
السلطة لا تُغرق نفسها فحسب، ولكنها تُغرق معها أهل فلسطين وتقوض ما تبقى من قدرتهم على الاحتمال والصمود، وذلك عندما تضعهم تحت وطأة الأزمات التي تصنعها هي، كأزمة الدين، عدا عن تلك الأزمات التي يصنعها العدو نفسه،
تبلغ ديون السلطة (التزاماتها) حسب "التعريف الجديد" للدين العام حوالي 13 مليار دولار، وبالمقابل، تنحصر إيرادات السلطة الفلسطينية في جهتين لا ثالث لهما:
أما الجهة الأولى فهي التمويل الخارجي المتمثل في المنح والإعانات، ولا نتكلم هنا عن القروض والمديونية لأنها هي المشكلة، وليست الحل، وتراكمها هو موضع البحث،
وأما الجهة الثانية فهي الضرائب، والجباية بمعانها الواسع.
وأما لماذا يبدو العجز مزمنا وتبدو مشكلة المديونية دون أفق للحل، فلأن المتأمل ببساطة يدرك أن المساعدات لا تكفي لأن يقوم عليها اقتصاد وميزانية، وخصوصا بعد أن أخذت تلك المساعدات بالتناقص حتى أصبحت شحيحة، وحيث النزر اليسير منها مرتبط بالأغراض والمتطلبات السياسية كما هي طبيعة المساعدات.
وبالمقابل، فإنه ومنذ فترة طويلة جرت هيكلة السلطة من خلال الدول الداعمة والبنك الدولي على أن تكون الإيرادات المحلية هي الممول للميزانية، وهو ما بدأ تنفيذه مع سلام فياض حين عين رئيسا للوزراء، فأدخل الاقتصاد تحت أعباء تثقل كاهله وتكسر ظهره.
لقد كان الأصل، والحالة تلك، من قلة المساعدات التي تضخ في الميزانية، وقبل أن نتكلم عن الجهة الأخرى من مصادر الإيرادات، أن تعمل السلطة على خفض نفقاتها، خصوصا تلك النفقات التي تستنزف الموارد دون أن يكون لها جدوى حقيقية أو عائد ملموس، وأن تعمل كذلك على توقيف الفساد الذي لم يتوقف عن نهش ماليتها.
ومن نافلة القول أن النفقات التي يجري الكلام عن تخفيضها، ليست هي نفقات القطاعات الأساسية في الصحة التعليم، والتي هي أهم الخدمات على الإطلاق، فالإنفاق أصلا على هذه القطاعات هو في حده الأدنى ودون المطلوب، وفي بعض جوانبه يكاد يكون معدوما،
فمثلا لا تقوم السلطة ببناء المدارس ولا المستشفيات بشكل عام، بل وأكثر من ذلك فإن مستشفى هاني الحسن الذي تم جمع التبرعات له متوقف، بل لم يتجاوز مرحلة الحفريات منذ سنوات، وأما المستشفيات الحكومية فهي دون الكفاية لخدمة المواطنين، بدليل التحويلات إلى المستشفيات الخاصة، لترزح هي الأخرى تحت ضغط مستحقاتها من السلطة. وأما المدارس فان الذي وصل إليه التعليم والمعلمين من الحال يغني عن المقال.
وبمقابل نفقات الصحة والتعليم التي تجري في حدها الأدنى، بل دون الحد الأدنى، فإن الأجهزة الأمنية مثلا، متضخمة إلى حد الابتلاع لأكثر من ثلث ميزانية السلطة، إذ تشكل بؤرة النفقات التي تستهلك وتستنزف الإيرادات، وحيث السؤال الطبيعي، هل نفقات تلك الأجهزة يبرره دورها وحجم الوظيفة التي تقوم بها بحيث لا يمكن تخفيضها؟ وذلك عدا عن السؤال الرديف، هل دورها ووظيفتها التي تستنزف المال هو فعلا في خدمة أهل فلسطين وليس خدمة لغيرهم؟
ومثلا، نفقات ذلك التوظيف الذي لا معنى سوى أنه يخدم المقربين من أصحاب المكانة في السلطة، مما يزيد من البيروقراطية والبطالة المقنعة، ومعه نفقات تلك الرواتب العالية التي تتعدى الثلاثة ألاف دولار والتي أقر بها أكثر من وزير وصاحب منصب في السلطة، من رواتب الوزراء الحاليين إلى رواتب الوزراء السابقين وأعضاء المجلس التشريعي، وما يضاف إلى ذلك من نفقات متعلقة بالمنصب من سيارات ونثريات وغيره،
أضف إليها مصاريف السفارات التي تتجاوز في عددها سفارات الدول الكبرى نفسها، وما يلحقها مما يسمى بالبعثات الدبلوماسية، ويكفي أن نعرف مثلا أن عدد الذين "منعوا" من التوجه إلى نيويورك مع محمود عباس من أجل حضور جلسة الاعتراف بالدولة الفلسطينية بلغ ثمانون مرافقا.
