حزب التحرير في العالم

بسم الله الرحمن الرحيم

جواب سؤال

واقع الحراك الجنوبي وتبعيته

 

السؤال:

هل الحراك الجنوبي لا يزال أمريكياً؟ أو أن عمالة المجلس قد تحولت للإنجليز بسبب احتواء الإمارات له وأصبح تابعاً للإمارات، والإمارات تمثل الإنجليز في البلد؟ وبعبارة أخرى: هل فشلت أمريكا في الحفاظ على الحراك الجنوبي واستطاعت بريطانيا عن طريق الإمارات أن تضمه إلى جانبها؟ أو أنه لا زال يتبع أمريكا في تحركاته وكل ما هنالك أن الإمارات بسبب قوة جيشها في عدن استطاعت أن تؤثر فيه دون أن يصبح الحراك الجنوبي موالياً للإنجليز؟

 

الجواب:

1- لقد انزعجت بريطانيا عندما أدركت أن أمريكا استطاعت استمالة علي سالم البيض وعلي ناصر محمد بوسائلها المباشرة وغير المباشرة عن طريق مصر والسعودية في عهد فهد أوائل التسعينات مع أن بريطانيا هي التي شكلت عن طريق عملائها ما أطلق عليه اسم "جبهة التحرير القومية في جنوب اليمن" ودعتها لمفاوضات في جنيف ابتداء من 1967/11/20 ومن ثم منحت بريطانيا الاستقلال لجنوب اليمن يوم 1967/11/30 بعد رحيل القوات البريطانية، وأصبح البيض حاكماً للجنوب بدعم بريطانيا، فسيره مع أمريكا اعتبرته بريطانيا نكراناً للجميل! لذلك قررت إزاحتهما عن السلطة وخاصة أن لها إمكانية ذلك فرجلها علي صالح كان له قوة يحسب حسابها في الشمال... وهكذا اندلعت حرب بين قوات الشطرين سنة 1994 ولم يكن قد مضى على توحيد شطري اليمن سوى أربع سنوات! ولما انتهت الحرب بهزيمة الوحدات العسكرية التي وصفت بـ"الجنوبية" هرب علي سالم البيض، وكذلك علي ناصر محمد... وانزويا بعض الشيء.

 

ثم أخذت حكومة صالح في صنعاء باضطهاد العسكر في الجنوب وملاحقتهم، واستمر ذلك لسنوات، لتتأسس لاحقاً في الجنوب جمعية للمتقاعدين العسكريين المسرّحين من عملهم، فكانت جمعية ذات مطالب متعلقة بالاضطهاد والملاحقة والحرمان من الحقوق، ومع استمرار تلك المظالم فقد تسربت النزعة الانفصالية لقدامى العسكريين المنخرطين في تلك الجمعية، فصارت بذلك بؤرةً انفصالية ونواةً لتجمع الانفصاليين الذين اكتسبت تحركاتهم ما بات يعرف اليوم بالحراك الجنوبي الذي أعلن عن نفسه رسمياً جنوبي اليمن سنة 2007، هذا بالإضافة إلى حركات أخرى أقل أهمية وأدنى فاعلية لن نركز عليها.

 

