
إن اختيار الأنظمة لمواضع مراكز القيادة والسيطرة ليس قرارًا هندسيًا مجردًا، بل يعكس في كثير من الأحيان فلسفة السلطة، ويكشف طبيعة العلاقة التي تقيمها مع شعبها، ومن أين تستشعر الخطر، وإلى أي اتجاه توجه بوصلتها الأمنية والسياسية.
افتتح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مجمع القيادة الاستراتيجية المعروف بـ “الأوكتاجون"، وهو مشروع ضخم قُدِّم بوصفه مركزًا لإدارة الدولة ومواجهة الأزمات والتهديدات، ويرى الرئيس المصري أن أحد أهدافه يتمثل في تعزيز قدرة النظام على إدارة الأزمات الداخلية بعد التجربة التي عاشتها مصر خلال أحداث عام 2011.
فأية أزمات هي التي تحتاج الدولة لتحصين نفسها تجاهها والإبقاء على الهيبة؟ هل هي تلك الداخلية؟ أم الخارجية ؟؟
عند المقارنة مع كثير من الدول الكبرى، يلاحظ أن مراكز القرار الاستراتيجي فيها تبقى مرتبطة بقلب الدولة السياسي والإداري، وقريبة من المؤسسات التي تمثل حركة المجتمع والدولة، لأن مصدر قوة الدولة لا يكمن في ابتعاد مؤسساتها عن شعبها، وإنما في تماسك الجبهة الداخلية، وثقة الأمة بقيادتها، ووحدة الإرادة بين الحاكم والمحكوم.
أما حين تتحول العقيدة الأمنية إلى اعتبار الشعب مصدر التهديد الأول، بينما تتراجع الأولويات المتعلقة بالأخطار الخارجية، فإن ذلك يعكس أزمة عميقة في مفهوم الدولة نفسها، فالدولة التي تنظر إلى أمتها باعتبارها خصمًا، لن تستطيع أن تبني أمنًا مستقرًا، لأن الأمن الحقيقي لا تُنشئه الجدران الخرسانية، بل يصنعه العدل و"الشرعية" والتفاف الأمة التي تحمي سلطانها.
والمشهد الذي تعيشه أمتنا اليوم يكشف خللًا أكبر من مجرد موقع مقر قيادة أو تصميم مدينة عسكرية، إنه خلل في فلسفة الحكم، حيث أصبحت في كثير من الأقطار مهمة الأنظمة حماية بقائها قبل حماية شعوبها وبلادها، وتأمين استمرار السلطة قبل صيانة مصالح الأمة، حتى غدا المواطن يُعامل باعتباره الخطر الأقرب، بينما تتراجع قضايا السيادة والاستقلال والوحدة إلى مراتب متأخرة.
إن الأمة التي أرادها الله تعالى﴿ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾لا يليق بها أن تكون رهينة أنظمة تنشغل بحماية كراسي الحكم أكثر من انشغالها بحماية أمنها ومقدساتها ومستقبل أجيالها. فنهضة الأمة لا تبدأ بتشييد الحصون، وإنما بإقامة الخلافة التي تطبق شرع الله، والتي تعيد للأمة الكرامة، واستعادة الثقة بين الأمة ودولتها.
ويبقى السؤال الجوهري:
هل تُبنى مراكز القيادة لتحصين الأوطان من أعدائها، أم لتحصين الأنظمة من شعوبها؟
الجواب عن هذا السؤال يكشف طبيعة كل نظام، ويحدد إلى أي جانب تتجه بوصلته: إلى الأمة...أم إلى السلطة.
أ. علي محمد
13/07/2026






