لم تكن حادثة اختطاف مادورو حدثا جديدا في السياسة الأمريكية، فأمريكا قد شنت الحروب من قبل ودخلت الدول وأسقطت الأنظمة، وهي نفسها، أي أمريكا، قد دخلت إلى بنما يوما لتلقي القبض على "نورييغا" الذي احتمى بسفارة الفاتيكان ليتم تسليمه لاحقا، فالعملية الأخيرة لم تضف الكثير لما يعرفه الناس ويتوقعونه عن أمريكا وبلطجتها، أو عن أمريكا وجشعها، أوعن علاقتها بأمريكا اللاتينية والتي تعتبرها حديقتها الخلفية حسب مبدأ "مونرو"، وما أمر شركة "الموز" الأمريكية التي كانت تنفذ الانقلابات في غواتيمالا ببعيد.
فما الجديد إذن؟
لقد أرادت أمريكا ترامب أن توصل رسالة لافتة مضمونها أن عصر النظام السابق قد انتهى، وأن استخدام القوة صار هو المنطق البديل،
وهنا، وفي أجواء الخوف تلك، قد يظهر أن استعلاء أمريكا هو علو، أو أنها تتصاعد في القوة إلى مراحل جديدة، ولكن الأمر قد يكون عكس ذلك، وهو الأرجح، بمعنى أنها وبقوتها إنما تضرب نفسها قبل غيرها، وبرصاصاتها وسلاحها تطلق النار على أقدامها بينما تظن أنها تصوب جهة العالم.
أمريكا تفكك ركائز الهيمنة
فأمريكا، سواء في أجواء حادثة مادورو، أو بسوابقها ولواحقها، إنما تدشن عصر التفكيك والقضاء على النظام الدولي، أي أنها تقوض الإطار الاستعماري والنظام الذي بنته بنفسها ليخدم مصالحها بعد الحرب العالمية الثانية، والذي لطالما عمل على تكريس وتأطير هيمنتها على العالم، لتفقد بفعلها هذا إحدى أهم الأدوات لديها في السيطرة والاحتواء، وبالتالي تفكيك أدواتها من المؤسسات التي كانت تقوم على ذلك النظام وإسقاط الجدوى منها، وهو ما تقوم به فعلا حين انسحبت وتنسحب من العشرات من المؤسسات الدولية، وهي بذلك لا تتخلى فقط عن التكاليف والمؤسسات " المكلفة" على رأي ترامب، ولكنها تتخلى عن ذلك الجانب "الناعم" من سياستها.
ليس النظام الدولي هو ما تقوم أمريكا بتفكيكه فحسب، ولكنها أيضا تفكك التحالفات التاريخية التي قامت عليها السياسة الأمريكية، وبعد أن كانت أمريكا محاطة بحلفاء أقوياء، ها هي تضعف حلفاءها وتتخلى عنهم، وبعد أن كانت تغطيهم دفاعيا وتشاركهم فتات المصالح، وتضمن مصالحهم لتضمن خدمتهم لها في أحلافها، صارت الآن هي التي تخيفهم قبل غيرها، وتضرب مصالحهم وتسعى لابتلاعهم، فصارت هي مصدر الخطر والابتزاز، ولم يسلم حتى العملاء والأتباع من نمط العلاقة الجديد حيث التهديد والازدراء والإهانة.
