القصة تبدأ في الموصل، حيث كان إيدي أو إدوارد قائد الفصيل السابع في قوات النخبة للبحرية الأمريكية (Navy SEALs)) في المعركة التي شارك فيها مئة ألف من القوات العراقية والبشمركة والحشد الشعبي ضد تنظيم (داعش) كما زعموا، لكنها كانت محرقة لأهل الموصل استمرت تسعة أشهر من أكتوبر 2016 إلى يوليو 2017.
دور القوات الأمريكية
على الورق كان دور القوات الأمريكية في جانبين:
الأول هو الدعم الجوي، وعندما تتحدث عن دعم جوي في قتال ينطلق من شارع إلى شارع ومن بيت إلى بيت في مدينة مكتظة ويسكنها مليونان وفي معركة قورنت بستالين غراد وبرلين، فسيحضر هنا النموذج الإجرامي الذي سيستفاد منه في حرب الإبادة على غزة
أما الدور الثاني للقوات الأمريكية فهو الدور التدريبي والاستشاري للقوات العراقية، مما يعني رسميا أنه لا دور لهم في القتال، ولكن الحقيقة أن القوات الأمريكية هي التي كانت تقود المجزرة بل وتباشرها بنفسها!
دور إدوارد غالاغر
لم يكن من ضمن المهمات المعلنة للفصيل الذي يقوده أي عمل مباشر، لكن القوات الأمريكية، وبالذات الفصيل الذي يقوده إيدي غالاغر تحركت تحرك من يحمل الحقد ليس على المقاتلين فحسب، بل على كل شيء في الموصل، ولكن غالاغر فكان يحمل حقده الخاص مع نزعة من السادية، تلك السادية التي اشمأز منها حتى أفراد الفصيل تحت قيادته، ودفعتهم للتبليغ عنه والشهادة ضده، ومن ذلك أن إيدي كان يتباهى بقتل ما بين 10 إلى 20 من أهل الموصل يوميا، وفي شهادة أخرى أن معدل قتله كان ثلاثة أشخاص يوميا على مدى ثمانين يوما، ثم جاءت الجريمة التي وثقها إيدي بنفسه والتي حولت القصة إلى قضية رأي عام، تماما كما حصل في سجن أبي غريب، جريمة موثقة بصورة لأسير جريح من (داعش) يبلغ من العمر سبعة عشر عاما، شاب يعتبر في قوانين الغرب طفلا، يطعنه إيدي حتى الموت، ثم يلتقط صورة مع جثته ويرسلها لأصدقائه.
سادية إيدي غالاغر شكلت صدمة لأفراد وحدته، حتى أنهم أخبروا الضباط مرارا، لكن أحدا لم يتحرك، كان إيدي غالاغر يهدد زملاءه بالقتل إن أبلغوا عن تصرفاته، بل وأرسل رسائل يطلب فيها إدراج المبلغين عنه في القائمة السوداء، وتدمير مسيرتهم المهنية داخل مجتمع القوات الخاصة، لكن النظر في هذه الحوادث والتعامل مع المبلغين تخبرك أن إيدي لم يكن وحيدا أو حالة خاصة، فالضباط الذي أُبلغوا عن جرائمه ولم يتحركوا كانوا شركاء لغالاغر، وإدراج المبلغين عنه في القائمة السوداء لم يدع مجالا للشك بأن جرائمه كانت مغطاة بقرار أعلى من القيادة، وأن ستر الجريمة كان سياسة ممنهجة في القوات الأمريكية، تماما مثل مشاهد سجن أبي غريب، فهل يقف الأمر عند حد قوات النخبة ومن قام بالتغطية على جريمة إيدي غالاغر؟
الجواب هو كلا، إذ لا يمكن لأي جيش أن يقوم بجريمة منظمة دون غطاء من الجهة السياسية، وهذا ما تنطق به تفاصيل محاكمة غالاغر التي تشير إلى تواطؤ على كل المستويات،
كيف سارت المسرحية؟
لم تبدأ التحقيقات الرسمية إلا بعد عام من الحادثة، مما يعني تضييع الأدلة في مسرح الجريمة، خصوصا إن مسرحها وميدانها هو أرض المعركة وساحاتها. ثم لتظهر بعد ذلك فضيحة المدعي العام (تشابلاك) الذي تولى القضية، الفضيحة التي تكشف المسرحية، حين أرسل تشابلاك ملفات تجسس على محامي الدفاع عن غالاغر، فماذا كانت النتيجة؟ النتيجة كانت إقصاء المدعي العام كعقوبة له والإفراج عن غالاغر!
