تخيّل أن مصير العالم معلّق بأصابع رجال يقبعون في أعماق المحيط، يتحكمون بصواريخ نووية تُعادل قوة كل واحد منها آلاف القنابل. ثم تخيّل أن هؤلاء الرجال أنفسهم كانوا، في الليلة السابقة، منغمسين في حفلات صاخبة، يتعاطون الكوكايين وينسون العالم من حولهم. هذه ليست رواية خيالية، بل هي وقائع موثقة جرت على متن غواصات نووية تحمل مفاتيح الدمار الشامل.

أولاً: بريطانيا — الغواصة التي أصبحت «قارب الحفلات»
فضيحة HMS Vigilant — 2017
في سبتمبر 2017، كانت الغواصة النووية البريطانية HMS Vigilant — إحدى أربع غواصات من طراز «فانغارد» التي تُشكّل الردع النووي البريطاني (Trident) — راسيةً في قاعدة Kings Bay العسكرية بولاية جورجيا الأمريكية، لاستلام رؤوس نووية وإجراء أعمال الصيانة الدورية.
لم تكن الغواصة قد ( أ) رست بعيداً عن الأضواء حتى انفجرت فضيحة مركّبة: فُصل تسعة بحارة دفعة واحدة إثر ثبوت تعاطيهم الكوكايين في حفلات صاخبة أُقيمت في فنادق خارج القاعدة. وفي الوقت ذاته، أُعفي قائد الغواصة النقيب ستيوارت أرمسترونغ من مهامه بسبب علاقة غير لائقة مع مرؤوسة، ثم أُعفي نائبه الملازم الأول مايكل سيل لاحقاً بسبب علاقة مشابهة مع مرؤوسة أخرى. أشعلت الفضيحة الرأي العام البريطاني، فأطلقت الصحافة على الغواصة لقبَي «The Party Boat» و«HMS Sex and Cocaine».
فضيحة HMS Vengeance — 2019
لم تكن حادثة 2017 استثناءً معزولاً؛ ففي يونيو 2019 تفجّرت فضيحة مماثلة على متن الغواصة HMS Vengeance بعد زيارتها لميناء عسكري في فلوريدا. ثبت تعاطي ثلاثة بحارة للكوكايين، فيما أشارت التقارير إلى أن عدداً أكبر من أفراد الطاقم استهلكوا كميات كبيرة من الماء لإخفاء المخدرات عن الاختبارات. والجدير بالذكر أن هذه الغواصة كانت تحمل وقتها 16 صاروخاً نووياً من طراز Trident II D5.
وكما لو أن هذا لا يكفي، طالت فضيحة مماثلة غواصة ثالثة هي HMS Talent في العام ذاته، حين طُرد سبعة بحارة إثر تعاطيهم الكوكايين ليلة واحدة قبيل (إقلاع) إبحار الغواصة.

