في مشاهد الصراعات والمعارك التي تدور رحاها في طول البلاد الإسلامية وعرضها، وخصوصا في البلاد العربية، وبغض النظر عن مكانها وحيثياتها، وبعيدا عن تقييمها وتحليلها، فإنها تحتوي كلها على خلفية مفزعة مرعبة.
أما الناحية الأولى في تلك الخلفية فهي، وباستثناء حالة الاشتباك المباشر مع الكيان، فإنها كلها عبارة عن مواجهات بين مكونات الأمة وقواها من حيث "العنصر"، أي أن وقود هذه الصراعات هم من المسلمين، سواء كانوا عربا أم تركا أم من الكورد، شأن المعارك في شرق الفرات، وسواء كانوا من عدن أم من صعدة، وفي شرق ليبيا أم في غربها ،وسواء كانوا من الجنجويد والزغاوة سابقا، أم من الدعم السريع والجيش السوداني لاحقا، أم من الجيش الباكستاني أو شبكة حقاني، أو بين المغرب والصحراء، فالتعداد ليس على سبيل الحصر، وإنما على سبيل الإشارة، مع الإشارة كذلك إلى أن خارطة الخصومات أوسع من مجالات الصراعات العسكرية وان كانت الأخيرة ابرز أشكالها.
الناحية الثانية التي لا تكاد تغادر خلفية تلك المشاهد هي أن أمريكا تكون حاضرة فيها دائما، سواء كانت معراك أشعلتها هي أم دخلت لتوظيفها، وسواء بالحضور المباشر، بشخص توم براك وأمثاله، أم عبر الوكلاء " العملاء" وخلف الكواليس، حيث تبدأ المعارك بمكرها، وتنتهي بأمرها وبالصيغة التي تراها.
فالأمر كله غالبا مصلحة أمريكية، وأمريكا هي من يقطف الثمار، ومنافعها هي خلفية الحدث، وهي المدير عادة والمدبر، والمخرج والمنتج لذلك المسلسل المستمر من الصراعات والحروب التي وقودها قوى المسلمين ودمائهم.
الأخطر من تلك المصالح التي تقطفها أمريكا من إدارة تلك الصراعات، هي أنها تشتت بها مخزون القوة لدى المسلمين، وأكثر من ذلك عندما تضع تلك القوى في مواجهة نفسها، لتدمر نفسها بنفسها،
والفكرة هي أن هذه القوى لو لم تكن ضد بعضها بحيث يبطل بعضها مفعول بعض، وكانت على كثرتها موجهه توجيها صحيحا وموحدا، وليس مشتتا، وبحيث يرفد بعضها بعضا لا أن يمتص بعضها زخم بعض، فلن تجرؤ حينها قوة على وجه الأرض بأن تتورط معها، وسيصبح وطء المستعمر لأرض المسلمين جحيما لا يستطيعه أحد، ولن تجرؤ أمريكا، عوضا عن أن تستطيع، على اقتحام حمى هذه الأمة التي تملك هذه المخزون الهائل من القوى الضارية الضاربة.
تاريخ حروب أمريكا مع المسلمين يدعم هذه الحقيقة ولا يدحضها، فهي قد خاضت ضد المسلمين مواجهة عسكرية ضخمة في أفغانستان، فاضطرت للانسحاب عقب استنزاف طويل، وخاضت كذلك مواجهة عسكرية في العراق وأوشكت نتائجها أن تكون كارثية بالنسبة لها، كما خاضت في أرض الصومال ومست هناك كرامتها، بل وفي الحين الذي تختطف فيه قوات "الدلتا" الخاصة "مادورو" بنزهة، لم يكن دخول قوات الدلتا في أفغانستان بعملية مشابهة عام 2001 نزهة كما هو في فنزويلا، بل كان وبالا، أما في الصومال عام 1993فقد كان مهانة، وفي غزة كان إخفاقا ذريعا،
وهنا قد يخطر بالبال السؤال، لماذا تكون النتائج غالبا في صالح أمريكا بالرغم من مرارة تجاربها التي تستنزفها في المواجهة المباشرة؟
والجواب هو أن أمريكا تعلمت أن تخوض معاركها ضد المسلمين بمكونات أنفسهم، وإدارة التناقضات أو صناعتها بينهم، والحقيقة أنها برعت في ذلك، حيث كانت في العراق ما تسمى بالصحوات إضافة إلى الحرب الطائفية عاملا حاسما في تغير الموازين، وكذلك حين سخرت جيشا أفغانيا تابعا لها في المواجهة، فأشغلت القوى بنفسها للتتربع هي على عرش السيطرة، ومن ثم إدارة المشهد في حروب وقودها أبناء البلاد.
بالمقابل، فإن من ضمن ما تثبته هذه الصراعات، نظريا وعمليا، أن الأمة الإسلامية ليست فقيرة بالقوى، وأن المسلمين ليسوا ضعافا، بل وليسوا قابلين للاستنزاف أيضا في معاركهم مع عدوهم إن حصلت، ما دام لهم ذلك الجلد الذي لا ينتهي على تلك الصراعات البينية، المشكلة فقط هي في إدارة تلك القوى وتصويب اتجاهها،
هذه الحالة التي تمكنت فيها أمريكا من تسخير دماء المسلمين وقوى المسلمين في حروبها ضد المسلمين أنفسهم لم تكن لتكون ممكنة لولا أن مكنها منها حكام المسلمين أنفسهم، فقد كانوا هم بوابتها للمكر والفتنة بين المسلمين، والعبث المميت بمكونات الأمة. وصحيح أنها نقطة قوة كبيرة وخبيثة لدى أمريكا وتحسب لها لا عليها، ولكنها ورقة يمكن نزعها.
ولعل هذه الحالة من التسلط الأجنبي على المسلمين، بينما يتحول باسهم بينهم قد تناولها وبوصف مذهل حديث النبي عليه السلام " ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوًّا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم"
ولرب سائل يسأل ما هي العلاقة بين عدم الحكم بما أنزل الله وبين ما تم وصفه من الصراع بين قوى المسلمين بعضهم ببعض ؟؟
إن الأمر الوحيد الذي يمكن أن تنقاد له عناصر الأمة على اختلافها، أو تتوحد تحته قواها المتناثرة هو دينها، فليس هناك ما يمكن أن يجتمع عليه المسلمون إلا الإسلام، وكل مظلة أخرى غيره فهي مدعاة للتفرق، إن جمعت تحتها أجزاء أخرجت أخرى، سواء كانت وطنية أم قومية أم غير ذلك. ولكن هل الجمع هذا ممكن ؟؟
نعم هو ممكن، وأكثر من كونه ممكنا أنه واجب، قال تعالى" وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا"، ويكفي ما كان من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مع النفر من الخزرج إذ دعاهم للإسلام، فكان منهم أن أجابوه، وأجابوه " إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك"، وقد كان،
ولا زالت عقيدة الإسلام مؤهلة لذلك الدور في حياة المسلمين في الحاضر كما كان دورها في جمع الأوس والخزرج على رسول الله ﷺ حتى صاروا هم الأنصار، ومن هنا، فإن قيام الدولة الإسلامية وعودة الخلافة، سيعني فيما يعنيه أن تجتمع هذه القوى، شريطة أن يكون ظاهرا في شخصية تلك الدولة وحكمها ونظامها أنها دولة للمسلمين.
أ. عبدالرحمن اللداوي
11/02/2026






