tramp3226

 

مشهدٌ انكشفت فيه كل سوءات الغرب، وسقطت فيه أعرافه، وانكسرت قيمه، ومُحِقت هيبته، وانحدرت فيه قوانين النظام الدولي إلى أدنى مستوياتها، حين تسلّط القوي على الضعيف باسم الشرعية الدولية وحقوق الإنسان. في هذا المشهد، لم تعد أخبار الشذوذ و الانحراف صادمة، بل تحوّلت إلى قاعدة تكاد تكون دائمة، سواء تم الكشف عنها أم بقيت طي الكتمان، لكنها تجلّت بأوضح صورها في الحقبة الترامبية، حين قاد ترامب العالم بمنطق الصفقات، وعمل على تغذية الصراعات، ووسع دوائر القتل والمجاعات، لا في غزة وحدها إلى أن انتهى إلى مجلس “سلامه” المزعوم برئاسته، بل وأيضا في السودان النازف، واليمن المستنزف، وأوكرانيا، وفنزويلا، والشام، في محاولة يائسة لإطالة عمر نظام عالمي أو تستطيع القول لإطالة عمر ولايات متحدة أمريكية ترامبية تترنح قبل سقوطها المدوي.

في هذا السياق، لم تكن الرؤية الترامبية كفرا بالديمقراطية أو الرأسمالية أو قطيعة مع الليبرالية الغربية، بل لحظة صدق فجّة معها. فقد أزالت الأقنعة، وتخلّت عن اللغة التجميلية، وقدّمت جوهر النظام كما هو: عالم يُدار بالقوة، وتُعقد فيه الصفقات وتدفع فيها الدماء، وتُقاس فيه القيم بميزان الربح والخسارة. ترامب لم يُفسد النظام الدولي، بل كشف مدى فساده، وسرّع عملية انحداره عبر تعرية تناقضاته أمام شعوب العالم بل تستطيع القول حتى أمام رؤساء الدول الغربية التي تحمل ذات الأفكار وتؤمن بنفس النظام الدولي.

وفي ذروة هذا الانكشاف، استحضرت قول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: " - كانَ يَوْمُ بُعَاثٍ يَوْمًا قَدَّمَهُ اللَّهُ لِرَسولِهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقَدِمَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وقَدِ افْتَرَقَ مَلَؤُهُمْ، وقُتِّلَتْ سَرَوَاتُهُمْ وجُرِّحُوا، قَدَّمَهُ اللَّهُ لِرَسولِهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في دُخُولِهِمْ في الإسْلَامِ"

فبعاث، وإن وقع قبل بعثة النبي ﷺ بخمس سنوات، لكنه أدى إلى انهيار حقيقي للنظام السياسي والاجتماعي في يثرب. قُتل القادة، وسقطت الزعامات، وانكشف زيف العصبيات والقبليات التي ادّعت حماية المجتمع بينما كانت تُغذّي الثأر والدمار، وتحفظ مصالح ضيّقة بلا أفق إنساني، انهيار استنفد النموذج القديم، وهيّأ المجال لما بعده.

غير أن بعاث لم يُنتج البديل بذاته. لقد أزال العائق، لكنه لم يبنِ المشروع. فالتحوّل الذي أعقب ذلك لم يكن آليًا ولا فوريًا، بل كان ثمرة أعمال عظيمة قادها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه الذين لاقوا ما لاقوا من صنوف العذاب والهجرة إلى الحبشة، والمحاصرة في شعب أبي طالب، إلى أن كانت بيعة العقبة الأولى، وتبعتها البيعة الثانية، مع أعداء الأمس (الأوس والخزرج) إلى أنصار اليوم، فانتقلت يثرب من حقبة النزاعات القبلية إلى تأسيس دولة العدل والنور.

العالم اليوم يقف في لحظة بعاث كونية، لا من حيث الحدث، بل من حيث التشابه لما حدث في بعاث الأمس: نظام عالمي يتآكل، وقيم تنكشف، وشرعية تسقط، وهيبة تتبدّد. غير أن السنن لا تعمل تلقائيًا، ولا تمنح البدائل لمن لا يعمل لملء الفراغ. فالفراغ الذي يخلّفه سقوط النموذج الغربي لا يحمل في ذاته مشروعًا، بل يفتح الطريق ويزيل العوائق بأمر وتدبير وتقدير من الله قيّوم السماوات والأرض، لمن يعمل لرسالة الإسلام العظيم بوصفه مشروعا أصيلا لإنقاذ البشرية من رأسمالية سحقتها، وديمقراطية أفرغتها من كل قيمة إلا القيمة المادية، وتركتها بلا بوصلة.

غير أن هذا الأصيل الذي سيملأ الفراغ لا يتحقّق بالانتظار، ولا بالرهان على سقوط الآخر ذاتيا. كما لم تُبنَ المدينة على أنقاض بعاث مباشرة، فلا يمكن لأي انبعاث حضاري اليوم أن يقوم على مجرّد انهيار النظام القائم، بل من العمل والسعي الجاد لتطبيق الأصيل وإنفاذ أحكامه وإنقاذ البشرية.

بعاث لم يكن نهاية، بل تمهيدًا. والانبعاث لم يكن معجزة، بل ثمرة عمل والتزام وصبر. واليوم، في لحظة الانكشاف الكبرى، لن يسألنا الله ويحاسبنا على من سقط وانهار، بل هو سائلنا عن أعمالنا والتزامنا بأمره في بناء صرح الإسلام العظيم.

صابر حسين