
تنعقد الألسن عند مشهد اعتقال مادورو، ربما يستحوذ على عقل المتابع لأول وهلة سؤال: أية دولة هذه وأي منتفخ بالغرور ذاك الذي يهدد الولايات المتحدة، ثم ما يلبث أن يعتقل من بيته في عملية إنزال كأنها عملية لقوات خاصة تقوم بها في حي من أحياء دولتها وهي آمنة من أي تهديد؟
يرد السؤال أهو ضعف النظام واهتراؤه والسوس الذي نخر في أركانه؟ أم هي الخيانة والتسليم؟ أم أن الأنظمة في العالم الثالث لا تفكر في العدوان الخارجي، أو بالأحرى العدوان الغربي وبالتالي كل ما تستطيع فعله هو استبعاد أن يحصل، وأن جل اهتمامها منصب على حماية النظام من الداخل أي من المواطنين وليس من الخارج؟ ودون حتى أن يكون الاختراق وتسلل العملاء ووجود الطوابير من الجواسيس أمر كبير أو أنه فوق قدرة الدولة على الوقوف ضده؟ ثم فجأة يسقط النظام أو تضرب البلاد أو تحتل من العدو الخارجي والحراك يقارب الصفر، ولو أوكل الأمر إلى الشعب لصمد أكثر مما صمد النظام؟
والحقيقة أن هناك أسئلة معقدة يصعب تسطيرها في هذه المقالة، ولكن الذهن سرعان ما ينطلق إلى الأهم، وهو إلى أين يذهب العالم؟ فترامب لم يقف عند حد ما فعله بمادورو بل بدأ يطلق التهديدات لكوبا وكولومبيا، بل وصار يلمح من طرف إلى بوتين ويرسل رسائل مبطنة إلى الصين، وهو يقول فعلناها وليس هناك أحد في مأمن،
وهنا تصبح الحالة التي تسترعي النظر هي حالة الولايات المتحدة في ظل "الترامبية" أكثر مما هي حالة مادورو، ترامب نفسه الذي كان قد أكد أنه سيقضي على الحروب في العالم وأنه سيوقفها، هو الذي يشن اليوم حربا على العالم، لتصبح دلالة تعديل اسم وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب أكثر وضوحا، مما هو كفيل وحده بأن يدق الجرس في عدد الحروب والأعمال الإجرامية التي ستخوضها الولايات المتحدة، وأكثر من ذلك أن يطلق بوق الإنذار بصوت مجلجل حول بدء ترامب ترجمة تخليه عن المنظومة الدولية والخروج من مؤسساتها، وذلك حين يدمج بين فكرة الحرب والقانون الجديد، ليس القانون الدولي ولا الأعراف الدولية، بل قانون الولايات المتحدة، أو بالتحديد قانون ترامب نفسه حيث يحاكم مادورو في محكمة أمريكية وليس محكمة دولية، وحيث ترامب هو القانون،
القانون الجديد الذي يدشنه ترامب كان بارزا في جوابه على الصحفي الذي سأله يوما بأي قانون سيتملك غزة، فأجاب بقانون أمريكا، قانون غير مسطر في دستور أمريكا ولكن يسطره ترامب باسم القوة والبلطجة وجنون القوة في حالة يقف العالم اليوم أمامها في حالة من الذهول،
عندما كان الرؤساء السابقون يضحكون على مايقوله ترامب في حفل تنصيبه عن البلاد والأموال والقنوات التي سيسطر عليها في الأميركتين بما يشمل كندا، كان المشهد موضع تندر في الصحافة العالمية ووسائل التواصل، أما اليوم فقد يدأت تنقلب الابتسامات إلى حالة من الفزع، إذ أن كلماته لم تكن تعبيرا عن جنون في خطابات غير معقولة، بل جنون يجتاح العالم ليعيد العالم حساباته عندما يستيقظ من الصدمة،
القانون الدولي الذي أنشأته الدول المنتصرة وقرر شكل العلاقات بين العالم، حتى ولو كان لخدمة الدول المنتصرة، ويستعمل على مقاس الدول الكبرى كل على حسب مقاس قوتها، وحتى لو كانت تدوسه في كثير من الأحيان، وحتى لو كان على العالم أن يستبدله بنظام مختلف كليا في الأسس والتكوين، ولكنه كان بكل الأحوال وجها للعلاقات والأعراف بين الدول، ويعير من يخرج عنه حتى لو كانت الولايات المتحدة، لكن حادثة مادورو اليوم أثبتت أن هناك قانون جديد مضمونه ( لا أريكم إلا ما أرى) أنه لا يوجد قانون سواه ولا نظام يحترم، وحيث لا حدود لما يمكن أن تقوم به أمريكا،
إنها حالة من القرصنة الدولية التي تقودها أكبر دولة في العالم، إذ يكفي أن يعجبها ذهبك أو نفطك أو أرضك لتصبح تاجر مخدرات أو إرهابي، ولتصبح بلادك ملكا لأمريكا، تستفيد من نفطها (المسروق منها) وتقرر أن تعمر البلاد بأموال الشركات، ولسان حالها ومقالها إما أن تخضعوا لشروطي أو مصير مادورو، حيث يعتمد التنفيذ هنا على مدى قوتك، وحيث لا وزنلإدانة العالم، ذلك العالم الذي بات على حافة الانهيار حيث أوجدت أمريكا نموذجا في العالم لكل من يملك القوة أن يفعل ما يشاء ما دام بمقدوره فعله.