أما الفصل الثالث من المسرحية فكان هو الشاهد (كوري سكوت)، أحد أفراد الفصيل الذي أعطي الحصانة مقابل الشهادة، ليدخل إلى ساحة المحكمة بعد الحصانة ليقول أنه هو من قتل الأسير وليس غالاغر، أي نعطي الشاهد الحصانة ثم يعترف بأنه من قتل الأسير، فلا يحاكم الشاهد وفي نفس الوقت يبرء المجرم، ليكون المشهد مسرحيا بامتياز وليس أدل على كونه كذلك من أن غالاغر نفسه اعترف في وثائقي على Apple TV بأنه هو من قتل الأسير.
والنتيجة أن ملف الادعاء ضد غالاغر انهار، وقد برئ غالاغر من كل التهم الموجهة إليه إلا تهمة واحدة وهي التقاط الصورة مع جثة الأسير، حيث قضت هيئة المحلفين بتخفيض رتبته وخفض راتبه عام 2019، لكن ترامب، وكان في ولايته الأولى قد كتب الفصل الأخير من المسرحية بشكل فج وخاتمة قبيحة تمثل ختم رئيس الولايات المتحدة الأمريكية على الجريمة، لم يكتف بتهنئة غالاغر فور صدور الحكم، بل وأعاد إليه رتبته كاملة وأبقى له على شارة النخبة، مما أتاح لغالاغر تقاعدا بكامل مزاياه، كما أقال ترامب وزير البحرية ريتشارد سبنسر الذي كان يرفض هذا التدخل،
تلك جريمة لم تقف عند القيادة العسكرية، بل صنعتها دولة بكل أجهزتها التنفيذية والقضائية، واحتفلت بالمجرم بعد تبرئته، بعد أن قامت بمسرحية سيئة الإخراج ومحاولة فاشلة لتجاوز الجريمة، بتواطؤ متعمد يؤكد للعالم صورة الإرهاب عندما يكون في شكل دولة المجرمة.
لم تكن حالة إدوارد غالاغر فلما من الأفلام التي صنعت في أمريكا عن جرائم الجيش الأمريكي في العراق، والتي كانت تهدف إلى تعرية جرائم السياسيين وكشف الدور القذر الذي قامت به الولايات المتحدة في العراق، بل كان قصة حقيقية اكتوى بها، بل حرق بها أهل الموصل، وكانت شاهدا على الجرائم التي تباد فيها الشعوب بسادية باسم الديمقراطية،
لم يكن تصرفا فرديا، بل مظهرا من مظاهر الفساد في الجيش الذي يقدم على أنه الجيش الأول في العالم، جيش أسس على الجريمة من أول يوم بشواهد لا تنتهي، ليس أولها اغتصاب مئات آلاف الألمانيات في الحرب العالمية الثانية وليس آخرها جريمته في العراق والموصل، وقد أصبح هذا المشهد هو المشهد المألوف لتصرف الجيوش في الحروب،
لم يعرف العالم جيشا لم يقاتل إلا القتال الشريف وحصرا في ميدان المعركة، جيش لم يعرف عنه يوما أنه دمر مدينة على أهلها، أو أنه خوف أو روع قرية، إلا جيش الإسلام، الذي دخل العراق ذاتها يوم دخلها، فسلمت وأسلمت وأصبح أهلها من جزء من ذاك الجيش وهو منهم، تلك العراق التي دخلها التتار وهي منارة الدنيا فدمرت، ثم دخلها الأمريكان فاحترقت، ومع ذلك لم يتمكن جيش أمريكا بكل بطشه وجبروته وجرائمه ووحشتيه من السيطرة عليها لولا تعاون الخائنين، فقط كان جيش الإسلام الذي لم تلبث العراق بعد الفتح إلا قليلا حتى صارت منه وصار الإسلام منها، جيش الإسلام العائد بإذن الله ليعيد إلى العالم معنى شرف القتال والمعركة.
أ. احمد عبد الحي
01/05/2026






