نشرت وكالة وفا التابعة لمنظمة التحرير نقلا عن الخارجية الفلسطينية أن "الخارجية ترحب بتصويت البرلمان الأوروبي على تقرير إبراء الذمة لعام 2024 وإسقاط الصياغات المتشددة ضد التمويل الفلسطيني."
الترحيب الاحتفالي جاء في أعقاب تصويت البرلمان ضد اقتراح تم رفعه من كتلة ECR (المحافظون والإصلاحيون) والذي طالب بوقف الدعم والتمويل الأوروبي للسلطة مطالبا بفرض شروط أكثر صرامة عليها، أي أن ما أسقطه البرلمان الأوروبي هو الصياغات المتشددة المقترحة فقط، بينما أبقى على نصوص أصلية معدلة، وهو ما اعتبرته وزارة الخارجية انتصارا للدبلوماسية الفلسطينية.
على أن بحثا سريعا فيما تم التصويت عليه وما تم إقراره وما تم رفضه يظهر بأن وزارة الخارجية الفلسطينية تعمدت الاحتفاء بجانب واحد محدد تدليسا بينما أهملت جانبا آخر بشكل مقصود، حيث تولت وكالة "وفا" باعتبارها ناطقة باسم السلطة ومنظمة التحرير صياغة الخبر بطريقة تصوّر الأمر انتصارا تماما كما أرادت السلطة إظهاره.
وعلى النقيض، فقد عنونت الوكالات الإعلامية الأخرى سواء الأجنبية منها أو العربية الخبر الذي نشرته كالتالي"
البرلمان الأوروبي صوّت لتجميد المساعدات المالية للتعليم الفلسطيني بسبب المناهج” مستندة في ذلك إلى محاضر جلسات البرلمان ومحاضر التصويت موضحة أن ما جرى هو التصويت على ملف إبراء الذمة المالية 2024 والمتعلق بالتمويل المقدم للسلطة الفلسطينية، والذي تناول جانبين:
أولا: المناهج والكتب الدراسية
وثانيا: الدعم المالي لدعم السلام وحل الدولتين (والتشديد على عدم وصوله إلى الإرهابيين والمعادين للسلام والسامية).
في قرار التصويت بتاريخ 29 أبريل 2026، اعتمد البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ مجموعة من القرارات الرسمية والتي تضمنت بنوداً صريحة بشأن المناهج الفلسطينية، وتجدر الإشارة هنا أن الوثائق تضمنت صورا لصفحات من كتب المناهج وتعميمات وزارة التربية والتعليم تشير إلى كلمات محددة مثل تعميم الوزارة أن درس "الجهاد" داخل في مادة التربية الإسلامية المقررة لامتحان الثانوية العامة.
وقد كان أبرز ما جاء في الوثيقة الرسمية للقرار:
1.شرط التمويل: طالب البرلمان الأوروبي المفوضية الأوروبية بضرورة ربط الدعم المالي الذي يقدمه الاتحاد الأوروبي للسلطة الفلسطينية في مجال التعليم بمدى التزام المناهج بمعايير اليونسكو للسلام والتسامح.
ولمن لا يعرف معايير اليونسكو فتكفي الإشارة إلى أنها تعمل لتعزيز مفاهيم الديمقراطية وتشجيع التفاهم بين الثقافات ومنها ثقافة الجندر وقبول الآخر ومنه "التطبيع " وما يسمى بحل النزاعات سلميا أي "تجريم الجهاد" وتوسيع مشاركة النساء ومنها سيداو.
2. رصد المحتوى: أعرب البرلمان عن "أسفه" لعدم إزالة مواد وصفها بـ "التحريضية" أو التي تحتوي على "معاداة للسامية" في الكتب المدرسية المطبوعة لعامي 2025-2026، رغم الوعود السابقة بالإصلاح.
وهو ما يعني أن الحديث عن تحرير فلسطين يعتبر تحريضا، كما أن الحديث عن اليهود بما وصفهم به القرآن هو معاداة للسامية.
3. نتائج التصويت: إذ تم تمرير القرار بأغلبية 418 صوتاً مقابل 207 أصوات معارضة.
وربما يكون هنا هو موضع التضليل المتعمد والمشار إليه، فالأغلبية التي وافقت هي أغلبية مصرة على تغيير المناهج وأما الذين رفضوا فهو لأنهم يريدون شروطا أكثر صرامة، وهذا هو الفرق بينهم.
4. طبيعة القرار: هذا القرار صادر عن "البرلمان الأوروبي" وهو السلطة التشريعية التي تمثل أداة ضغط سياسي وقانوني على "المفوضية الأوروبية" بوصفها السلطة التنفيذية التي تتولى صرف الأموال فعلياً.
وهو ما يعني على الأغلب أن المفوضية ستصبح أكثر صرامة وتشددا في الشروط الموضوعة على الدعم والتمويل.
ولتوضيح المقصود السالف الذكر، فقد ورد التالي مثلا من النص المترجم من القرار الرسمي "يؤكد البرلمان على ضرورة قيام السلطة الفلسطينية بإزالة كافة المواد والمحتويات التعليمية التي لا تتوافق مع معايير اليونسكو... ويشدد على أن الدعم المالي من الاتحاد الأوروبي للسلطة الفلسطينية في مجال التعليم يجب أن يُقدم بشرط أن يكون محتوى الكتب المدرسية متوائماً مع معايير السلام والتعاون."
إن ما سبق يعني، وبكل بساطة، بأن كل ما قامت به السلطة حتى الآن من تعديل وتشويه للمناهج لا يزال محل عدم رضى من البرلمان الأوروبي، وكذلك من المفوضية التابعة للاتحاد الأوروبي، وأن التمويل المخصص للمناهج والذي تجتهد السلطة للحصول عليه سيظل متوقفا حتى تقوم بالوفاء بكل الشروط المفروضة عليها من الأوروبيين.
وهكذا يتضح الفارق الكبير بين تدليس السلطة ووزارة خارجيتها ووكالتها الإعلامية الرسمية "وفا" لخبر تصويت البرلمان الأوروبي وبين الحقيقة والمضمون الفعلي للقرارات الصادرة عن هذا البرلمان ومفوضيته، ويتضح كذلك الهدف من وراء التلاعب بصيغة الخبر وهو هدف خبيث يرمي إلى تسويغ القبول بالشروط والخضوع للإملاءات المفروضة مهما بلغت كما هي العادة.
وختاما فإنه لا عجب من أن تحتفل السلطة بمزيد من الشروط والإملاءات طالما أن ذلك قد يفتح لها باباً من أبواب التمويل، معلنة استعدادها الكامل لكل تعديل مطلوب، إذ أن من باع الأرض المباركة يسهل عليه أن يبيع عقول أبناء الأرض المباركة حين يضع لهم في المناهج الدراسية كل ما من شأنه أن يسلخهم عن دينهم وعقيدتهم وتاريخهم، بل وما من شأنه أن يقتلعهم من أرض فلسطين التي تعترف السلطة بأنها حق لليهود.
أ عبد الله حمد الوادي
14/05/2026






