تحمل المصطلحات عادة دلالات ومعاني، قد تكون أحيانا مبهمة، وقد يُختلف في تفسير ما تحمله من مضامين، ولكن قلما نجد مصطلحا يحمل في ذاته نقيضه، بل ويدل واقعه على عكس معناه كما هو مصطلح "الإصلاحات" الذي يكثر ذكره في الفضاء السياسي والإعلامي، إذ قلما نسمع هذا المصطلح دون أن يكون في سياق ضغوط، أو أن نستشعر كارثة مقبلة ومكر يحاك، ولا نبالغ إن قلنا أن لفظة "إصلاحات" باتت تتصل في الأذهان حرفيا من خلال استقراء واقعها ب " الإفساد" وما يتصل به.
فمثلا عندما نسمع كلمة الإصلاحات في الميدان الاقتصادي، فقد صار المعتاد أننا نتكلم عن بلد مدين، أو غارق في الدين، وتكون الإصلاحات في هذه الحالة هي متطلبات صندوق النقد والبنك الدولي، أو نادي باريس ونادي لندن، بحيث يكون مضمونها عادة هو رفع الدعم عن السلع الاستهلاكية، والخصخصة، أي بيع أملاك الدولة للقطاع الخاص وإدخال الاستثمار الأجنبي وتعويم العملة والتخلي عن الفقراء ونحو ذلك من وصفات الخراب التي باتت مألوفة ومعروفة.
وعندما نسمع كذلك عن الإصلاحات في مجال الحريات وحقوق الإنسان وحقوق المرأة والطفل في بلد ما، فإن المتوقع، وببساطة بات يدركها الجميع، أن الحديث سيكون عن توسيع المجال لعلمنة المجتمعات وتمييع أفكارها و"قوننة" الانحلال والدفع نحو المزيد من التفلت وهدم القيم وتفكيك الأسر، وامتداد اليد نحو تشريعات وقوانين الأحوال الشخصية لتعديلها بما يناسب الغرب ومؤسساته ومنظماته وسياساته وقيمه وأفكاره،
وأما بخصوص الإصلاحات السياسية فهي غالبا ما تعني هندسة الحكم والحكومات بما يتماشى مع المصالح الغربية سواء بتعويم قوى أو بإدماج أخرى، أو بشرعنةٍ لأوضاع جديدة وإنهاء أوضاع أخرى وهكذا، وكثيرا ما تكون الانتخابات والصناديق هي العنوان المضلل لذلك.
وأما التعليم، فقد اكتسب إصلاحه في منطقتنا معنى يكاد ينحصر في عمليات القلع لمفاهيم الإسلام ومعانيه، أو الأدق، ذلك النزر اليسير المتبقي من تعليماته ومعلوماته، ونصوصه وآياته، وذلك بما يقطع الصلة مع القيم والثقافة والتاريخ والفهم لقضايا الأمة، لإنشاء نشئ جديد منبت عن كل ذلك.
هذا عن مضمون الإصلاحات، أما سماتها فإنها في بلداننا الإسلامية تتسم عموما بسمات وتجمعها ميزات:
أولها هو مصدرها الغربي، حيث أن من يطالب بها عادة ويحاسب عليها هو الدول الغربية، وأكثر من ذلك حين تجعلها شروطا لكثير من العلاقات كالمنح أو الاعتراف السياسي أو الدعم السياسي أو غير ذلك، وبحيث تكون مقياسا لحسن السلوك لأداء الحكومات، وبالتالي تكون تلك الإصلاحات هي الأجدر بتسمية "الأجندات الخارجية" من غيرها، وهي لا تلتقي عادة بأي شكل من أشكال، وليس لها أية صلة بمعاني الإصلاح التي يطالب أو يهتم بها الناس والتي لا يوجد لها عند الأنظمة سبيل أو أذن صاغية.
وثانيها أنها تجعل من القيم الغربية مقياس الصلاح، فالرأسمالية الاقتصادية، والليبرالية الاجتماعية والنسخة الغربية من الحياة هي الهدف المنشود، وهي الصلاح الذي تشتق منه الإصلاحات رغم ظهور العفن لتلك القيم وسقوطها في مجتمعاتها الأصلية.
وثالثها أنها إصلاحات تتعامل مع فساد بفساد أكثر وباطل أشد، من خلال قيم أكثر فسادا وإجراءات أكثر تعقيدا، إذ عادة ما تكون هذه الإصلاحات ترقيعا وإطالة لأمد الفساد والظلم، وإبرا للتخدير، حيث يشرف المفسدون أنفسهم على عمليات " الإصلاح"، وينشأ نمط جديد من الفساد والإفساد والظلم ليكتشف الناس ان الأمور قد ازدادت سوءاً وبؤسا.
وأما رابعا فهو أن طلبات الإصلاح هذه لا تنتهي عادة، فهي متجددة، وظهورها منجم ومحدد حسب السياسات الغربية ومتطلباتها، بحيث يسكت تارة عن دكتاتور مفضل ولا يسكت عن آخر قد انتهت مدته، ويسكت عن فساد في مرحلة ما ولا يسكت عنه في مرحلة أخرى، وهكذا، والمحصلة دائما أن الفساد بازدياد.
ولعل من النماذج والأمثلة الفريدة في ميدان ما يعرف بالإصلاحات، والتي توضح المقصود، هو نموذج السلطة الفلسطينية، تلك السلطة التي تأتيها الأوامر بالإصلاحات مع المنح، بل وأكثر بكثير مما تأتيها المنح، وحتى لو توقفت المنح فإن طلبات الإصلاحات لا تتوقف، والسلطة بدورها لا ترد يد لامس.
فمنذ استحداث منصب لرئيس للوزراء بناء على متطلبات الإصلاح قبيل خطة الطريق الأمريكية قبل نحو 23 عاما إلى تعيين نائب للرئيس هذا العام، مرورا بإصلاحات الأجهزة الأمنية على يد الجنرال دايتون لإنتاج الفلسطيني الجديد ومرورا بالاقتصاد "الفياضي" نسبة إلى سلام فياض، وانغماسا في تلك المرحلة الطوية العميقة والمستمرة من الاتفاقيات التي تعيد صياغة المجتمع وقيمه بناء على اتفاقية سيداو وبناتها ومشتقاتها، ووصولا إلى التعليم الذي كان ولا يزال يخضع لعملية " تصفية " للمناهج، لا زالت تتواصل طلبات الإصلاحات،
الإصلاحات المطلوبة شملت كذلك شطب الأسرى من الاعتبار بقطع مخصصاتهم، وقد وصل الحال إلى حد مذل حيث الاشتراط لمواصفات الوزراء الذين تشملهم حكومة السلطة من مثل ألا يكون قد سبق لهم الانخراط في أنشطة "نضالية" مضادة للاحتلال، بل وإجراء المقابلات معهم لفحص صلاحياتهم،
فالسلطة بشكلها ووضعها الحالي والتي باتت كقطعة من القماش البالي كثير الترقيع، هي في جزء منها نتاج لتلك الإصلاحات، ومع استمرار" الإصلاحات" لا ندري ما هو الشكل النهائي الذي ستستقر عنده، ولكننا بلا شك نعلم من هو المصمم، ولأجل من، وعلى مقاس من يجري التصميم.
أ. عبد الرحمن اللداوي
17/01/2026