2- استغلت أمريكا هذا الوضع في الجنوب حتى يكون لها موطئ قدم جنوبي اليمن، كما صار لها موطئ قدم آخر شمالي اليمن عن طريق الحركة الحوثية والدعم الإيراني لها. وبهذا ومن ناحية الصراع الدولي فإن الحراك الجنوبي قد تحول من مطالب برفع الظلم وصار أداةً جديدة لأمريكا للتدخل في اليمن الموالية حكومته للإنجليز. وقد درجت الدول الكبرى على استغلال الوضع الداخلي والتوترات في الدول الصغيرة لكسب النفوذ فيها، فكانت أمريكا عبر مخابرات الملك فهد في السعودية تحاول الاتصال بالعسكر جنوبي اليمن خلال التسعينات، أي بعد الحرب الأهلية سنة 1994. ومع أن سالم البيض كان من أتباعها في ذلك الوقت إلا أن انزواءه آنذاك ودعوته في منفاه للأعمال المادية ضد حكم صالح لم تجعل أمريكا ترى في ذلك وحده نجاحاً، فبدأت تبحث عن من يتبنى عملاً سياسياً قوياً يكتل أهل الجنوب فيشكلون ضغطاً مكثفاً يؤثر في حكم صالح بفعالية، فوجدت أمريكا ضالتها في الناشط المعارض حسن باعوم فقد كان يتحرك بشكل كبير مطالباً بانفصال جنوب اليمن، وتنقل مبكراً من مدينة إلى أخرى، وطاف على القبائل بشكلٍ حثيث يدعوها لدعمه وتأييد مطالبه الانفصالية، وكان كل ذلك على وقع المعاناة والتهميش الذي يتعرض له أهل الجنوب، وكان باعوم يقيم الفعالية تلو الفعالية لإيجاد المزيد من الرأي العام المطالب بسلخ الجنوب عن اليمن، وكان نهجه سلمياً ورفض أعمال العنف. لقد كان يلاحظ أن تحركات حسن باعوم الانفصالية تجد صدىً وأحياناً زخماً في المناطق الجنوبية التي تعمقت فيها فكرة أن التهميش هو سياسة ممنهجة... وعندها صار يتعرض للاعتقال والملاحقة من حكومة صنعاء فقد تم اعتقاله مرات عدة ولفترة تزيد عن السنة ما بين عامي 2007 و2008، ثم اعتقل مرة أخرى 2010، وأفرج عنه بعد شهرين 2011، وأعيد اعتقاله مرة أخرى في العام نفسه. وهكذا أصبح الانفصالي باعوم رمزاً كبيراً للحراك الجنوبي لجهوده الحثيثة وتأليبه قدامى العسكريين والقبائل والناشطين ضد الحكومة المركزية في صنعاء، وترسيخه المطالب الانفصالية وتعميقها، وبارتباطاته بأمريكا وتلقيه الدعم الإيراني فقد كانت خطواته تتسم بالحركة المتسارعة، فشكل باعوم المجلس الأعلى للحراك الجنوبي وأصبح رئيساً له (يمثل المجلس الأعلى للحراك السلمي لتحرير الجنوب الفصيل الرئيسي للحراك الجنوبي الذي يضم أيضا فصائل من بينها الهيئة الوطنية العليا لاستقلال الجنوب، والمجلس الوطني الأعلى لتحرير واستعادة دولة الجنوب، والتجمع الديمقراطي الجنوبي، واتحاد شباب وطلاب الجنوب... وتعتبر محافظة الضالع إحدى أكثر مناطق الحراك سخونة ونشاطا... الجزيرة نت. 2011/3/3) وهناك مواقع كانت تصف باعوم صراحة بالعميل الإيراني كما جاء في موقع "هنا عدن 2016/9/13"، وهكذا فإن الحراك الجنوبي بقيادة حسن باعوم الذي تغذى على التهميش هو حركة سياسية ارتبطت بالدعم الأمريكي المبكر، وأصبح نواةً يمكن لأمريكا العمل من خلالها للنفاذ إلى اليمن من جهة الجنوب أيضاً، وكانت الحركات والفعاليات والإضرابات التي يقوم بها الحراك ومركزها مدينة الضالع، على الرغم من أن حسن باعوم حضرمي من المكلا، ولم يكن من الضالع، كانت كل تلك الحركات بمثابة التدريب لهذه الفئة على الأعمال السياسية، ولم تكن حكومة صنعاء في البداية ترى من هذه الحركة خطورة لأن الأعمال البارزة عليها كانت سياسية، ولذلك كانت تكتفي باعتقال رموزها كحسن باعوم، وأحمد بن فريد، وعلي الغريب، وعلي مناصر، لفترات، ثم تطلق سراحهم.

