maqal151126

مشاهد تثلج الصدور، لا سيما ما شهدناه من تكاتف وتعاضد بين أبناء الأمة في ظل العدوان على غزة.
أطباء من كل الأقطار يدخلون القطاع، يفارقون أهليهم وأبناءهم ليخدموا إخوانهم الذين وقع عليهم العدوان. يخاطرون بأرواحهم، ويكابدون القصف، وتقصف عياداتهم المتنقلة، فلا يثنيهم خوف ولا دمار ولا حصار عن مد يد العون. وليست هذه المرة الأولى، ففي كل عدوان على أهل فلسطين، وغزة خاصة، كانت التبرعات والمساعدات تتقاطر من المسلمين في كل الأمصار، وشاحنات الإغاثة تصطف عند الحدود، تعبرها إن سمح لها الكيان بالعبور.
ولا يزال مشهد ذلك الرجل المصري المسلم حاضرا في الأذهان، وهو يرمي في الشاحنة حبة فاكهة أو خضرة أو كسرة خبز، لعلها تكون حجة له يوم القيامة بين يدي الله أنه بذل أقصى ما يستطيع. وكأن لسان حاله لسان الذين قال الله فيهم: ﴿تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾
هذا ما كان من أبناء الأمة في الخارج. ومثله حدث بين أبناء الأمة الواحدة تحت الاحتلال. فأهل الخليل كانوا عونا لأهل مخيمات طولكرم وجنين فيما أصابهم من شدة وحصار وفقر وجوع وهدم ونزوح، وكان أهل الضفة سندا لإخوانهم في غزة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
ثم انتقل المشهد من مدينة إلى مدينة، بل من حي إلى حي في المدينة الواحدة، كما جرى مؤخرا في الخليل حين حاصر الكيان حيي الجلدة ودير بحة. فهب الناس لإيواء من نزح عن بيته، وفتحت الدواوين والصالات لاستقباله، وقدم كل ما استطاع من مال وطعام.
وما ذلك إلا أثر لثقافة أصيلة مزروعة في صدور الأمة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. وقول النبي ﷺ: «المسلمُ أخو المسلم، لا يظلمه ولا يُسلمه»، وفي رواية: «ولا يخذله ولا يحقره». وقوله ﷺ: «مثلُ المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثلُ الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسد بالسهر والحمّى». وهي الثقافة ذاتها التي جسدها الأنصار يوم آثروا إخوانهم المهاجرين يوم آخاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾
ومع رقي هذه الأعمال، وما تخففه من حدة الجوع، وما تبعثه من دفء في جسد من صارت السماء غطاؤه والأرض فراشه، وما تسكّنه من آلام الجرحى، وما تستره من أجساد الشهداء تحت الثرى، فإنه جال في خاطري سؤال:
حتى متى نظل نتلقى الويلات، ثم نهب لنجدة بعضنا ومواساة المنكوبين، ثم نعود فنتلقى الويلات من جديد؟
وهنا نأتي إلى أصل الحال الذي يرضى به الله عنا.
أصل الحال أن تكون الأرض المباركة فلسطين بلا احتلال ولا سلطة فلسطينية تنسق معه، وتضع يدها بيد الكيان لتغريب الشعب وإفقاره وتهجيره، حينها لن يعاني أهل الأرض المباركة القصف والقتل والجوع والفقر والتجهيل والمرض.
وأصل الحال أن تكون خيرات مصر لأهل فلسطين كما هي لكل المسلمين، وأن يكون للمسلمين حق في طماطم الأردن وفوسفاته ومياهه، وفي نفط الخليج وغاز تركيا. فالأمة التي قال الله فيها: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾، لا يجوز أن تُقسَّم خيراتها بحدود رسمها المستعمر، فيشبع المصري والأردني وجاره الشامي أو الفلسطيني يموت جوعا.
وقد كان هذا واقعا يوما ما؛ ففي عام الرمادة، سنة ثماني عشرة للهجرة، أصاب الحجاز قحط شديد حتى اسودت الأرض كلون الرماد، فهلكت المواشي وتقاطر الناس على المدينة يطلبون القوت. وكان على رأسنا يومها عمر رضي الله عنه، فكتب إلى عمرو بن العاص والي مصر: «أفتراني هالكا ومن قِبَلي وتعيش أنت ومن قِبَلك؟ فيا غوثاه، يا غوثاه!»، فأجابه عمرو: «لأبعثنّ إليك بعيرٍ أولها عندك وآخرها عندي». وأرسل الطعام براً وبحراً، وأمدّه أبو عبيدة من الشام وسعد من العراق. لم تكن هناك جمارك ولا حدود ولا مفاوضات ولا أمم متحدة ولا أمريكا، فالأمصار كلها دولة واحدة لأنها أمة واحدة ويحكمها حاكم واحد، وخيراتها لكل محتاج فيها. وهذا هو أصل الحال: مسؤول يُستغاث به فيُغيث، ووال يلبّي النداء فيسرع.
لكن وحدة الموارد وحدها لم تكن كافية، بل كان لا بد لها من قيادة مسؤولة لأمة واحدة، كعمر بن الخطاب رضي الله عنه، تحمل هم الرعية، وتتولى توزيع الثروات على مستحقيها، وتحمي الناس وأموالهم.
وأصل الحال أن جيوش المسلمين هي التي يقع على عاتقها نصرة إخوانهم، فيكسرون الحدود ويحررون الأرض وينقذون الملهوف، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾.
وأصل الحال أن يحكمنا قائد مخلص بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، هو المسؤول عن أن نكون أمة واحدة من دون الناس، وهو قائد الجيش الفعلي الذي يذود عن حياض المسلمين وأموالهم وأعراضهم، فلا يوردهم موارد الهلاك، ولا يمكن أعداءهم منهم فيسومونهم سوء العذاب.
أما اليوم فقد صار من يستغاث بهم لا يغيثون، وتبقى الجيوش بسببهم مقيدة في ثكناتها، فهل فيهم عمر الذي يحمل همّ الأمة، أو عمرو الذي يلبي نداء الاستغاثة، أو سعد الذي يمد يد العون، أو أبو عبيدة الذي يسارع إلى إغاثة الملهوف؟
لا، ليس فيهم عمر ولا عمرو ولا سعد ولا أبو عبيدة و لنا في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يجعلنا نميز عمر وأمثاله عن غيرهم، حيث قال: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشقّ عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به»
ويبقى السؤال:
متى سنتخلص من هؤلاء الحكام الذين تركوا رعايتهم، وخانوا أمانتهم، وشقّوا على أمتهم، ونأتي بذلك القائد الذي يخلّصنا من الشقاء في الدنيا، ويحفظ علينا أمننا وديننا ويعيد لنا مسرى نبينا؟


صابر حسين

05/11/2026