والحاصل، ومع كل ما ذكر، هو أن السلطة لم يصدر منها ما يشير إلى أي تفكير جدي في تخفيض في النفقات، لا في الأفعال ولا في النوايا، رغم تصاعد العجز وتفاقم المديونية، معتبرة نفقاتها خطا أحمر وصندوقا لا يفتح. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، ما هي خطة السلطة في التعامل مع ذلك العجز المالي والمديونية؟ والكلام هنا عن ذلك العجز البنيوي، وليس العجز المتربط فقط بالظروف الجارية أو حبس المقاصة من قبل الكيان؟
والجواب الفعلي هو أن ما تقوم به السلطة -عدا عن ترحيل المشكلة إلى الأمام بتأجيلها وبالتالي مفاقمتها-هو السير في اتجاه واحد لا تملك غيره عادة، ولا تفكر إلا فيه، وهو جيوب الناس والمزيد من التحصيل الضريبي، ولكن السؤال مرة أخرى، هو كيف؟ وأنى لها ذلك؟ ؟
أنى لها ذلك و"المواطن" نفسه عاجز ومثقل، ينتظر الإسناد والمعونة، خصوصا في ظل اقتصاد مصاب بشلل، إن لم يكن كاملا فهو أكثر من نصفي، نتيجة الإغلاقات واعتداءات المستوطنين، وانقطاع الشريان الرئيسي من عمال الداخل، مع ما يعصف بذلك الاقتصاد من أزمة الرواتب، وقربه، أي الاقتصاد، من الانهيار حتى لو أعفي من الضرائب، فكيف إن أثقل بمزيد من الضرائب؟ ألن يكون ذلك قاصمة الظهر للاقتصاد والمسمار الأخير في نعش صمود أهل فلسطين؟
إن السلطة تغذ الخطى فعلا نحو مزيد من الأزمة بهذا الاتجاه، وهو اتجاه الضرائب والجباية، وكل ذلك لأجل بقائها هي وليس لسد العجز، حيث تنشط أفقيا في توسيع الضرائب وإحكام السيطرة وحصر الناس بقوانين من مثل التجارة الإلكترونية وحملات الدفع الإلكتروني وعموديا بمتابعة التحصيل الضريبي وزيادة الجباية وحصر الناس، وبالتوازي تدخل السلطة في أزمة ديون لا تسددها، ومنها على سبيل المثال مستحقات لصندوق التقاعد 4.25 مليار دولار مما ينبئ بانفجار قادم، عندما لا يجد المتقاعدون رواتبهم، وهو عينة من الانفجارات الاقتصادية المؤجلة حتى ساعة الصفر.
إن البعد غير المرئي هو أن هذه الضرائب ستسارع من انهيار الوضع المالي في الضفة، والمتهالك أصلا، فزيادة الضرائب نتائجها زيادة في الأسعار، ومعناها أخذ مال أكثر من أيدي الناس، مما يتبعه تدني الوضع المالي الذي سيؤدي بالنهاية حتى لانخفاض مردودات الضريبة نفسها ولن يحل مشكلة السلطة.
والخلاصة أن السلطة تعوم في أزمة اقتصادية دون أن تملك لها حلا، لأنها كيان أقل من أن يكون له القدرة على القيام ذاتيا باقتصاد، اللهم إلا من سياسات مآلها هو تدمير الاقتصاد الأهلي وبالتالي زيادة الضغط على الناس وهجرتهم، وبالتالي فإن كل تحرك للسلطة يغرقها، ويغرق أهل فلسطين معها أكثر.
أ. أحمد عبد الحي
29/11/2025






