منذ ما يزيد عن خمس وسبعين عاما، لم يتغير المشهد، ما زال أهل فلسطين يعانون من ويلات النكبة، بل نكبات جديدة في كل يوم، جرح ينزف، جرح لم يندمل ويزداد يوما بعد يوم، لم يتوقف القتل ولا التشريد ، تهدم البيوت صباح مساء، حادثة لم تغب عن أهل فلسطين حتى تصبح ذكرى، بل واقع يحيونه، ليست حدثا مضى وطويت صفحته، بل هي حالة مستمرة تتجدد كل يوم، في الحواجز التي تقطع الطرق، وفي بيوت تهدم لتشيد مكانها مستوطنات، وفي مخيمات اللجوء التي باتت مدنا كاملة، هذا ليس ماضيا يستذكر، هذا حاضر يعاش، ونكبات جديدة تتراكم بعضها فوق بعض.
تخيّل معي تلك الليلة من عام 1948، الفجر لم يطلع بعد، والقرى نائمة. فجأة، أصوات رصاص تشق الصمت، وأقدام مسلحة تقتحم الأزقة. في دير ياسين، أيقظ الرجال أطفالهم على صرخات لم يفهموها بعد، والنساء أحكمن ضم أبنائهن قبل أن يسقطن معهم. في ساعات معدودة، استشهد ما يزيد على مئة وعشرين نفسا، ولم يبق المسلحون اليهود على صغير ولا كبير.
لم يكن ذلك جنون حرب، بل كان مخططا مرسوما بدقة، أذاعوا خبر المجزرة في كل حي وقرية مجاورة، لا لشيء إلا ليفر الناس بأرواحهم من تلقاء أنفسهم.
والنتيجة؟ طرد ما يزيد على تسعمائة ألف إنسان من بيوتهم، واستولت عصابات الكيان على 78% من أرض فلسطين، ودمرت 531 قرية ومدينة، ووقعت أكثر من خمسين مجزرة، واستُشهد خلالها خمسة عشر ألف مسلم.
لو كنت هناك، ماذا عساك أن تفعل؟ تحمل سلاحك أم تنتظر القرارات الدولية؟ أم تنتظر الجيوش العربية القادمة؟ التي جاء كثير من الجنود فيها تهفو قلوبهم ونفوسهم للجهاد والتحرير والاستشهاد، الجنود الذين سجلوا بطولات ملحمية والذين ظنوا كما ظن أهل فلسطين أنهم جاؤوا للتحرير! رغم أن بعضها جاء بلا عتاد ولا معلومات، أما الأدهى فقد جاء بعضها الآخر تحت قيادة بريطانية صريحة. الجيش الأردني كان يقوده رئيس أركان بريطاني اسمه جون جلوب، أصدر أوامر صارمة بعدم تجاوز خطوط قرار التقسيم. لم يكن معنياً بتحرير فلسطين، بل بتثبيت تقسيمها. الأنظمة لم تتآمر على أهل فلسطين وحدهم، بل على الجيوش التي خدعتها وعلى الأمة بأسرها، أنظمة لم تعص أوامر أسيادها من الغرب لا في الأمس ولا اليوم.
تلك كانت ملامح النكبة الأولى، أرقام وقرى اندثرت من الخرائط لكنها لم تندثر من الذاكرة. واليوم، لم تتغير الصورة، بل تضاعفت وحشيتها مع ما تشهده غزة من حرب لم تتوقف، إمعان في القتل والتشريد، تطاول واستعلاء، أمهات يلملمن أطفالهن بأيدٍ ترتجف، وآباء يحفرون تحت الأنقاض بأظافرهم علهم يجدون أحدا يتنفس. حرب إبادة لم يسبق لها مثيل، بل تجاوزت مجازر اليوم نكبة الأمس، وكأن ابو البقاء الرندي يرى حالنا حين قال «حتى المحاريب تبكي وهي جامدة حتى المنابر ترثي وهي عيدان» وإن كان قالها حينها في رثاء الاندلس.
نزح نحو 1.9 مليون شخص من أهل غزة تحت القصف، ليجدوا أنفسهم في خيام مكشوفة تفتقر لأبسط مقومات الحياة. إنها نكبة متجددة، يتكرر فيها مشهد الأمهات والأطفال وهم يحملون حقائبهم بحثا عن ملجأ يأويهم. و يتساءل المسلمون: هل باتت أحداث النكبة، ونكبة اليوم صورة اعتادتها جيوش المسلمين؟ هل أصبحت الأرقام مجرد إحصاءات تمر على شاشات الهواتف بين منشور وآخر؟
هذا مشهد غزة تحت القصف، أما من يظن أن الضفة الغربية بمنأى عن هذه النكبة فهو لم ير الصورة كاملة، فأساليب النكبة مختلفة، حواجز تقطع أوصال الناس، كأنهم يعيشون في سجن بلا جدران، ومستوطنون يسرحون ويمرحون بطول البلاد وعرضها، بحماية من جنود كيان يهود يفرضون أمرا واقعا يسلبون البيوت والأراضي وأرزاق الناس، وهدم للبيوت في الخليل وبيت لحم وغيرها، اقتحامات للأقصى لا تتوقف، حتى اقتحموا مسجدا بمدينة نابلس أثناء تأدية الناس الصلاة ومنعوا المصلين من إتمام صلاة الجمعة. بل من صور نكبتنا المتجددة أن تخرج جثمان والدك بعد دفنه لأن المستوطن لا يريدك أن تدفنه هنا، بل لا يريدك لا حيا ولا ميتا هنا.
أما السلطة فمنهمكة بتعيين قيادة جديدة لتحيا تحت بساطير الاحتلال، لتعيّن حارسا أمينا على أمن كيان يهود، ويهود لا يريدونهم ويصرحون في أكثر من مرة أنهم يريدون الغاء اتفاقية اوسلو وصدق قول ربنا فيهم (وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) فلو أعطوهم كل ما طلبوا لطلبوا ما بعده. ثم ينفقون الأموال على مؤتمرات وانتخابات والناس في نكبة الجوع والحاجة فوق نكبة كيان يهود. الأيام ذاتها والفواجع تعيد نفسها، مسلسل يمتد منذ 78عاما في الضفة وغزة ولن يتوقف ما دامت السلطة وهذه الأنظمة العميلة تجثم على صدورنا.
مآسي الأمس هي نفسها ويلات اليوم، ستبقى مستمرة ما لم تتحرك الأمة بجيوشها وتأخذ زمام الأمور بالوقوف بوجه كيان يهود ومن يمدهم بحبل البقاء من غرب وأنظمة عربية، النكبة لم تكن على أهل فلسطين وحدهم ،بل على أمة الإسلام بأسرها، فما الذي تنتظره الأمة بل ماذا تنتظر جنود الأمة التي هي ميزان القوة بعد كل هذا بعد كل هذا؟ هل تنتظر أن يأذن لها أحد بالتحرك؟ أم تنتظر نكبات جديد؟ أو أن يصدر قرارا أمميا يعيد لها كرامتها، وهم الذين اضاعوها؟!
قال تعالى (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا)
أ أدهم عبد الكريم
19/05/2026






