لا نبالغ إن كان وصفنا للغلاء وارتفاع الأسعار بالسعار، إذ بات الغلاء أشبه ما يكون بالوحش الذي ينشب مخالبه في الناس، كل الناس، لا فرق بين المنتج والمستهلك، أو التاجر الموظف، او البائع والمشتري، الوحش الذي ينهش الأجور وثمار الجهد حتى تتآكل، وتتآكل معها قدرة الناس على العيش وتوفير الحاجات.
المشكلة ليست في الأسعار بذاتها، وإنما في انفلات زمامها، فقبل أن تتحول الأسعار، وهي المقابل الطبيعي للخدمات والسلع، إلى مرحلة السعار التي تفتك بالحياة المعيشية والاقتصادية فإنها تمر بمراحل، وهي ليست مراحل زمنية بالضرورة، وإنما هي محطات وعوامل تعمل معا على كل سلعة لتنتج كل ذلك الغلاء المتصاعد حتى مراحله النهائية،
وفي هذه المقالة نلقي الضوء على تلك المراحل، أو المكونات المشكلة الغلاء في محاولة لتبسيط الفهم وإدراك الواقع، وخصوصا أن الغلاء ليس وليدا للحدث الأخير الذي يرفع السعر، وإنما هو ناتج عن سلسلة كاملة، يحس بها الناس في كل قفزة، ولا ينسونها إلا بقفزة جديدة تنسى سابقاتها، فهي مسيرة متصاعدة لا تتوقف، كما أنها لا تتوقف على سببها الأخير.
المرحلة الأولى: ضعف الإنتاج
في البلدان التي لا تنتج أو لا تكاد تنتج، كحالة بلداننا العربية، تتكون المحطة الأولى لغلاء الأسعار من باب التكلفة، حيث تكاد تستورد معظم احتياجاتها، مع العلم أن البلدان العربية هي بلدان غنية في معظم المواد، وتتوفر فيها كلفة عناصر الإنتاج، ولكنها متخلفة من حيث البنية الإنتاجية والصناعية والزراعية، وهو تخلف تتحمل مسؤوليته الأنظمة والحكومات القائمة والتي لم تبن عبر عشرات السنوات أية قاعدة أو قدرة إنتاجية، ولذلك كان ارتفاع أسعار معظم السلع في الأسواق هو أول الثمار الطبيعية بسبب الاعتماد على الاستيراد.
المرحلة الثانية: تتعلق بنسب الأرباح ومستويات الضرائب والجمارك
أ – يتفاقم ارتفاع أسعار السلع المستوردة ابتداء مع وجود "الحيتان"، والاحتكار في الاستيراد، وغياب المنافسة وبالتالي عدم انضباط نسب الأرباح، وخصوصا في السلع الأساسية والمهمة، ونظرة واحدة على أسعار اللحوم المستوردة مثلا، أو أسعار السيارات وغيرها توضح المقصود، ومثلها تلك السلع التي تشرف الدولة على استيرادها كالنفط.
ب-الجمارك، حيث تغذى الدولة جوعها من أسعار السلع المستوردة، وبالتالي فإن السوق التي تشكل فيها السلع المستوردة غالبية السلع تكون نسبة الجمارك من سعر السلعة، أو من عموم السلع نسبة عالية، لتبدأ من 5-10 بالمئة من أسعار بعض السلع لتصل في بعضها الآخر إلى أضعاف سعر السلعة،
ج – الضرائب المباشرة وغير المباشرة، والتي تطال النشاط المحلي، كضريبة الدخل، وضريبة القيمة المضافة التي تشكل 16% في الضفة الغربية مثلا،
ومن هنا فإن كافة أنواع الضرائب (ضريبة الجمارك وضريبة القيمة المضافة وضريبة الدخل) يتم تحميلها لتكون جزءا من أساسيا من تركيبة السعر النهائي لأية سلعة،
وهكذا فإن السلعة تتحمل ارتفاع السعر الناتج عن تكلفة كونها مستوردة، وارتفاع السعر الناتج عن الضرائب بأنواعها، مضافا إليها نسب الأرباح، مع ملاحظة أن التكاليف هي متغيرة وقد تطرأ عليها الطوارئ، ومع ملاحظة أن الجمارك المرتفعة لبعض السلع الأساسية كمشتقات النفط (التي تشكل ثلثي سعر الوقود تقريبا في الضفة الغربية) ينتج عنها ارتفاع في معظم السلع، يتحمل المستهلك النهائي البسيط في النهاية كافة ما ذكر.
المرحلة الثالثة: العملات والتضخم
وهي ناحية مرتبطة بالأسعار ارتباطا وثيقا، إذ أن تغير قيم العملات، أو سقوطها نتيجة لفشل وتخلف السياسة الاقتصادية والنقدية ينعكس على الأسعار، ومما يفاقم الأمر أن السلع في الدول "المتخلفة" يكون معظمها عادة مستوردا وتدفع بالعملات الأجنبية الصعبة وخصوصا الدولار.
المرحلة الرابعة: الطوارئ والتغيرات العالمية، سواء كان ذلك إغلاقا كما حصل في فترة كورونا أم حربا أم تغيرا مناخيا، فإن ذلك ينعكس بشدة على البلدان المتخلفة والضعيفة اقتصاديا.
المرحلة الخامسة: السياسات المحلية
ومع أن العوامل السابقة المؤثرة والمنتجة للغلاء تكاد تشترك فيها معظم البلدان العربية، إلا أن سياسات كل حكومة تحدد مقدار التفاقم الناتج عن تلك العوامل مجتمعة، بحيث تكون السياسات عاملا إضافيا من عوامل التفاقم للأسعار، عدا عن أن تلك الأنظمة والحكومات هي الأساس في الغلاء كما هو تشير النقاط السابقة.
فمثلا من السياسات الحكومية التي تفاقم الغلاء انعدام الرقابة على حالات الاحتكار المضر للناس، والفساد والتواطؤ الذي تتشكل منه طبقة "عظام الرقبة" حيث تقتسم المصالح،
ومنها انعدام أية جهود لتخفيف وطأة الغلاء على الناس، كتقديم الدعم للناس أو التخفيف من الأعباء الضريبية مثلا، بل وأحيانا يكون العكس كما في حالة السلطة الفلسطينية التي لم تتوقف إجراءاتها يوما في التضييق على الناس، حتى في أشد الظروف التي يعيشها أهل فلسطين صعوبة وقتامة، حيث تشديد سياسة الجباية والتكثيف سن القوانين التي من شأنها شل الحركة الاقتصادية في الرمق المتبقي من الأسواق.
إن الغلاء مشكلة مستفحلة، وليس الغلاء الأخير إلا المرحلة الأخيرة من تراكمات لا تتوقف، ولن تتوقف ما دام النظام الرأسمالي هو النظام المطبق، وما دامت تلك الأنظمة السياسية التي تحرس التخلف موجودة، فالغلاء ليس قدرا، بل هو جريمة يحمل وزرها من وضع في عنقه مسؤولية تولي أمر المسلمين فشق عليهم وخان الأمانة فيهم، في الحديث عن معقل بن يسار قال، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول" من دخل في شيء من أسعار المسلمين، ليغليه عليهم كان حقًّا على الله تبارك وتعالى أن يقعده من النار".
أ عبد الرحمن اللداوي
02/05/2026






