maqal27326

دراسة حديثة نُشرت في مجلة The Lancet Global Health المرموقة (في يوليو 2025)
تكشف عن جريمة أبشع من جريمة القنبلة النووية التي ألقيت على اليابان بمئات الأضعاف
الدراسة تحدثت عن القاتل الذي يجلس خلف مكتبه يحتسي القهوة وربما يدخن سيجارا كوبياً
قاتل لا تظهر عليه ملامح الهمجية التي كان يمتلكها جنكيز خان أو تيمور لنك أو أتيلا الهوني
قاتل يلبس قفازات حريرية وهو ينفذ عملية القتل الناعمة
لكن وراء البدلة يختبئ وحش أنيق، أشد وحشية من كل مجرم ومتعطش للدماء يخطر على بالك
القتل من خلال العقوبات كان موضوع الدراسة، والنتيجة المرعبة:
خلال خمسين عاما من عام 1971 إلى 2021 تم قتل 38 مليون إنسان،
الأرقام تصبح صادمة أكثر عندما تعرف أن 51% من المحرقة ، أي عشرون مليونا كانوا أطفالا دون الخامسة، وأن 77% منهم دون سن الخامسة عشرة وفوق سن الستين، والمقصلة تعمل بكفاءة فيمن حمتهم قوانين الجزار في الحرب، وحتى تشعر بحجم الجريمة نقف عند الأرقام مرة والتي تحكي أن ما قتلته العقوبات يساوي خمسة أضعاف ما قتلته المعارك والنزاعات المسلحة.
أما أهم أسلحة القتل فهي العقوبات والحصار الاقتصادي وما يترتب عليها من عمل بأسلوب فكي الكماشة: الفك الأول هو تقليص الإيرادات العامة ما يؤدي إلى تدهور خدمات الرعاية الصحية وصعوبات الوصول إلى الأدوية والمستلزمات الطبية، أما الفك افهو تغييب البيئة الصحية من خلال الحرمان من الماء والغذاء وخدمات الكهرباء والبنية التحتية، ما يؤدي إلى إيجاد بيئة مرضية والعلاج غير متوفر.
هل هذا كل شيء؟
الجواب: لا، فرغم أن هذه الدراسة تعتبر دراسة مرموقة إلا أنها لا تكشف كل الحقيقة، إذ أنها أغفلت جانبا مهما وهو العقوبات التي كانت تقرر من قبل الأمم المتحدة أو مجلس الأمن، وتحدثت فقط عن العقوبات الأحادية التي يبرز فيها اسم صاحب الجريمة العظمى: الولايات المتحدة، وكأن الدراسة بشكل أو بآخر تغض الطرف عما قتلته عقوبات الأمم المتحدة وكأنه قتل مشروع لا يجوز الالتفات إليه.
وما لم تقف عليه الدراسة كذلك هو جريمة أخرى، ليس باسم العقوبات، ولكنها باسم البنك الدولي، الذي يفرض شروطا وبرامج إصلاح تؤدي إلى فقر البلاد وسلب ثرواتها والمحصلة أنها تؤدي إلى نفس النتيجة التي تقوم بها العقوبات،
إذا وضعنا الأرقام في الإحصائية المذكورة أعلاه، ثم أضفنا إليها القتل باسم الأمم المتحدة، مع إضافة ضحايا البنك الدولي وشروطه، فإننا سنجد أنفسنا أمام أكبر جريمة عرفتها البشرية، وقعت باسم الحضارة والتقدم، ولكنها تفوقت في وحشيتها على كل من تصفهم نفس الحضارة بمجرمي الحروب على مر العصور.
ومن أكبر المفارقات أن حضارة قدمت باسم الإنسانية، لا يخجل أكابرها من جرائمهم تلك، فلا ترمش لهم عين ولا يهتز فنجان القهوة في أيديهم، فعندما سئلت مادلين أولبرايت عن قتل نصف مليون طفل عراقي هل كانت مصالح أمريكا تستحق ذلك؟ كان جوابها: أظن أنها تستحق.
وإن أضفنا إلى ما سبق خطة كيسنجر لتحديد النسل، والتي فرضت على دول العالم بصورة ما، نجد أننا أمام حالة لم يسبق للبشرية أن وصلت إليها، وهي تعني بكل ما تحمل الكلمة من معنى إفناء البشر من أجل مصلحة حفنة من الرأسماليين المتعطشين للدماء.
ورغم أن أكثر من أكتوى بنار هذه الجرائم هم المسلمون، ويكفينا مثال العراق النازف حتى اليوم، وهي نار نفثت من صدور ورثة الصليبين الذين طالما رضخوا وانهاروا أمام قوة الإسلام التي كانت تهز معاقلهم وتمحوا ظلمهم، نار زادها أن الأمة الإسلامية تحمل مشروعا حضاريا هو الوحيد المؤهل لإزاحة حالة العبث الدموي الرأسمالي، ورغم كون الأمة الإسلامية هي أكثر من تألم وتأذى ولا زال من الإجرام الرأسمالي، ولكن المهمة أكبر من ردة فعل، لحقن دم طفل أو مليون طفل وفقط، فهو الجرس الذي يقرع في أسماع أمة بأكملها بأن الأرض قد امتلأت جورا وقتلا، وأن البشرية كلها أحوج ما تكون إلى دور الأمة لتملأها قسطا وعدلا، وهي التي أخرجت للناس لتبدد الظلمات وتخرج العالم، ومنها شعوب الغرب ذاته من الوحشية والبهيمية الرأسمالية،
نعم الأمة اليوم بمنهجها الرباني أمام مهمة تاريخية تماما كمهمة الأنبياء، وعلى رأسهم محمد صلى الله عليه وسلم حتى تنير الأرض بسراج منير، وتنقذ البشرية من شفا جرف هار وضعت الرأسمالية أمم الأرض كلها على حافته،
" كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ".

أ. أحمد عبد الحي

27/03/2026