 

3- فرجال أمريكا في الحراك الجنوبي قد حذقوا فكرة الانفصال التي أصبحت لهم أيديولوجية، وتصلبوا عليها، وأما الآخرون الذين انجرفوا مع نشاطات الحراك الجنوبي الذي يغذيه التهميش، فبعضهم من النشطاء المحليين، وآخرون واقعون تحت تأثير الإنجليز ورجالهم في اليمن، وأمثال هؤلاء كانوا تارةً مع الوحدة، وتارة مع الانفصال، ولم يكن الانفصال أيديولوجيتهم، فكانت الحكومة في صنعاء تستفيد من هؤلاء عن طريق تمييع فكرة الانفصال التي يتمحور حولها عملاء أمريكا، وكانت تزج ببعض رجالها بينهم لذات الغرض... وكما قلنا فلم تكن حكومة صنعاء ترى منهم خطورة، ولكن عندما تبين لحكومة الرئيس صالح في صنعاء ومن ورائه الإنجليز أن هذه الحركة صارت تكتسب زخماً ملموساً، وأن مخاطرها تتصاعد خاصة وأن عملاء أمريكا في صدارة الحراك، فقد أخذت الدولة في صنعاء ومعهم الإنجليز وأتباعهم الإقليميون بالتعامل مع هذه الحركة بشكل جدي لاحتوائها، خاصة وقد بدا أنها باتت عصيةً على الاستئصال في ظل المشاعر المتنامية في الجنوب بالتهميش، وكانت خطة الاحتواء "الإنجليزية" تتطور حسب تطور الحراك الجنوبي، فمن محاولات جادة للاختراق إلى الملاحقة التي لا تكتفي بالاعتقال بل إلى العنف... واستمر ذلك إلى أن دخلت الإمارات براً بجيشها مستغلة كونها في التحالف العربي ثم بلغت أشدها بعد مقتل صالح حيث أصبح نفوذ بريطانيا في الشمال ضعيفاً وخشيت من الفراغ إذا نجح الحوثيون في بسط نفوذهم في الشمال ولذلك بدأت تفكر بشكل جدي في أن يكون لها قوة في الجنوب تكون عندها ورقة ضغط ليكون لها وجود في حكم اليمن فإن لم تستطع، فعلى الأقل في الجنوب، ولذلك بدأت التفكير بجد في تركيز نفوذ لها في الجنوب وبخاصة وأنها لم تكن تعتمد كلياً على هادي على اعتبار أن السعودية مهيمنة عليه، وهكذا اهتمت بهذا الأمر عن طريق الإمارات بالإضافة إلى بدء قوات الرئيس اليمني السابق علي صالح الذي قتله الحوثيون في نهاية السنة الماضية يوم 2017/12/4 تعود إلى الجنوب وتصطف بجانب قوات الإمارات في قتال الحوثيين. وقد "أكد مصدر حكومي يمني أن طارق صالح ابن أخ علي صالح موجود في عدن تحت حماية القوات الإماراتية، وذكرت مصادر دبلوماسية أن الإمارات تبذل جهودا كبيرة من أجل رفع العقوبات المفروضة على أحمد ابن علي صالح من أجل لعب دور سياسي مستقبلا"... (موقع ناس تايمز اليمني 2018/2/5) وقد صرح قائد قوات المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي قائلا: (إننا سندعم طارق صالح وسنقف إلى جانبه في الشمال وفي كافة الأراضي حتى تحرير صنعاء بشكل كامل... 2018/1/30 فرانس 24)، فمعنى ذلك أن بريطانيا تلعب لعبة في الجنوب وتعزز نفوذها بعملائها من أقارب علي صالح المتنفذين في قوات الحرس الجمهوري اليمني، وحزب المؤتمر العام، وكانت قوات الانفصاليين مدعومة من الإمارات، علماً أن الإمارات تشارك بقوات جوية وبرية، والسعودية تشارك فقط بقوات جوية.

