
ليس السؤال في ظاهره بحاجة إلى كثير بحث، فطبيعة هذا الكيان منذ نشأته على أرض فلسطين المباركة سنة 1948م تكشف جوهره؛ كيان قام على العدوان، وتغذّى على الدماء، واستمدّ وجوده من مجازر وترويع وتهجير، حتى أُقيم على أنقاض مساكن وأراضي شعب اقتلع من أرضه، في الوقت ذاته فُرض على الأمة حكام قيدوها بحدود بلاد رسمت بيد المكر والخيانة والتفريط.
ثم جاءت المحطات المتعاقبة: عدوان عام 1967، وما تبعه من احتلالٍ لما تبقى من فلسطين وبعض الأراضي في سوريا ولبنان، لترسيخ صورة الهيمنة. ثم حرب 1973 التي انتهت باتفاقيات زادت على قيود الأمة قيدا. ثم اجتياح لبنان عام 1982 فكانت صبرا وشاتيلا وغيرها من المجازر الوحشية. ثم انتفاضاتٍ متكررة، وعدوانٍ تكرر على قطاع غزة، آخرها بعد السابع من أكتوبر 2023، وضرب اليمن ولبنان وسوريا وآخرها عدوان أمريكا والكيان على إيران، في مشهد يعكس إصرارا على فرض واقع بالقوة، سعيا لإقامة ما يسمى (إسرائيل الكبرى) من النيل إلى الفرات.
إذن لم يكن سفك الدماء حوادث طارئة، بل هو استراتيجية ثابتة عند الكيان. حروب متتالية، واعتداءات متكررة، واحتلال يتمدّد، وصورة تصنع على عين الإنجليز والأمريكان لعدو لا يقهر، في مقابل أمة أقاموا عليها حكاما فصلوها عن أسباب عزتها ومكامن قوتها، بل وجعلوا من دولهم وأجهزة أمنهم درعا حاميا وحصنا منيعا للكيان، خوفا من زواله، فتزول عروشهم معه.
لكن، مع كل ذلك، يبقى السؤال الأعمق:
لماذا يحتاج هذا الكيان الدموي إلى إضافة قانون لإعدام الأسرى، وهو القادر أصلا، والمباشر للقتل دون قانون؟
ولا أرى في ذلك أنه مجرد إجراء قانوني، بل إن إقرار هذا القانون هو بحد ذاته رسالة يفترض أن تعيد صياغة العلاقة بيننا وبين الكيان الغاصب، ليس كشعب فلسطيني يعيش تحت الاحتلال، بل كأمة إسلامية واحدة في مشارق الأرض ومغاربها.
لقد أقرّه في محاولة أتت بعد محاولات لإعادة صورة الردع، لعل هذا القانون يحدث أثرا ولو جزئيا داخل فلسطين المحتلة المحاصرة في ردع أفراد عن محاولة إيذاء الكيان، وبالرغم من ذلك، فإن هيبة الكيان في داخل فلسطين المحتلة تكسرت تحت أقدام المجاهدين الحافية، وصورة تفوقه قد انهارت بأيادي المجاهدين الطاهرة، فمن كان لا يبتغي إلا إحدى الحسنيين، فلن يرهبه أو يوقفه قانون إعدام، وهل يرهب قانون إعدام الأسرى من يرى في الدنيا له سجنا، والآخرة مستقرا؟
ولو افترضنا أن القانون قد يردع المستضعفين من ساكني الأرض المباركة التي ترزح تحت الاحتلال، ولكن ماذا عن تلك الأمة التي كانت تتساءل: هل نستطيع أن نحاربه أم لا؟ وهل يمكن الانتصار عليه؟ ثم ما لبثت حتى تهاوت لديها صورة ذلك الكيان إلى حد بعيد فصارت تساءل وما المانع من الانتصار؟ فأنى لهذا الكيان أن يبقى صامدا أمام تلك الأمة وجيوشها؟ وهو الذي يهاجر مواطنوه بالآلاف رعبا من أذى ألحق به من غزة، وبمئات الآلاف من بضع صواريخ أطلقت عليهم من إيران واليمن وجنوب لبنان؟ ويبدو أن قضيته مع الأمة لن تكون في بحث الكيان تنفيذ أحكام الإعدام، بل كيف سينجو الكيان من قبضة الأمة وجنودها إن استطاع.
ما ينبغي التوقف عنده بعمق هو أن هذا القانون لا يصدر عن كيان واثق بوجوده وقوة عقيدته وترسانته العسكرية، أو حتى عن كيان يستند إلى رعاية أقوى قوة في العالم، بل هو يصدر عن كيانٍ بدأ يستشعر—ولو في داخله— أنه مهدد، وأن نهايته باتت قريبة، كحال كل الجبابرة والطغاة عبر التاريخ، عندما يدفعهم خوف الزوال إلى مزيد من البطش والتنكيل، ولن يكون هذا القانون يوما دليلا على القوة، بل شاهدا على هشاشة تتخفى خلف القسوة.
ثم إن لهذا السلوك بعدا أعمق، إذ هو يرتبط بعقلية تبرر الإجرام وتؤسسه، عقلية ترى نفسها فوق البشر، وتسقط على غيرها أوصافا تبيح العدوان، وتغذيها روايات المظلومية، غير أن هذه العقلية تحمل في ذاتها بذور فنائها؛ إذ إن تراكم مشاهد الظلم لا يُخضع أمة، بل يوقظها، ولا يُطفئ نارها، بل سيزيدها اشتعالا.
فالأسرى ليسوا مجرد أفراد أخطأوا بحق الكيان حتى ينالوا عقابهم، بل هم شاهد على صراع بين الحق وباطل العالم وأكاذيبه "الإنسانية"، وبين أمة تحمل رسالة، وكيان فُرض عليها ليكون أداة لتمزيقها.
وسيبقى هذا الكيان يعمه في طغيانه إلى أن تتحرك أسود الحق وكتائب الإيمان لتغير المعادلات، وتكسر القيود، وتزيل الحدود وتكتب بحروف من ذهب حقبة تاريخية جديدة لهذه الأمة فتعود كما أرادها الله: خير أمة أخرجت للناس.
وبعد هذا، فهل سيبقى السؤال، لماذا أقر الكيان قانون إعدام الأسرى؟ أم كيف ومتى سيزول الكيان الذي يقيد الأسرى والمسرى؟
أ.صابر حسين
08/04/2026