ولكن لعل من أخطر ما تقوم أمريكا من التقويض، هو ما يتمثل في تقويضها لأخطر أدواتها في السيطرة الاقتصادية "كالدولار"، وذلك حين بدأت أمريكا باستعماله كوسيلة للعقوبات كما جرى مع روسيا وتجميد أرصدتها وعزلها عن نظام سويفت للمدفوعات، لتنقل الدولار من حالة العملة المستقرة والاحتياط الآمن لأرصدة البنوك المركزية وعملة التجارة العالمية، إلى مصدر للخوف من تجميد الأرصدة وتحوله إلى عقوبة في لحظة ما، ولتسرع من الخطوات البطيئة لبعض الدول بالاستغناء عن الدولار إلى تفكيرها المكثف لاستحداث البدائل، كتخفيض أرصدة الدولار لديها والاتجاه إلى التعاملات بعملات أخرى كما يجري بين دول "البريكس" وغير ذلك،
وما يقال عن الدولار يقال عن استخدام الأدوات الجمركية، والتي باتت توظفها أمريكا تماما كما توظفها دول العالم الثالث المتخلفة، حتى باتت الدول تقابل أمريكا بقيود جمركية لبضائعها وإجراءات مقابلة، فتقطع عنها بعض المواد الهامة وسلاسل التوريد، بل والبحث عن بدائل تجارية وتصنيعية للسلع الأمريكية، وذلك بعد أن كانت أمريكا هي رائدة العولمة، والمُنَظِّر لإزالة الحواجز الجمركية وحرية التجارة، ومبدعة الاتفاقيات التجارية ومنظماتها كاتفاقية الجات ومنظمة التجارة الحرة،
ما الذي يعنيه كل ذلك؟
إن تلويح أمريكا المتكرر باستخدام القوة، واستبدال القوة العسكرية ببقية الأدوات هي عوامل ضعف، وليست عوامل قوة كما قد يتبادر إلى الذهن، فأمريكا وتفوقها من حيث القوة العسكرية ليس أمرا جديدا، ولكنها لم تكن تستخدم القوة إلا كداعم وخلفية لسياساتها، أما عندما تلجا إلى مباشرة القوة العسكرية، كما تلجأ إلى الدولار كعقوبات والى الضرائب والجمارك كحماية، فإن هذا يعني ببساطة أن أمريكا قد بدأت بفقدان تميزها وقدرتها على التنافس، وتريد التعويض عنهما بالاحتكار والبلطجة، وهي بهذه الطريقة تستنزف القوة وتسرف في استخدامها.
أمريكا تعود إلى عصر الإمبراطوريات
لقد بات واضحا أن أمريكا تعود الآن إلى عصر الإمبراطوريات، ومعناه أنها باتت لا ترى حاجة لها في حلفائها ولا في النظام الدولي، وأن بإمكانها تجاوز كل ذلك للوصول إلى مصالحها وممارسة أطماعها مباشرة، وهذا هو الوضع التاريخي للإمبراطوريات، حيث كانت تمارس "الغزو" وتتوسع فيه بمقدار قوتها، ولعل ما مكنها من ذلك هو خلو العالم من القوة العسكرية الحقيقية التي تهددها، وبالتالي دفعها الغرور إلى اختصار الطرق والتحلل من كل القيود. وهو ما عبر عنه الرئيس الألماني بكلامه عن " انهيار في القيم لدى شريكا الأهم الولايات المتحدة" واصفا ما يحدث بأنه تجاوز حالة "تآكل النظام الدولي" وبأن الأمر اليوم يتعلق " بمنع تحول العالم إلى وكر لصوص"
ما الذي يترتب على ذلك ؟؟
إن إجراءات أمريكا منذ سنوات، والتي تكثفت في عهد ترامب، قد بدأت تدفع العالم إلى التفكير في حالة ما بعد أمريكا، أو في حالة الخروج من عصر هيمنتها، وهي الآن تجبر العالم على التفكير، والشواهد على ذلك كثيرة وموجودة،
فاستعمالها المتعسف للدولار دفع الدول إلى التفكير في الاستغناء عن الدولار، وقد تجاوز الأمر مرحلة التفكير، ومثله استعمالها للأدوات الجمركية كما تمت الإشارة أعلاه،
كما دفع خذلانها لأوروبا في المواجهة مع روسيا، وابتزازها في موضوع الحماية وحصارها في موضوع الطاقة وتهديدها كما تفعل الآن بموضوع " جرينلاند"، أن تبدأ أوروبا في إعادة حساباتها، كما دفع حصارها للصين إلى أن تكثف الصين للبدائل، والسعي لعمليات فك الارتباط بالتكنولوجيا الأمريكية وغير ذلك،
والخلاصة :
أن ما تقوم به أمريكا يدفع العالم للتكيف خارج نطاقها، ودون أن نذكر ما يجري في الداخل الأمريكي نفسه، وهو موضوع لا يقل أهمية وخطرا، فإن أمريكا قد تكون بدأت بتدمير نفسها، والقوة العسكرية لا تحول عادة دون انهيار الإمبراطوريات، فقد تنهار وهي في أوج قوتها العسكرية، وفي التاريخ والحاضر أمثلة كثيرة،
شرارة النهاية لتلك القوى الإمبراطورية كثيرا ما كانت تتمثل في انبعاث حالة وقوة جديدة تربك الحسابات، فتخرج القوى المتربصة وتعجل من تنشيط ما كان يختزن تحت السطح، وهذه الحالة ليست مرشحة في مكان، ولا يوجد لها الوقود الكافي، ولا الأمة التي تليق بها وتمتلك معطياتها كما هي الأمة الإسلامية، حين قيام الخلافة بإذن الله
أ. عبد الرحمن اللداوي
25/01/2026






