الخديعة، فقبل حرب حزيران عام ٢٠٢٥ أوهمتها أمريكا بقرب الوصول إلى اتفاق ثم هاجمتها مع الكيان على حين غرة، وأعادت الكرة في نهاية شباط ٢٠٢٦ حين أعلن الوسيط العماني مساء الجمعة أنه تم التوصل لاتفاق، لتبدأ أمريكا والكيان حربهما صباح السبت باغتيال رأس النظام.
وكان الكيان قبل ذلك في عام ٢٠٢٤ قد نجح بالإيقاع بحزب إيران في نفس الفخ، فبينما كانت جولات المفاوضات حول غزة تجري، وبينما كان حزب إيران ينتظر وقف إطلاق النار في غزة، قام الكيان بشن حربه بدءا من تفجير أجهزة البيجرإلى اغتيال الأمناء العامين إلى احتلال أجزاء من جنوب لبنان.
وبعد إعلان الرئيس الأمريكي ترامب تمديد مهلته المزعومة لإيران لعشرة أيام بدلا من أسبوع واحد للرد على المبادرة التي قدمها لوقف الحرب، وافق الكونغرس بأغلبية ساحقة على السماح بالبدء قريبا بعملية عسكرية برية ضد إيران تحت إسمepic fury ،ما يؤكد أنه في الوقت الذي يلقي ترامب بمبادراته التفاوضية تعمل الآلة العسكرية الأمريكية على الاستعداد للخطوة المقبلة، وتعمل المؤسسة التشريعية الأمريكية على توفير الغطاء الدستوري لهذه الخطوة المتمثلة هنا بالغزو البري.
وليس من الواضح بعد إذا كانت إيران قد تعلمت الدرس أم لا، وليس من الواضح إذا ما كانت إيران ستتعاطى مع أمريكا في استخدام أدواتها التفاوضية المعهودة للخروج من مأزق ومستنقع لم تسبر أغواره بدقة، بل دفعتها عنجهيتها إليه عن عمى بصيرة وطغيان.
* تخفيف الضغط الدولي والشعبي واكتساب الشرعية.
وقد استخدمتها أمريكا بمهارة فائقة في الحرب على غزة، واستخدمت لإحكامها أدواتها من الأنظمة العربية والإسلامية "كوسطاء". فكانت وعلى مدار عامين كاملين تطلق كل أسبوعين أو ثلاثة مبادرة أو تأمر بجولة مفاوضات وتلقي بوثيقة الإستسلام لأهل غزة، وقد كانت تهدف من ذلك تحقيق ما له بالغ الأثر في خدمتها: فعلى صعيد الشعوب العربية والإسلامية كانت تهدف أن ينفس ذلك غضبها ويكبح جذوة انفجارها، وقد ترك ذلك أثرا في شعوب أمتنا حتى تجرعت وللأسف كثرة القتل وشدة التدمير والإبادة.
وأما على صعيد الشارع الأمريكي والغربي بشكل عام وكذلك على الصعيد الدبلوماسي فأرادت أن يساهم ذلك في تبرير استمرار الكيان مدعوما منها بالإبادة، إذ أن الشعوب الغربية عندما تضغط على حكوماتها لوقف حرب ما فإنها لا تأبه بالشروط، ولا تضغط على حكوماتها لطرح اتفاقيات منصفة للشعوب التي تتعرض للإبادة، فكانت أي مبادرة تطرحها أمريكا على أهل غزة مبادرة مقبولة لها طالما أنها تنهي الحرب، ولما كان أهل غزة في كل مرة لا يستطيعون القبول بتلك الشروط لأنها تحقق للكيان ولأمريكا أهدافهما، كانت أمريكا تجتهد في استخدام ذلك للتخلص من الضغط الشعبي في الغرب، وقد تُوِّج ذلك في احتفال العالم الغربي بحكوماته وشعوبه بعدما تحلّق الحكام العملاء من حول ترمب يشكرونه ويباركون جهوده ومبادرته لإنهاء الحرب ووقف إطلاق النار على ما فيه من استمرار للإبادة بل واستمرار للقصف بين الفينة والأخرى.
واليوم تستخدم أمريكا نفس الحيلة مع إيران: فمع ارتفاع الأصوات المطالبة بوقف الحرب من داخل أمريكا وخارجها، يلقي ترامب بمبادرة هنا، ويعطي مهلة هناك، ويستخدم عملاءه للتفاوض غير المباشر في باكستان أو غيرها، ويطرح وثيقة الإستسلام فإن قبلت بها إيران كان له ما يريد، وإن رفضتها خرج على العالم قائلا بأن إيران هي التي ترفض، فيحاول أن يكتسب شرعية لعدوانه عند قسم من المعارضين والضاغطين في أسوأ الأحوال.

وهكذا، فما دامت الأنظمة القائمة في بلاد المسلمين لا تتعامل مع أمريكا تعامل العدو المطلق الذي لا يتأتى أن تستند أية علاقة معه سواء كانت حربية أو تفاوضية على الثوابت التي تفرضها أمريكا بنفسها كشرطي للعالم وكصاحب حق في الاحتفاظ بوجود عسكري في بلادنا وكصاحب حق في التدخل حيثما يشاء، أو بالنسبة لدولة الكيان كصاحب حق في الوجود، وطالما أن الأنظمة تفاوض من أجل الحصول على ما تلقيه أمريكا، ولا تحارب إلا للحفاظ على النظام والتمسك بالكرسي فإن حيل أمريكا التفاوضية ستظل تحقق لها أهدافها. ولن يبطل هذه الحيل إلا وجود دولة مبدئية تسخر كل طاقاتها لطرد أمريكا والغرب كله من بلاد المسلمين وتطهيرها من كل احتلال ومن كل وجود استعماري.

02/04/2026