 

4- وهكذا بدأت بريطانيا تنشط في الجنوب عن طريق الإمارات لاختراق الحراك الجنوبي الأصلي أو تهميشه بصنع حراك جديد يتصدر الساحة... وقد بدأت الإمارات بجناح علي سالم البيض وذلك على الرغم من أن بريطانيا كانت تدرك حجم المحاولات الأمريكية لدعم علي سالم البيض وعلي ناصر، ومن تلك المحاولات الأمريكية عرض الدعم الإيراني، وكذلك التسهيلات المصرية مثل اجتماع الحراك الجنوبي في القاهرة بزعامة علي ناصر محمد سنة 2014، وأيضاً التسهيلات اللبنانية، فقد وفرت بيروت لعلي سالم البيض ملجأً ومنبراً إعلامياً كان محروماً منه في عُمان منذ لجوئه إليها سنة 1994، ثم ومع اندلاع عاصفة الحزم السعودية سنة 2014 انتقل إلى الرياض التي أغدقت عليه الأموال... وعلى الرغم من ذلك كما قلنا آنفاً فقد بدأت الإمارات بمحاولة التأثير في جناح البيض وناصر... أما لماذا بدأت بهذا الجتاح فلسببين: الأول: أنه يتبنى العنف، والثاني: خلفيته السابقة في موالاته للإنجليز فقد كانوا وراء تشكيل جبهته القومية وتسليمه حكم جنوب اليمن فأرادوا أن يُحيوا في ذاكرته تلك الحقبة فيعيدوه إليها أو يقربوه منها فتحسَّنوا له... وبعد بدء عمليات التحالف العربي في اليمن عام 2015 نقلوه من السعودية إلى الإمارات حيث يقيم في "أبو ظبي" حالياً، وذلك أن البيض كان يتنقل في البلاد الموالية لأمريكا فقد مكث حوالي سنتين (2012 و2013) في لبنان مدعوماً من قبل إيران وبحماية حزبها هناك، ثم انتقل إلى السعودية ومن ثم استمالته الإمارات باعتبار أنها في التحالف ونقلته كما ذكرنا آنفاً إليها حيث يقيم في أبو ظبي وأحاطته بهالة من الاحترام... ومن المعروف أن سالم البيض متقلب فقد كان ولاؤه للإنجليز وهو رئيس اليمن الجنوبي ثم في أوائل التسعينات استمالته أمريكا وبقي على هذا الولاء وهو يتنقل بين البلاد الموالية لأمريكا، ثم هو الآن في الإمارات يحاولون استقطابه ولا يستبعد أن يتقلب مرة أخرى وإن حدث فقد تتوتر الأمور بينه وبين الإمارات... على كل، موقفه أقرب إلى المجلس الانتقالي فقد أثنى عليه: (فقد أعلن نائب الرئيس اليمني الأسبق، علي سالم البيض، تأييده ومباركته دعوة تشكيل "كيان جنوبي سياسي"، بعد يوم من تأييد ثلاثة محافظين في محافظات جنوبية دعوة محافظ عدن، عيدروس الزبيدي، لتشكيل الكيان. وأكد البيض، في بيان حصل "العربي الجديد" على نسخة منه أنه سيدعم هذه الدعوة "بكل ما يمكن"، وحث مختلف القوى السياسية الجنوبية والشخصيات المستقلة على "التفاعل الإيجابي مع هذه الدعوة، والخروج من حالة الانتظار واللامبالاة والاتكالية تجاه مرحلة جديدة"... وجاء بيان البيض بعد يوم من انضمام ثلاثة محافظين، هم محافظ أبين، الخضر السعيدي، ومحافظ لحج، ناصر الخبجي، ومحافظ الضالع، فضل الجعدي، إلى دعوة محافظ عدن، عيدروس الزبيدي، بتشكيل "كيان جنوبي".... العربي الجديد 2016/9/16)، ويشبهه في ذلك صاحبه علي ناصر محمد فهو أحياناً يؤيد الانفصال وأحياناً أخرى يريد حكومة واحدة في اليمن ولكن باشتراطات يراها! فلدى سؤاله عن الحل في اليمن 2017/10/4، أي قبل هبة علي صالح ضد الحوثيين نهاية 2017، قال (تشكيل حكومة وحدة وطنية توافقية. واستبعاد العناصر الأساسية المتسببة في الحرب من الطرفين "الحوثيين وحكومة هادي" من أي مناصب رسمية خلال المرحلة الانتقالية. سحب السلاح من كل الأطراف والأحزاب وتسليمها إلى وزارة الدفاع، لأن اليمن بحاجة إلى رئيس واحد وحكومة واحدة ووزير دفاع واحد والاحتكام إلى صندوق الانتخابات فى المرحلة المقبلة... الأهرام العربي 2017/10/4.) وواضح من كل هذا أن الإنجليز قد نجحوا عن طريق الإمارات في النفاذ إلى درجة مؤثرة في كلا الرجلين وجناحهما، فلم يتخذوا الانفصال أيديولوجية ثابتة لا يتزحزحون عنها كما نشأ عليه الحراك الجنوبي أصلاً، بل وفق الظروف التي تحيط بهما.

