"إن العمال الفلسطينيين يمرون بمرحلة غير مسبوقة من الإحباط وانعدام الأمل، في ظل غياب قوانين الحماية الاجتماعية، حيث فشل سابقاً تطبيق قانون الضمان الاجتماعي، رغم كونه الملاذ الآمن للعمال في أغلب دول العالم... خسائر العمال الفلسطينيين -بعد الحرب- تقدر بأكثر من 16 مليون شيكل والاتحاد يسعى بالتعاون مع اتحادات دولية للحصول على تعويضات للعاملين المتضررين، والحل الجذري يكمن في إقرار قانون للحماية الاجتماعية والضمان الاجتماعي لتوفير مظلة قانونية واقتصادية تحمي العمال... خاصة في ظل غياب أي ضمانات حالية".
لطالما شكلت الظروف الصعبة والكارثية والأزمات السياسية والحروب الظرف المناسب للترويج لأفكار ومشاريع ليس الهدف منها علاج الأزمة أو التخفيف من أثرها بقدر الإستفادة منها، ولو أدى ذلك إلى تفاقم الأزمة وضررها على الناس ودمائهم وأموالهم، وهذه الظاهرة تكاد تشاهد في كل الأزمات التي تعصف بالبشرية على مستوى العالم، ولا غرابة في ذلك في ظل هيمنة النظام الرأسمالي المتوحش وبيئته الحاضنة لفكرة الميكافيلية "الغاية تبرر الوسيلة"، وهو ما أنتج ما يطلق عليهم "تجار الدماء والحروب" وإن حاولوا التستر بلباس التاجر الأنيق والسمسار الشريف!
لنعود إلى الاقتباس في بداية المقالة، وهو خلاصة تصريحات لشاهر سعد أمين الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين... ويظهر في الاقتباس وفي غيره من المقابلات الحديثة تأكيد شاهر على أن الظرف الحالي يمثل كارثة اقتصادية واجتماعية حقيقية -في ظل وجود 500 ألف عامل عاطل عن العمل بشكل كامل مما اضطر بعضهم لبيع أثاث منزله لتحصيل المال- وغياب صندوق الضمان الاجتماعي القادر على تخفيف آثار هذه الكارثة الحالية، وأن هذا الظرف مناسب جداً لإعادة إحياء فكرة تنفيذ مشروع قانون الضمان الاجتماعي وإدراك خطورة غيابه في ظل هكذا ظروف!
وشاهر سعد يكون بذلك قد جمع ضمنياً ما بين اللوم على الناس في إفشال قانون الضمان اللازم لمساعدتهم، والنصح بضرورة إعادة طرحه من جديد، والترويج لأهمية وجوده مسقبلاً ومطالبة السلطة بإقراره خاصة في ظل الظروف السياسية الصعبة والغير مستقرة!
لقد شكل الحراك الشعبي الذي أفشل تطبيق قانون الضمان الاجتماعي ضربة موجعة للسلطة حيث أفشل أكبر عملية سرقة لأموال العمال -وليس طوق نجاة كما يروج شاهر سعد- ولكن ذلك لم يمنع السلطة من استغلال كل ظرف والبحث عن كل أسلوب لإعادة إحياء فكرة تنفيذ ذلك المشروع للوصول إلى أموال العمال وأتعابهم ومستحقاتهم التي تقدر بعشرات المليارات عند كيان يهود مستخدمة رجالاتها الفاسدين ونفوذها داخل المؤسسات النقابية.
لقد وصل الفساد برئيس جهة من المفترض أنها وجدت للدفاع عن العمال، أن يحملهم مسؤلية الوضع الكارثي بسبب إفشالهم لقانون الضمان وذلك بدل أن يحمل المسؤولية للسلطة التي تنصلت بشكل كامل عن العمال وتركتهم فريسة للجوع والإفلاس ودفعتهم قبل ذلك للعمل عند كيان يهود بسياساتها القائمة على الجباية والسرقة وقتل الاستثمار وتدمير الاقتصاد! إن هذا الأمر غير مستغرب من أحد أبرز رجالات السلطة الفاسدين ولصوصها الكبار والمتهم بقضايا إختلاس، منها إختلاس أموال العمال المحولة من نقابات الهستدروت عند كيان يهود، والحديث يدور عن أرقام بملايين الدولارات، وكذلك التوقيع على تسويات على حساب العمال ومستحقاتهم مقابل عشرات الملايين التي قبضت ولم يعلم مصيرها... وغيرها من القضايا التي قبرت وأغلقت بسبب نفوذ السلطة وتسلطها على القضاء لحماية رجالاتها، ومنها قضايا رفعها وزير العمل السابق مأمون أبو شهلا على الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين بقيادة شاهر سعد!
وفي الختام:
ربما تكون السلطة قد دقت معظم مساميرها في مشروع رباط وثبات أهل فلسطين على أرضهم، فتم تدمير التعليم والصحة والإقتصاد وإحداث ضرر كبير في المنظومة الأخلاقية والإجتماعية، وبقي بعض تلك المسامير في يدها تسارع الزمن لدقها وإكمال المهمة بعد تعثرها بسبب وعي أهل فلسطين والتصدي لها بتوجيه المخلصين ووعيهم، ومن ذلك على الصعيد الاجتماعي قانون سيداو، وعلى صعيد التعليم إنهاء ما تبقى من الأسس الثلاث، المنهاج، والمعلم، والطالب، وعلى صعيد الصحة دفع المنظومة الصحية نحو التفكك والانهيار، وعلى الصعيد الاقتصادي سرقة مستحقات العمال وأتعابهم، وهي ما زالت تسابق الزمن خاصة في هذا الجانب المالي، فهو بنظرها قد يتحول إلى مكافئة نهاية الخدمة وأتعاب إكمال دورها الخياني في قضية فلسطين ودفع أهلها نحو الهجرة.
د.مؤمن عبد الله
16/05/2026






