
في تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية يتحدث عن مؤشرات عن حالة ترامب الصحية، ومن ضمن ما ذكر التقرير أن ترامب بدا في عدة اجتماعات كأنه يغفو، وعدد من السلوكيات غير المتوقعة، وشنه هجوما على طواحين الهواء في اجتماع مع رئيسة المفوضية الأوروبية، وخلطه بين ألبانيا وأرمينيا، ووصفه المهاجرين الصوماليين بأنهم قمامة، ومدة عمله التي تبدأ من بعد الظهيرة وتنتهي عند الخامسة مساء في إشارة إلى حالته الصحية والذهنية وقد ناهز الثمانين، وكأن حاله تؤول لحال بايدن الذي كان ترامب يسخر من حالته الذهنية والصحية.
هذا المشهد كان مقبولا في الجزائر عندما كان بوتفليقة يترشح للرئاسة وهو مقعد يكاد لا يظهر في المناسبات العامة والاجتماعات الدبلوماسية والعلاقات الدولية، ورغم أنه لا يتلكم ولا يتحرك إلا أنه ترشح لفترة رئاسية خامسة لولا الاحتجاجات الواسعة التي ضربت الجزائر، لأنها تصور حالة كاريكاتورية وكوميديا سوداء واقعية وليست مسرحية تصور الدكتاتوريات في العالم الثالث، وكانت هذه الحالة محل سخرية من الغرب يدلل من خلالها على (حالة التخلف في عالم لا يؤمن بتداول السلطة ويخلو من الديمقراطية الحقيقية)، وكأن هؤلاء الحكام ليسوا صنيعة المستعمر ونظام الحكم ليس مما اقترفت يداه في بلادنا، ومع ذلك يزداد المشهد سخرية عندما يستعمل الغرب الهجوم على الدكتاتورية متى خدمته فيقول لا بد من التغيير الديمقراطي، ويحب دكتاتورا آخر كما وصف ترامب نفسه عبد الفتاح السيسي.
أما انقلاب المشهد فهو انقلاب غير متوقع عند مقدسي ديمقراطية الغرب حتى تصل العدوى لتطال الغرب فيصبح في أمريكا (بوتفليقة) ثم يليه شبه (بوتفليقة) في فترة متعاقبة، وهذا ما يحتاج وقفة أعمق، وقفة تكشف عن عطب هو أكبر بكثير مما يظن، ولا تحله فكرة تداول السلطة (المقدسة)، فهل فعلا فكرة تداول السلطة تحل مشكلة أن يصل لرئاسة أكبر ديمقراطية في العالم رؤساء شبه خرفين؟ وإن كانوا شبه خرفين ولا يستطيعون أن يقضوا الساعات التي تلزم لإدارة الدولة بل والعالم فمن الذي يحكم؟ أم إن هناك جهات هي التي تتحكم بالدولة؟ وهل من يتحكم بالدولة هم خيار الشعب أم لا ، وكما يظهر في حالة بوتفليقة يوم كان يقرب أقاربه ومنهم سعيد بوتفليقة وغيره من الرجال الذين يريدهم الغرب ، تظهر حالة مشابهة عندما يقرب ترامب صهره كوشنر وأصدقاءه مثل ويتكوف وغيرهم، لتتجلى الحقيقة في حالات الزعماء الخرفين أن الزعيم في كثير من الأحيان لا يعدو إلا أن يكون واجهة، وإن من أفرزتهم الانتخابات ما هم إلا من قدمتهم الجهات النافذة التي ربما تتصارع على الحكم في أمريكا فتميل الكفة مرة إلى هؤلاء ومرة إلى هؤلاء ، والشعب لا يعدو أن يكون أداة تستعمل للوصول إلى الحكم ، في حالة تشبه الدكتاتوريات العربية والعالمية، تلك الدكتاتوريات التي غالبا لا تمثل الحاكم الفعلي بل واجهة لمن يديرون الأمور ، لتسقط كذبه الشرعية والانتخابات على حد سواء في حالة أمريكا وفي حالة الدول التي تتبع لها في عالمنا مع اختلاف في المظهر.
أما المشكلة الأعمق فهي أعمق ممن هو الحاكم الحقيقي، بل المشكلة في صلب نظام الحكم، فعندما يتولى البلاد من ليس مؤهلا للقيادة سواء في البنية مثل جورج بوش الابن أم نتيجة كبر السن وتغير الحال كما في حالة بايدن وترامب، و عندما تنطبق الحالة على ثلاثة رؤساء من أصل آخر أربعة: بوش الابن وترامب وبايدن، وأمريكا لا زالت الدولة الأولى في العالم، فإن لهذه الظاهرة بعدا أعمق من أمور صحيحة منها أن المستوى العام للسياسيين في الغرف في تراجع، وأعمق من أن الاعتبارات التي ينتخب عليه الرئيس ليست اعتبارات مصلحة الدولة البحتة ، أما الأعمق فإن فكرة تداول السلطة بحد ذاتها فيها عطب يصعب على الناس عامة أن تتحدث فيه لأنه كان عند جموع غفيرة من البشر فكرة مقدسة لا ينال منها فهي تدلل على عدم تمسك الحاكم بالكرسي وعلى قدرة الشعب على التغيير.
لقد هاجم الغرب الإسلام في نظام حكمه من هذه النقطة بالتحديد: أن البيعة لمن يتولى أمر المسلمين ليست بيعة مؤقتة، وتؤدي للاستبداد، متعامين عن معضلات نظامهم الذي يعرفه جميع الساسة أن الدولة التي تمثل الديمقراطية في العالم اليوم وهي أمريكا يقضي رئيسها فترته الأولى (بطة عرجاء) يخاف أن يخسر الانتخابات القادمة فلا يجرؤ على اتخاذ قرارات ربما تكون مصيرية لدولته لأنه يخاف أن يخسر الجولة الثانية ، ومع أن فكرة تداول السلطة جعلت كثيرا من المشاريع في كثير من الدول تتوقف بعد أن تقطع نصف الشوط فيها، فقط لأن نظرة الحاكم الجديد مختلفة ، وما في ذلك من إضرار في سياسة واقتصاد البلاد، كل هذه العيوب في نظام تداول السلطة لا يستطيع الغرب بمنظومته أن يراها، لكن نظام الحكم في الإسلام قد عالج الأمر من أساسه وجعل العقد مع الحاكم قائم على شروط في الحاكم إن انتفت انتفت صلاحيته للحكم وانتهى عقده مع الأمة ومن أهمها الإسلام والعدل والقدرة على القيام بأعباء الحكم ،ولو رأينا خلاف ذلك فإنه خروج عن منهج الإسلام في الحكم في الإسلام.
مشكلة تحل في دين الله بكلمات تعطي نظاما للحكم لا خلل فيه، والغرب يسطر نظريات في الحكم ويفشل في أن يقدم نموذجا يدنو أو يقترب من نموذج الإسلام! فما أحوج المسلمين بل والبشرية أن يصبع المنهج الرباني منهج حياتها حتى تستعيد الأرض توازنها
أ.أحمد عبد الحي
02/01/2026






