من الخطأ الفادح اختزال تسريبات إبستين في إطار «فضيحة أخلاقية» أو شبكة منحرفين. هذا التوصيف البريء هو بحد ذاته جزء من عملية التغطية. ما كُشف في وثائق إبستين وجزيرته ليس انحرافًا طارئًا، بل تجليًا صريحًا لجوهر الحضارة الغربية الحديثة: حضارة بلا ضمير، بلا فطرة، بلا سقف أخلاقي، تحكمها الرأسمالية المتوحشة وتحميها منظومة سياسية وإعلامية وقانونية واحدة.
إن الكم الهائل من الصور والشهادات والوقائع التي تؤكد تورط سياسيين كبار وحيتان مال ونخب فكر وإعلام في استباحة الأطفال جنسيًا، لا يمكن فهمه إلا بوصفه سلوكًا طبيعيًا داخل منظومة فقدت تعريف الإنسان أصلًا. هؤلاء ليسوا شذاذ آفاق، بل ممثلو النظام، وصنّاع القرار، وحملة راية «القيم الغربية»
الغرب لا يعاني أزمة أخلاق؛ الغرب بنى فلسفته على هدم الأخلاق. فصل الإنسان عن الدين، ونزع القداسة عن القيم، وحوّل الحرية إلى إله بديل. وحين تُفصل الحرية عن الدين والفطرة، لا تنتج إنسانًا متحررًا، بل وحشًا بلا قيود.
من هنا، لا تبدو جرائم إبستين صادمة لمن يفهم المسار الحضاري للغرب؛ بل تبدو منسجمة تمامًا مع منظومة تشرّع الشذوذ، وتسوّق الانحلال، وتعتبر الأسرة قيدًا، والدين خطرًا، والحدود «همجية». حضارة لا ترى بأسًا في اغتصاب طفل، لكنها ترى في الشريعة الإسلامية إجراماً لأنها أجازت تعدد الزوجات !
هؤلاء الذين تلطخت أيديهم بأجساد الأطفال، هم أنفسهم من يملؤون شاشاتنا ومنصاتنا خطابةً عن «حقوق الإنسان» و«حقوق الطفل» و«تمكين المرأة». وهم أنفسهم من يموّلون الجمعيات المشبوهة في بلاد المسلمين لفرض نموذجهم القيمي القذر، تحت لافتات الحرية والتقدم.
وهذا ليس نفاقا منهم، بل امتداد طبيعي لذهنية استعمارية تعمل على إفساد المسلمين، الغرب لا يريد تحريرنا، بل تفكيكنا: نزع هويتنا، وتشويه فطرتنا، وتحطيم منظومتنا القيمية، وهدم الإسلام في نفوس المسلمين حتى نصبح مستهلكين تابعين بلا مرجعية إلا لأفكارهم البائدة
ولا يخفى علينا أن الجرائم التي كُشفت في جزيرة إبستين، هي الوجه الحقيقي لنفس الحضارة التي تحرق غزة، وتبيد شعوب المسلمين، وتدعم الاحتلال، وتشرعن المجازر، وتمنح القتلة الحصانة السياسية والقانونية.
أمام هذا الانكشاف الحضاري العاري، لا يبقى السؤال: ماذا يفعل الغرب؟ بل ماذا نفعل نحن؟
ونحن الذين نملك أعظم حضارة على وجه الأرض، الإسلام مشروع حضاري كامل؛ أعاد تعريف الإنسان، وربط الحرية بالعبودية لله، والكرامة بالمسؤولية، والقوة بالعدل. والمسلمون لا يفتقرون إلى الحل، بل يملكونه كاملًا غير منقوص، لكنهم يفتقرون إلى الإرادة و قرار التطبيق
العالم اليوم لا يحتاج إلى نسخة غربية أكثر تهذيبًا بعد هذه الفضائح، بل العالم اليوم بحاجة ماسة إلى الإسلام ليعيد للإنسان فطرته، ويقيم العدل بين الناس، ويضبط الحرية بالقيم. وهذا الاسلام الذي نزل وحيًا، وسار به الرجال، وصنع حضارة كانت رحمة للعالمين، لهو الأقدر على قيادة العالم وتخليص الناس مما هم فيه من بلاء وليس المسلمين فقط، فلا خلاص للمسلمين ولا للعالمين إلا بالإسلام
أ. عبد الله النبالي
03/02/2026