ثانياً: الجيش الأمريكي — التسامح الصفري الذي لا يُطبَّق
يروّج الجيش الأمريكي لنفسه بسياسة «التسامح الصفري» مع المخدرات، غير أن هذا الشعار يتصدّع حين تواجهه الوقائع. فقد أثبتت التقارير تفشّي تعاطي الكحول بين الجنود الأمريكيين، فضلاً عن لجوء بعضهم إلى مواد لا تكتشفها الاختبارات المعتادة. لكن الأشد خطورة ما كُشف عنه في أعلى قمم المنظومة العسكرية الأمريكية.
فضيحة Navy SEALs — 2018
في مارس وأبريل 2018، أجرت القوات البحرية الخاصة فحوصات مفاجئة على وحدات الساحل الشرقي، فتبيّن أن عشرة من أفراد Navy SEALs وجندياً داعماً كانوا يتعاطون الكوكايين والميثامفيتامين. أفاد المحققون بأن الاختبارات كانت «مثار سخرية» داخل الوحدة، وأن عدداً من الأفراد اعتادوا التحايل عليها بتبادل العينات. وكشف التحقيق في SEAL Team 10 أن المواد المتعاطاة شملت الكوكايين والميثامفيتامين والإكستاسي والماريجوانا، حتى خلال التدريبات ورحلات الانتشار.
كان يرافق هذه الفضيحة فضيحة أخرى في القوات البحرية الخاصة Navy SEALs عرفت بفضيحة إدوارد غالاغر وقد كتبنا مقالا عنها ، تبين كيف تواطأت الدولة كلها من إيدي غالاغر إلى القوات البحرية إلى القضاة والنائب العام إلى رئيس ترامب في وقتها في صناعة جريمة سادية والتستر عنها وتهديد كل جندي حاول الإبلاغ عن الفضيحة
فضيحة ضباط الصواريخ النووية — 2013-2018
الأكثر إثارة للقلق هو ما كُشف عنه في صميم القوة النووية الأمريكية. فقد تورّط أفراد من قوات حراسة وإطلاق الصواريخ العابرة للقارات (ICBM) في تعاطي الـ LSD والكوكايين والإكستاسي في قاعدة F.E. Warren الجوية في وايومنغ، وهي القاعدة التي تتحكم في أكثر من 150 صاروخاً نووياً من طراز Minuteman 3.
وعلى الجانب الآخر، تورّط ما بين 34 و92 ضابطاً مسؤولاً عن إطلاق الصواريخ النووية في قاعدة Malmstrom الجوية بمونتانا في عملية غش منظّمة خلال الاختبارات الشهرية للكفاءة، إذ تبادلوا الإجابات عبر الرسائل النصية. وصف مسؤولون عسكريون ما جرى بأنه «أكبر فضيحة غش في تاريخ القوة النووية الأمريكية».
فضيحة التحرش الجنسي 2021-2023
في تقارير صدرت بين 2021 و2023، تبين أن معدلات التحرش داخل الوحدات القتالية المختلطة شهدت ارتفاعاً، مما دفع وزارة الدفاع لإعادة النظر في كيفية حماية المجندات داخل هذه الوحدات المنغلقة والتي لا يعرف كيف ستتم (هذه الحماية: يجب حذفها).

 

ثالثاً: الجيش الإسرائيلي — الأرقام خلف صورة «الجيش الأخلاقي»
يُسوَّق الجيش الإسرائيلي باعتباره «الجيش الأكثر أخلاقية في العالم»، لكن ما كشفته الدراسات يرسم صورة مغايرة تماماً.
أظهرت دراسة أجرتها جامعة هيبرو ومركز ICA (Israel Center on Addiction) أن واحداً من كل أربعة إسرائيليين (25%) ممن خدموا في الجيش أو تأثروا مباشرة بالحرب يعانون من «استخدام عالي الخطورة» للمواد المخدرة — وهي فئة تشمل الكحول والقنّب والأدوية المهدئة، وليس المخدرات الصلبة حصراً. وقد ظلّ هذا الرقم ثابتاً طوال عام كامل من الحرب. كما ارتفع استخدام المهدئات 2.5 مرة منذ اندلاع الحرب على غزة.
ملاحظة منهجية مهمة: هذه الأرقام تعكس حالة المجتمع الإسرائيلي المتأثر بالحرب بشكل عام، وإن كانت تشمل في جوهرها قطاعاً واسعاً من العسكريين وذويهم.

