أعلنت محكمة العدل الدولية في بيان لها الجمعة، أنها اختتمت جلسات الاستماع العلنية بشأن محاكمة (إسرائيل) بتهمة ارتكاب جرائم إبادة جماعية في قطاع غزة، بناء على دعوى رفعتها دولة جنوب أفريقيا وأيدتها عشرات الدول، على أن يصدر قرارها بعد المداولات في جلسة علنية يعلن عنها في الوقت المناسب.

 

من جانبه هاجم رئيس كيان يهود، هرتسوغ، جنوب أفريقيا على خلفية الدعوى التي تقدمت بها، أما رئيس وزراء الكيان، بنيامين نتنياهو، فقد وصف القضية المرفوعة ضد (إسرائيل) بأنها هجوم على الدولة اليهودية ونفاق وانحطاط، وقال إن "ما يحدث في لاهاي عار أخلاقي، ولن يمنعنا أحد من القتال حتى النصر في غزة". وأضاف في خطاب بثه التلفزيون، السبت: "لن يوقفنا أحد، لا لاهاي ولا محور الشر. لا أحد".

 

وهكذا كانت محكمة العدل الدولية والقضية المرفوعة ضد كيان يهود هي محل اهتمام وحديث وسائل الإعلام والمراقبين خلال الأيام القليلة الماضية وطغت على حديث الأوساط السياسية دون تركيز على مدى فعالية القرار الذي قد تتخذه المحكمة وإلزاميته، ولا على المدة التي قد تستغرقه جلسات المحكمة حتى تصدر قرارها، ولا على الخطوة التالية من إصدار القرار، وإنما جرى التركيز فقط على حيثيات القضية وتفاصيلها وانزعاج يهود منها ورفضهم لها.

 

وحتى نضع الأمور موضعها، لا بد من الإشارة إلى نقاط عدة تتعلق بالمحكمة وقراراتها ودورها وموقعها.

 

فبداية تجدر الإشارة إلى أن محكمة العدل الدولية هي هيئة قضائية تابعة لمنظمة الأمم المتحدة، وهي إحدى الأجهزة الستة للأمم المتحدة، فهي ليست شيئا مختلفا عن الأمم المتحدة، أو خارجا عنها، فما ينطبق على الأمم المتحدة ينطبق عليها، ولذلك فإن الخوض في التفاصيل الإدارية أو الهيكلية للمحكمة لا يصح أن يصرف الذهن عن الصورة الكلية أو الدور الحقيقي للمحكمة.

 

فكما ثبت للعالم أجمع، وليس لنا نحن المسلمين فقط، بأن الأمم المتحدة ومجلس الأمن والهيئات الدولية كلها، بأنها أدوات بيد الاستعمار وقوى الطغيان في العالم، فبدا ذلك واضحا جليا في الحرب الدائرة على غزة، إذ تجردت تلك الأدوات الاستعمارية من أدنى القيم الإنسانية والأخلاقية والحقوقية، ووقفت مع المجرم والسفاح وقوى الإبادة، كيان يهود، ضد شعب أعزل وأطفال ونساء ومستشفيات ومدارس، بلا حياء أو استحياء، في صورة أنطقت الحجر والشجر، وأبكت الصخر، بل أخرجت مئات الآلاف عبر العالم من كل الأديان والخلفيات الثقافية منددة مستنكرة تلك الوحشية وذلك الصمت والدعم المقيتين من قوى الاستعمار لكيان يهود المجرم، ومع ذلك كله لم تحرك الأمم المتحدة ومجلس أمنها ساكنا من أجل إيقاف تلك الوحشية والإبادة، وواصلت توفير الغطاء الكافي واللازم لكيان يهود لمواصلة حربه المسعورة على المسلمين المستضعفين في قطاع غزة، في حين إن الأمم المتحدة ومجلس الأمن ذاتيهما كانا يتحركان ويجمعان ويفعّلان كل قواتهم عندما يتعلق الأمر بتحقيق مصالح ورغبات أمريكا الاستعمارية، كما حدث في العراق وأفغانستان وسوريا وليبيا وفلسطين.

 

فالحقيقة التي لا يجب أن تغيب عن الأذهان بأن الأمم المتحدة والهيئات الدولية ليست إلا أداة بيد القوى الاستعمارية ابتدعتها لتسهل استعمارها وسيطرتها على العالم تحت مسميات وعناوين براقة، وفي مقدمة تلك الدول الاستعمارية أمريكا، فهي تكاد تهيمن بشكل كامل عليها.

