
قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن حكومته مستعدة للاستماع إلى مطالب الشعب ومعالجة الأوضاع الاقتصادية، وذلك بعد 15 يومًا من احتجاجات متواصلة في عدة مدن.
واتهم بزشكيان الولايات المتحدة و"إسرائيل" بالوقوف خلف ما وصفه بـ“أعمال الشغب”، داعيا إلى الحفاظ على الأمن، في حين أكدت السلطات عزمها فرض أقسى العقوبات على المحتجين. (الجزيرة نت)
قد يكون المشهد في إيران أكثر تعقيداً من غيره في كثير من بلاد المسلمين، ولا تزال تطوراته في مراحلها الأولى. ولا يمكن الجزم بطبيعة هذا الحراك على نحو قاطع؛ فسواء أكان الحراك ردة فعل ضد نظام مارس الظلم لسنوات أو عقود، دون أن يحمل هذا الحراك مشروعا سياسيا متكاملا أو أهدافا واضحة المعالم، أم كان حراكا يمتلك دوافع ورؤى أكثر تنظيما، فإن الثابت أن الحكم عليه صعب وسابق لأوانه.
لكن، مرة أخرى، يعلو صوت في الأمة يقول للظالم كفى، ومرة أخرى لا يسمع الحاكم صوت الشعب إلا حين يهتز الكرسي، وكأنه لم يكن يرى فقراً إلا عندما خرج الجائع إلى الشارع، وكأنه لم يكن يرى رعباً إلا بعد أن تمرد الخائف، وكأنه لم يكن يرى تقصيراً إلا بعد أن خرج المقهور عن صمته.
ومرة أخرى، لا يرى الحكام في بلادنا في الاحتجاجات إلا أياد خفية أمريكية - وإن كانت أمريكا دائما تحاول أن تستغل كل حراك لتدخل أيديها وأدواتها حتى تحقق مصالحها- أو أياد صهيونية تؤجج الشوارع، ثم ما هي إلا لحظات حتى يبدأ الحاكم في تقسيم الشعب إلى وطني وعميل، ومتطرف ومعتدل، وعسكري ومدني، في محاولات حثيثة لشق الصف، وإضعاف الصوت، وإرباك الحراك، وذلك ليبعد عن نظامه التقصير وسوء الرعاية، والتسبب بكل حالات الظلم والقهر والفقر والفساد.
ومرة أخرى، يبدأ الحاكم بالحديث عن الإصلاحات، ويقدم "التنازلات"، ويوسعّ الصدر لاستيعاب المؤيد والمعارض، ليس لأنه فعلا أصلح من نفسه، ويريد أن يغير نظام الحكم بما تحمل الشعوب من خير مستقر في العقول والقلوب، بل لأنه بدأ يرى نهاية الطريق، و زوال الكرسي، بينما المترقب الخارجي للثورة في كل هذه المشاهد في بلادنا، ينظر بعين المتربص، ليدخل يده فيها حتى يحيلها إلى مصلحته، ويعيد الشعب إلى قفصه الاستعماري بعد أن يطلي جدرانه ويستبدل حارسه.
لم تكن إيران هي النموذج الأول في التعامل مع تحرك الشعوب، ولنا فيما حصل في ثورات الشعوب في بلادنا ضد الأنظمة تجربة، في أنها لم تكن بسبب أزمة اقتصادية طارئة، ولا سوء إدارة عابر، بل هي مشكلة نظام حكم يقوم على غير أساس صحيح، ويجعل السلطة أداة للهيمنة وحماية المصالح، لا وسيلة لرعاية شؤون الأمة وفق ما تقتضيه العقيدة والأحكام الشرعية، ولهذا تتغير الوجوه، وتبقى المآسي، لأن النظام ذاته لم يتغير.
ومرة أخرى، تخرج الأمة ضد الظلم والطغيان والقهر والحرمان، وإن كانت كل أجهزة مخابرات العالم وإعلامها المأجور يتعمد إبراز الصبغة الوطنية أو القومية، أو شعارات كالحرية والعدالة الاجتماعية والدولة المدنية، ويخفي أي شعارات تعبر عن عقيدة الأمة، أو عن حقيقة معدنها، بأنها خير أمة أخرجت للناس، وعن حقيقة أن هذه الأمة قد تضعف لكنها لا تموت، وعن الحقيقة -وإن لم تنطق بها ألسن المحتجين والمتظاهرين- بأن الكلمة الفصل هي للأمة، وأن الذي يستطيع التغيير وإن دفع أثماناً باهظة، هي الأمة، وأن السلطان للأمة وللأمة فقط.
ويبقى العامل الأخطر في هذه المعادلة، في كل الحراكات السابقة والحالية والقادمة، هي الجيوش، فهي ليست ملكًا للحاكم، حتى وإن كانت بعض الأجهزة في الدولة أدوات قمع للشعوب وحماية لكرسي الحاكم، وهي أجهزة لها أدوار خاصة قذرة، ولكنها غير الجيوش، فالجيوش هي جزء من الأمة وتعاني ما تعانيه الأمة، وتعيش ذات الظلم والقهر، بل إنك تستطيع القول أنها تعيش ظلما أشد، وقهرا أكبر، و رقابة على مدار الساعة، وهي تعلم أن ما يجري هو صراع بين حق وباطل، وإلى أن يأذن الله بالنصر والتمكين لهذه الأمة، فإن هذه الجيوش لن تلبث أن تصطف إلى جانب أمتها، وتخرج من عزلتها، وتقيم شرع الله فيها تحت السلطان الذي يخرج من رحم هذه الأمة.
قد يكون ثمن المواجهة اليوم قاسيًا، لكن ثمن السكوت أشد وأدوم.
أ. صابر حسين
14/01/2026