أما الدول التي كانت تعول على القانون الدولي والمجتمع الدولي، فإن تلك المنظومة التي كانت تعول باتت في أحسن حالها متحفا، وشاهدا على نهاية لمرحلة من حقبة استعمارية قضت نحبها، حتى وإن بقي من جرائمها آثارها، ولكنها لم تعد مكانا يمكن أن تحرج فيه القوى العظمى، ولا رادعا لها مهما فعلت، خصوصا قرصان العالم الجديد: الولايات المتحدة الترامبية،
ربما الدول الكبرى مثل الصين تفهم الأمر، وتدرك أن عليها أن تمتلك من القوة ومن الأدوات ما يحميها من أمريكا، ولكن الدول الصغرى، والصغيرة حد الهوان، والتي يظن رؤساؤها أن أمريكا لن تفعل بهم ما فعلته بمادورو، سواء من باب السذاجة في استبعاد الأمر وأوهام العلاقة الجيدة، أو من الانحناء حد الانكسار أمام ترامب ليحميها أو يمتنع عن ابتلاعها وهضمها، يجب أن تدك، ولعلها لا تدرك، أنه ليس ثمة ضمانة، وأنه مع انفلات أمريكا باللامعقول بات المستبعد هو الأقرب، وأن المنظومة اختلفت ولم يعد يجدي التعويل على العلاقة مع أمريكا، حيث حدود الحذر والخطوط الحمراء لم تعد موجودة،
أمر واحد فقط حتى لا تكون مادورو القادم، هو أن يكون لديك ما يحميك من أمريكا، والأمة الإسلامية قد بات من المحتم عليها أن تعيد تفقد أوضاعها، وإلا فأي دمار قادم نحوها وهي البلاد التي يرى فيها ترامب أعظم ثروات العالم، ويرى فيها وفي دينها خطرا على أمريكا ويضمر لها أشد العداء، وكم من الويلات تنتظر الأمة في قادم الأيام مما قد يكون فيه السابق مع اللاحق مجرد إحماء، وهل الأنظمة الموجودة قادرة على حماية نفسها من أمريكا عوضا عن أن تحمي شعوبها؟
لقد أصاب الشعاع فنزويلا هذه المرة، ولئن كان العالم كله في خطر، فإن الأمة الإسلامية هي في بؤرة الخطر، وحكامنا هم من أمثال مادورو، بل أقل شأنا من مادورو، فهم يرون أن إرادة ترامب نافذه وقضاؤه لا يرد، فكيف سيردون عن بلدانهم؟
كم عاصمة يجب أن تسقط قبل أن ندرك أنه لا خيار، وأنه ليس هناك الكثير من الوقت للتجهيز للمعركة؟ وخصوصا أننا الآن بتنا نقطع من جديد، حيث تقطع السودان واليمن وليبيا والشام والعراق، لنؤكل قطعة بعد قطعة، وفي نمط جديد من التقطيع وتحت سلطان قرصان العالم الجديد، نمط ما بعد سايكس بيكو كما عبر عنه توم براك؟؟
التاريخ يقول إن أقدر الأمم على الوقوف أمام القراصنة، أو الدول التي تخرج عن كل عرف وكل قانون وتستبيح الدماء ولا تعبأ بالبشر كانت هي الأمة الإسلامية، فهي الأمة التي أنهت المغول حتى ذابوا، وهي الأمة التي سحقت قبلها امبراطوريتان ما كان يظن أن تختفي أحداهما أو كلاهما، وهي الأمة التي أعادت الصليب مكسورا إلى قلب أوروبا بعد أن ظن أن الأرض المقدسة ملكا له لا يمكن نزعه، وهي الأمة التي كسرت ظهر الروم في ملاذ كرد يوم أن ظن امبراطور البيزنطيين أنه سوف يمر فوق جثة أمة الإسلام مرور السحاب، إنها الأمة التي فتحت القسطنطينية، تلك المدينة التي لا تفتح وصارت على أبواب روما وفينا، ولقد كسرت المغول في معركة واحدة، وهم الذين لا يبلغ ترامب ما بلغوا تغولا وجبروتا،
نعم هي الأمة التي بادت إمبراطوريات وبقيت، هي الأمة المؤهلة لأن تخرج العالم من حالته صار إليها، ولو كان العالم اليوم يعقل، حتى لو لم يكن بالإسلام، فسوف يدرك أنه لن ينقذه أحد من تلك الحالة من عدمية الأخلاق والأعراف والقرصنة إلا أمة الإسلام، ومن باب أولى ألا يقف في وجهها.
أ.أحمد عبد الحي






