قامت سلطات الكيان بإخطار محامية التجمعات البدوية وبلدية العيزرية (شرقي القدس) بنيتها البدء الفعلي في تنفيذ مشروعها الاستيطاني الخطير المعروف باسم "نسيج الحياة"، وذلك بعد مهلة 45 يوماً من تاريخ الإخطار الصادر عن ما تسمى النيابة العسكرية للاحتلال. وكان الاحتلال قد أعلن عن هذا المشروع سابقا وطرح عطاءاً لتنفيذه بعدما وافقت حكومة الكيان على الشروع في تنفيذه.
وللتوضيح، فإن هذا المشروع سيؤدي في حال تنفيذه إلى إيجاد تواصل سكاني وبنياني بين المستوطنات القائمة في القدس وبين المستوطنات القائمة في مناطق شرق القدس(بادية القدس)، ما يعني قطع أية إمكانية للتواصل الجغرافي بين وسط وشمال الضفة وبين جنوبها في المناطق التي يسكنها "الفلسطينيون" . وللتعبير عن ذلك قال الوزير اليهودي سموتريتش عند الإعلان عن إقرار تنفيذ المشروع: "إننا ندفن مشروع الدولة الفلسطينية إلى الأبد".
ومن الجدير بالذكر فيما يتعلق بهذا المشروع الذي يخطط له كيان يهود منذ ما يزيد على عشرين عاما، أنه كان معطلا بسبب عدم رضى أمريكا ودول أوروبا عنه، ما يعطي دلالات واضحة على طبيعة المعادلة التي تحكم مواقف الدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية في تحديد ما هو المسموح وما هو الممنوع على الكيان أن يقوم به، وأن هذه المعادلة لا تنضبط إلا بمعيار واحد هو مصلحة الكيان نفسه، فالممنوع ممنوع لأن وقته ليس مناسبا وليس لأنه بذاته ممنوعا، وليس لأنه يخالف ما يُسمى بالقانون الدولي الذي يعتبر هذه المناطق أراضٍ محتلة، وليس ممنوعا لأن الأنظمة العربية والإسلامية تعترض عليه، فاعتراضها ليس جوهريا ولا يترتب عليه أي موقف أو إجراء، وليس ممنوعا لأن السلطة ترفضه، فرفضها لا يتجاوز التنديد والجعجعة بمخاطبة المجتمع الدولي والمطالبة بتطبيق القانون الدولي الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة بالذات بعد حرب أمريكا على فنزويلا، وليس ممنوعا لأنه سيزيد من جحيم حياة أهل فلسطين فأهل فلسطين لا وزن لهم عند هذه الدول الغربية المتشدقة بالإنسانية. إن هذا المشروع المسمى بشريان الحياة وE1 يعيد إلى الأذهان المشروع الاستيطاني الذي بدأ الكيان بتنفيذه عام 1997م في جبل أبو غنيم أثناء حكم الرئيس الأمريكي بيل كلينتون.
وبنظرة سريعة لكلا المشروعين يتضح ما يلي:
مشروع E1 سيفصل مناطق شرق القدس تماما عن كل ما يحيط بها، فهي مفصولة عن القدس بفعل الجدار، وستصبح مفصولة عن وسط وشمال الضفة الغربية، وبالتالي سيصبح وسط وشمال الضفة مفصولين تماما عن جنوبها، أما مستوطنة جبل أبو غنيم فقد أدى إنشاؤها إلى فصل مدينتي بيت لحم وبيت ساحور تماما عن القدس. وبمراجعة بسيطة لنشاطات النظام الأردني في فترة حكمه للضفة الغربية قبل تسليمها عام 1967م يتضح بأن النظام الأردني قد قام بتحويل جبل أبو غنيم من أراضٍ مملوكة للأهالي إلى أراضٍ حكومية(ميري) عن طريق حيلة تحويله إلى مناطق حرجية، وكذلك فعل مع مناطق بلدة العيزرية المزمع إقامة مشروع E1 عليها والمتمثلة بجبل البابا وواد جمل وباب الشمس، لتستولي عليها حكومة الاحتلال بذريعة أنها أراض حكومية وليست مملوكة للأهالي. وباب آخر من أبواب المقارنة هي مواقف الدول والحكومات سواء منها الأمريكية أو أوروبا أو الأنظمة في بلاد العرب والمسلمين والسلطة الفلسطينية: فجميعها دعت أو حذرت أو شجبت واستنكرت عند إنشاء مستوطنة جبل أبو غنيم ثم ما لبثت أن صمتت، ما يشير بوضوح إلى المواقف المرتقبة وخاصة من الأنظمة ومن السلطة والتي لن تتجاوز الشجب والاستنكار والشكوى في أحسن الظروف. لقد أصبح واضحا بأن الغرب وعلى رأسه أمريكا، وبتعاون وتواطؤ كاملين من الأنظمة العربية والإسلامية ومن السلطة الفلسطينية، قد أطلقوا العنان ليهود ليفعلوا في فلسطين وخارجها ما يحلو لهم، وأنهم جميعا يرون بأن ليس على يهود أن يخشوا أي شيء وهم يقومون بذلك. فتدمير غزة وإبادة أهلها، وتدمير مخيمات شمال الضفة، وتدمير لبنان، وقصف إيران واليمن وسوريا، تجعل مشروعا استيطانيا كبيرا ومفصليا كمشروع E1 يظهر وكأنه عمل عادي على جدول أعمال حكومة الاحتلال، لا يستدعي حتى العتاب أو لفت النظر. وإنه لمن المخزي أن الأنظمة والسلطة ستصوّر للناس في فلسطين وللأمة جمعاء أن مقاومة مشروع كهذا لا تكون إلا برفع الشكاوى للأمم المتحدة ومخاطبة المجتمع الدولي لإقناعه بجعل اليهود يتوقفوا.

إن على أهل فلسطين وعلى أمة الإسلام أن يدركوا بأن أمثال هذه المشاريع لن تتوقف ما دام الكيان موجودا، وأن ما ساقتهم إليه الأنظمة ومنظمة التحرير والسلطة من مفاوضات واتفاقيات وعلاقات دبلوماسية تحت ذريعة إنقاذ ما بقي من القدس ومن فلسطين ما هو إلا مزيد من تهيئة الظروف والأجواء لتمكين الكيان من ضم المزيد ثم المزيد.
إن الحل الجذري لقضية فلسطين والمتمثل بزحف الأمة لتحريرها بعد إسقاط الأنظمة والذي توهم كثير من الناس أنه بعيد المنال، وأنه يمكن بالتفاوض وعقد الاتفاقيات والخضوع لما يسمى بالقانون الدولي تحقيق ما هو اسرع وأقرب مما يمكن تحقيقه بالانخراط في الأعمال التي تؤدي إلى التحرير الكامل، إن هذا الحل الجذري يتضح اليوم بأنه أقصر الطرق وأكثرها قربا حتى من محاولة إقناع العالم بردع الاحتلال عن بناء مستوطنة جديدة واحدة. ويجب على الأمة أن تدرك أنها قادرة خلال أقل من 45 يوما أن تغير شكل المنطقة بدلا من أن تركن للإجراءات الشكلية التي ستقوم بها الأنظمة
والسلطة خلال تلك المدة.

أ. عبدالله حمد الوادي

13/01/2026