 

5- أما جناح حسن باعوم فقد كان سياسياً أيديولوجيا انفصالياً للعظم... فأدرك الإنجليز أن أية حلول ترضية أو إغراء أو هيمنة لا تجدي فحاولوا أن يحاصروه في عُمان بالإقامة الجبرية بطريقة ملتوية أي دون قرار رسمي، وكان هو قد لجأ إليها لأنها كانت تظهر على الحياد وكأنه لم يعلم بأنها تسير مع بريطانيا وفق الدور المرسوم لها! وعن طريق عملائها في عُمان تم تضييق الخناق على حسن باعوم وفرض إقامة جبرية عليه في مدينة صلالة العمانية مدة طويلة... وبهذا التغييب الطويل لرجل أمريكا الأول في الحراك الجنوبي فقد ضعفت إلى حد ما الفصائل الموالية لأمريكا في الحراك، فاغتنم الإنجليز عن طريق الإمارات الفرصة وركزوا الجهود لإيجاد حراك جنوبي مواز لجناح باعوم يزايد عليه في قضية الجنوب، ووجدوا ضالتهم في عيدروس الزبيدي، فهو من القيادات المعروفة في الحراك الجنوبي، وهو مؤسس حركة تقرير المصير "حتم" الانفصالية سنة 1996، ولقربه من جماعة الإنجليز فقد عينه الرئيس هادي 2015/12/7 محافظاً لعدن، وذلك بعد انطلاق عاصفة الحزم السعودية (آذار 2015) بأشهر، فكان ذلك مؤشراً قوياً على ثقة عملاء الإنجليز به، وقد أحاطت بعيدروس الزبيدي هالة كبيرة في عدن، فكان محافظاً ناجحاً للمدينة وقد أعاد إليها الكهرباء وطرد العصابات المسلحة، وحارب الحوثيين، وناهض مقترحات مبعوث أمريكا الأممي ولد الشيخ، كل ذلك بدعم مالي وعسكري علني ومباشر من الإمارات، ولكونه مقاتلاً في الحرب الأهلية سنة 1994وقائداً منخرطاً في الحركة الانفصالية منذ وقت مبكر، ومطارداً من نظام علي صالح الحاكم في صنعاء منذ منفاه إلى جيبوتي سنة 1994، ولكونه ابن منطقة الضالع، مركز الحراك الجنوبي وثقله، بالإضافة إلى نجاحاته كمحافظ لعدن وحربه ضد الحوثيين، فقد اشتدت إليه الأنظار في الجنوب كشخصية سياسية مرموقة تنافس القيادة التاريخية لحسن باعوم في الحراك الجنوبي... وعسكرياً يعتمد عيدروس الزبيدي على هاني بن بريك مؤسس قوات "الحزام الجنوبي" والذي يوصف على نطاق واسع برجل الإمارات في الجنوب (هاني بن بريك الذي ظهر على الساحة اليمنية كمقاتل يواجه الحوثيين، ثم على الساحة السياسية كوزير تفرضه القوة الإماراتية، وذلك بسبب نفوذه المحقق بفضل الدعم السخي من أبو ظبي، وأسس ما يعرف بقوات «الحزام الأمني»، وهي المليشيا المدعومة علنًا من دولة الإمارات في جنوب اليمن... ساسة بوست 2017/11/2)، وهكذا فالزبيدي وبريك كان لهما شأن في الجنوب، ولكن لأنهما كانا في حكومة هادي وولاؤها مكشوف للإنجليز وهذه لا توجِد لهما شعبية في الدعوة للحراك الجنوبي فكانت الخطوة الأولى إخراجهما من حكومة هادي بطريقة تظهرهما، وخاصة الزبيدي، على خلاف قوي مع معسكر هادي ومن ثم يلتف حوله الجنوبيون لتشكيل الحراك الجديد وهكذا كان...