رابعاً: ما وراء الأرقام — لماذا يسقط الجندي؟
ثلاثة جيوش مسؤولة عن أبرز الملفات العسكرية في العصر الحديث، تنخرها المخدرات والكحول. فما الذي يدفع الجندي إلى هذا الانهيار؟
أولاً: الجندي الذي لا يؤمن بقضيته
حين يجد الجندي نفسه في حرب لا يؤمن بعدالتها، أو حين يدرك أنه خُدع بشعاراتها فوجدها حرباً كاذبة لا تستحق الموت من أجلها، يصبح المخدر هروباً من سؤال لا يستطيع الإجابة عنه: «لماذا أنا هنا؟»
ثانياً: اضطراب ما بعد الصدمة — خوف مَن يقتل عن بُعد
يُعبّر هذا المصطلح العلمي عن حالة الخوف الشديد الذي يتعرض له الجندي. والمفارقة أن الجندي المحمي بدبابة محصّنة، بغطاء جوي، بتقنية تتيح له القتل من مسافة آمنة — يرتجف حين يجد نفسه في مواجهة حقيقية مع مقاتل حافي القدمين، قليل السلاح، لكنه يحمل إيماناً لا تحمله أي منظومة تسليح. وتلك مشاهد تكررت مع هذه الجيوش في أفغانستان والعراق والصومال وفلسطين ولبنان وغيرها.
ثالثاً: الأذى الأخلاقي — وطأة الجرائم
يختلف «الأذى الأخلاقي» عن اضطراب ما بعد الصدمة اختلافاً جوهرياً: فهو ليس ناتجاً عن الخوف، بل عن الجريمة. حين يقتل الجندي أطفالاً وأبرياء بدم بارد، تطارده تلك الصور ويجد نفسه أمام سؤال أشد قسوة: «أنا من فعل هذا؟». لا يجد أمامه سوى المخدر يُسكت صوت الضمير، أو يُمحي (يمحو) لحظةً ما لا يمكن محوه.

خاتمة: ما فقدته البشرية
يرجع بي الزمن أنظر إلى جنود كانوا يخرجون للجهاد في سبيل الله، لأرى وجه عبد الله بن رواحة وهو يهتف يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها
وأسمع كلمات عمير بن الحمام: بخ بخ، وما دعاه أن يقول تلك الكلمات إلا طمعا من أن يكون من أهل الجنة
أنظر في وجوه جنود يقومون الليل ويجاهدون في النهار دعاؤهم ربنا اغفر لنا ذنوبنا واسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ، كلما خاضوا معركة يطمعون بإحدى الحسنين ازدادوا قربا إلى الله وطمأنينة بجنبه، وكلما فتحوا بلدا رأوا آثار عملهم رحمة تنزلت عل البشرية وإنقاذا لها من ظلمات كانت تعميها فأبصرت النور بسيف الفتح ، أرى قوما دانت لهم الدنيا وهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ثم ألتفت إلى خزي جند من يخوض حروب اليوم ، لأرجع مرة أخرى وأقول كيف ستكون المعارك الحقيقية بين جيش يؤسس كما أسس محمد صلى الله عليه وسلم جيشه و بين أي جيش على وجه الأرض، ثم أتساءل مرة أخرى كم فقدت البشرية رحمة جند الإسلام عندما أصبحت قوة الأرض بيد المدمنين والمرضى وعبيد الشهوات، ثم ينتهي بي المطاف أن جند الحق قادم منتصر وأن هذه الجيوش منتهية لا محالة
ولقد سبقت كلمتي لعبادي المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون

 

المصادر الرئيسية:
• Maritime Executive – Scandal Erupts Aboard Royal Navy's HMS Vigilant (Nov 2017)
• USNI News – NCIS: U.S. Sailors Not Involved in UK Royal Navy Incidents (Oct 2017)
• Sputnik International – Three Sailors Test Positive for Cocaine on HMS Vengeance (Jun 2019)
• Navy Times – Internal Report Exposes Cocaine Abuse Inside SEAL Team 10 (Jul 2019)
• CBS News – Air Force Airmen Took LSD While Guarding Nuclear Missiles (May 2018)
• Breaking Defense – Air Force Missileer Cheating Scandal Coverage (2014)
• Ynetnews – Israel Sees Rising Substance Abuse as War Drags On (Oct 2024)
• Times of Israel – Israel Sees Sharp Rise in Addiction Amid Ongoing Gaza War (Aug 2024

08/05/2026