إن امتلاك أمريكا لترسانة هائلة من الأسلحة هو حقيقة، حيث القواعد العسكرية المنتشرة، وخصوصا في منطقتنا الإسلامية، وحيث حاملات الطائرات التي تجوب البحار، والغواصات في أعماق المحيطات، مجهزة بأحدث ما وصلت إليه التكنولوجيا، وحقيقة أيضا، أنها وبناء على تلك الإمكانيات العسكرية تملك القدرة على توجيه الضربات لخصومها وإلحاق الأذى والتدمير.
ومع ذلك فإن هذه الترسانة ليست هي الأقوى ولا الأهم في عناصر القوة الأمريكية، وليست هي الأساس الذي مكنها ولا زال يمكنها من بسط نفوذها وتثبيت استعمارها في منطقتنا الإسلامية، وفي شن حروبها ومعاركها، وتنفيذ مخططاتها ومشاريعها وغسيل جرائمها، أو حتى في الخروج بها من مآزقها وانتكاساتها، وإنما كلمة السر في كل ذلك تتمثل في ذلك الأسطول من الحكام في البلدان الإسلامية، والذين يمارسون أدوارا هي أقرب في واقعها للمدراء التنفيذيين لدى أمريكا من كونها أدوار حكم.
في الفضيحة التي انتشرت على نطاق واسع قبل أيام، كانت ثمة تحليلات لجهات عدة ومنها مجلة "فوربس" بأن اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلن عنه رئيس الوزراء الباكستاني قد جاءه نصا من واشنطن، ولم يجري إعداده من قبل الوسطاء كما ظهر أو أشيع، حيث الدعوة التي طالب بها "شهباز شريف" من واشنطن وقف تصعيد الحرب وتمديد المهلة إلى أسبوعين، والتي دعا فيها إيران إلى فتح مضيق هرمز، وذلك حين قام شريف بنشر المضمون في تغريدة على حسابه ظهر فيها عبارة " نسخة رئيس وزراء باكستان" مما يشير إلى أنه تم تزويده بها قبل أن يتم حذفها، وسط توقعات أنها أعدت من قبل فريق ترامب.
والحقيقة أن ما جرى ليس غريبا أو مستبعدا، ولا هو خارج التوقعات، بل هو ممكن، ومتوقع تماما لمن يعرف أو يدرك العلاقة بين واشنطن وجوقة الحكام في بلاد المسلمين، فهم لا يتصرفون على أنهم حكام وسياسيون، بقدر ما هم أدوات تنفيذية في مشاريع واشنطن، ولطالما كانوا ولا زالوا هم الأساس في وجودها الاستعماري في المنطقة.
فأدوارهم في تلك العلاقة الذليلة لم تقتصر أو تنحصر في جانب واحد، بل إنها امتدت من تمهيد الأرض وتوفير الممرات لقواتها، والدعم والإسناد، وتوفير اللوجستيات، وإتاحة الأرض والسماء، وإنشاء القواعد، والتي لولاها لما استطاعت أمريكا ان تجد شبرا من الأرض تنطلق منه في عدوانها على بلدان المسلمين.
وأكثر من ذلك، امتدت أدوارهم لتنطق مبادرات أمريكا على ألسنتهم، ولتعلَن قراراتها من خلال قممهم، وترتيباتها من خلال مؤتمراتهم، في صورة مكررة تحاكي رسالة واشنطن المشار إليها إلى رئيس وزراء باكستان، وبحيث يحتضنون كل خطة ومؤامرة، وكل سوء يحاك أو مكر يضمر، وقد شهدنا كيف كانت "قمة شرم الشيخ للسلام" إعلانا لانطلاق خطة ترامب وأمريكا المجرمة بعد أن تركت غزة وأهلها للمذابح وحوصرت لمدة عامين.

أما الوساطات التي تظهر فيها تلك الأنظمة وكأنها تلعب دورا فعليا، وكأن لها وزنا وقيمة، وهم في الحقيقة لا وزن لهم ولا قيمة، فهي ليست سوى جهود لتطويع الأطراف للخضوع لأمريكا وربيبتها الكيان، بعد أن تكون قد أجرمت أيما إجرام، لتخرج النتائج على نحو ما تريد، لا فرق في تلك الوساطات بين مصر وتركيا وقطر، أو الباكستان وعمان، فهي ليست وقفا للعدوان ولا حقنا للدماء كما تصور عادة، وإنما هي الحصاد بعد الدماء كما تريده أمريكا.
ولقد أضافت الوساطة الباكستانية إلى أغراض الوساطات غرض الخروج بأمريكا من مأزقها، بعد أن أثبتت حربها مع إيران أن عنجهيتها يمكن أن تكسر، وأن قوتها مهما بلغت فإن لها حدودا، وأن إلحاق الأذى بها وضرب قواعدها وزعزعة مكانتها ممكن.
لقد قلنا أن هؤلاء الحكام هم أهم ما تملكه أمريكا من الأسلحة والمقومات، لأنهم لو كانوا سياسيين وليسوا خدما خاضعين، لكانت تلك الحرب التي انزلقت فيها أمريكا هي الفرصة التي لا تفوت في سحق عنجهية أمريكا، وتفكيك نفوذها تفكيكا كاملا وإخراجها من المنطقة وليس تفكيك قواعدها فحسب، بل والانطلاق نحو الصعود للتأثير في العالم كله.
ولكن الأحداث تأبى إلا التـأكيد على أن هؤلاء، كانوا ولا زالوا هم العقبة التي تحول بين الأمة الإسلامية وبين نهوضها وتحررها، وليست أمريكا ولا قوتها العسكرية هي العقبة، خصوصا بعد أن ثبت ان أمريكا يمكن أن تجابه، وان هزيمتها ممكنة وأنها ليست قدرا، مثلما ثبت في يوم مجيد من أكتوبر قبل نحو عامين أن كيان يهود أكثر هشاشة مما ظن الناس، بل إن الأمر أكثر من ممكن، وتكاد النتائج أن تكون محققة إن كان الأمر هو اشتباك أمريكا مع أمة مشروعها إقامة دين ربها وسلطانه، دافعها عقيدتها وطلائعها رجال يلاحقون الشهادة كما يسعون للنصر، سواء بسواء.


أ عبد الرحمن اللداوي

 11/04/2026