 

فمحكمة العدل الدولية مثلا، إذا ما أصدرت لأغراض سياسية لدى أمريكا قرارا بإدانة أو اتهام كيان يهود بالإبادة وطالبته بأي شيء مثلا، فإن الطريقة التي وضعت لها لتفعيل ذلك القرار إنما هي برفعه إلى مجلس الأمن، إذ تنص المادة 94 من ميثاق الأمم المتحدة على وجوب امتثال جميع أعضاء الأمم المتحدة لقرارات المحكمة المتعلقة بهم، وإذا لم تمتثل الأطراف، يمكن عرض القضية على مجلس الأمن لاتخاذ إجراءات الإنفاذ. وهذا يعني إذا كان الحكم ضد أحد الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن أو حلفائه، فإن أي قرار يتعلق بالإنفاذ سيستخدم ضده حق النقض ويجعل القرار حبرا على ورق، بل ويمحو ما كتب!

 

وبناء عليه فإنّه يتضح بأن القرار حتى وإن صدر فإن قيمته معنوية ليست أكثر، فهو لن يرفع ظلما أو يوقف حربا أو ينجد طفلا، وإذا ما أضفنا إلى ذلك أن المدة التي تحتاجها المحكمة لإصدار قرارها تتراوح بين بضعة أسابيع وعدة سنوات، حسب إرادة المهيمن على المحكمة (أمريكا)، تتجلى الصورة بأن القصة ليست أكثر من ألهية للشعوب لتتعلق بأمل موهوم تضيع بها وقتها وتفرغ من خلاله عن شيء من غضبها.

 

ويبقى التساؤل، لماذا يرفضها إذاً كيان يهود ويهاجمها، طالما أنها لن تلزمه بشيء ولن تستطيع أن تنفذ قراراها إن صدر ضدها؟

 

والجواب على ذلك يكمن في أن كيان يهود يعيش دور الطفل المدلل للغرب وأمريكا، وليس مجرد طفل، بل الطفل المدلل، فهو لا يقبل أي تعنيف أو مجرد صراخ في وجهه، لأنه لا يتوقع من أمريكا والغرب سوى الدلال والسهر على راحته ومصالحه، ولأن أمريكا فعلا قد تترك الأمر يسير نحو الإدانة وحينها يكون لأنها تريد أن تصرخ في وجه طفلها المدلل قليلا لعله يتواضع في سلوكه أو يخفف من دلاله.

 

فكيان يهود لا يريد فعلا تلك الصرخة أو ذلك العتاب، حتى لو كان من الأحبة والأقارب، لأنه يرى أن ذلك يمس صورته التي رسمها لنفسه في العالم بأنه ذلك الكيان صاحب المظلومية والحق في الحياة بعد كل ما عاناه شعبه عبر التاريخ، ولذلك كان نتنياهو يقصد ما يقوله حقا، بأنه يرى تلك المحكمة عارا أخلاقيا وأن جيشه المجرم هو الأكثر أخلاقية في العالم.

 

فكيان يهود يدرك تماما أنه طالما أن وجوده وأمنه مصلحة استراتيجية لأمريكا والغرب، فإن أمريكا والغرب سيواصلان توفير الغطاء الكافي واللازم لفعل كل صنوف الإجرام والوحشية بحق المسلمين وأهل فلسطين، الذين لا تساوي دماؤهم شيئا عند كل هؤلاء المجرمين، وفوق ذلك لا يريد قادة يهود الضغط الناعم أو مجرد التعنيف حتى لو كان خفيفا عندما يختلف الكيان مع أمريكا على بعض التفاصيل أو الحيثيات أو الأمور الإجرائية.

 

ولذلك تزعج المحكمة كيان يهود لأنها قد تحرجه إعلاميا لبعض الوقت أمام شعوب العالم التي تؤثر قليلا على توجهات قادتهم، خشية أن يخف الدعم عن كيان يهود أو يتباطأ، أو يطالبون بناء عليه بالإسراع في وحشيتهم لتحقيق غايتهم.

 

والعار كل العار على حكام المسلمين الذين تركوا فلسطين وأهل غزة بين أنياب يهود وأمريكا ودول الكفر كافة، فلم يحركوا الجيوش ولم يسمحوا للأمة أن تهب لنصرتهم، حتى باتت غزة والمسلمون يتعلقون بأية قشة قد تخفف عنهم مصابهم، ويفرحون بأية خطوة حتى ولو كانت مقطعا من حلم جميل!

 

 

بقلم: المهندس باهر صالح

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في الأرض المباركة (فلسطين)