 

6- لقد أصدر الرئيس اليمني في 27 نيسان/أبريل 2017 قرارًا بإقالة عيدروس الزبيدي، محافظ عدن، ووزير الدولة هاني بن بريك، مع إحالة الأخير للتحقيق، وخرج الآلاف من اليمنيين في مظاهرة في مدينة عدن الجنوبية تنديدا بقرارات هادي، وأعلنت فصائل من الحراك الجنوبي في "إعلان عدن" 4 أيار/مايو 2017 أنها قررت تفويض عيدروس الزبيدي بتشكيل ورئاسة تكتل يتولى إدارة وتمثيل الجنوب لتحقيق أهدافه وتطلعاته، بالإضافة إلى تخويله بكامل الصلاحيات لاتخاذ ما يلزم من الإجراءات لتنفيذ بنود الإعلان... وبعد أسبوع من تكليف الحراك الجنوبي للزبيدي بتشكيل قيادة سياسية لإدارة وتمثيل الجنوب، أعلن الزبيدي عن رئاسته لهيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي في مدينة عدن يوم 11 أيار/مايو 2017، وتعيين بن بريك نائبًا له، بالإضافة إلى عضوية 26 شخصاً. ومن باب المزايدة على باعوم كان يخطب وهو واضع علم اليمن الجنوبي السابق بجانبه (قال الزبيدي، في كلمة تلفزيونية، الخميس، واضعا علم دولة اليمن الجنوبي السابقة، إنه بموجب "إعلان عدن التاريخي"، تم إنشاء "قيادة سياسية جنوبية عليا تسمى هيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي" وأضاف أن هاني بن بريك سيكون نائباً لرئيس المجلس بالإضافة إلى عضوية 26 شخصاً، وأوضح أن "هيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي تتولى استكمال إجراءات تأسيس هيئات المجلس الانتقالي الجنوبي، وإدارة وتمثيل الجنوب داخليا وخارجيا"... CNNبالعربية 2017/5/11)، وبهذا فقد أصبحت للزبيدي وبن بريك ومن خلفهما الإمارات/الإنجليز صلاحيات تشكيل قيادة الجنوب بالكامل، فمحافظو المحافظات هم من تعيين الرئيس اليمني، أي أنهم من رجال الدائرة الإنجليزية في اليمن، وكذلك باقي القيادات من أعضاء المجلس الانتقالي فهم من مؤيديه، بل استطاع أن يضم لمجلسه بعض رجالات جناح باعوم مثل علي السعدي وناصر الخبجي حتى وإن كان إلى حين، فإذا انكشفت الحقيقة خرجوا أو أُخرجوا، وقد يكون طريقاً لاستقطابهم، فناصر الخبجي وفي ظل "تغييب" باعوم عن الساحة فقد أصبح مؤيداً بشكل مبكر للزبيدي!

وبهذه السيطرة شبه الحاسمة للمجلس الانتقالي برئاسة عيدروس الزبيدي في عدن، وامتلاكه لقوات عسكرية كبيرة نسبياً بقيادة بن بريك في محافظات جنوبية أخرى، بل وفي مأرب، وبالتفاف محافظي المحافظات حول قيادة عيدروس الزبيدي، وكذلك تأييد قدامى رجال "دولة الجنوب" سابقاً من "الاشتراكيين" مثل علي سالم البيض الذي أعلن تأييده للزبيدي مبكراً، وتأييد طارق الفضلي وتياره ذي الصبغة الإسلامية المضافة إلى وضعه القبلي القوي في أبين، ووقوف دولة الإمارات إلى جانبه مالياً وسياسياً وعسكرياً، يكون الإنجليز قد حسموا مسألة الحراك الجنوبي حول عميلهم عيدروس الزبيدي بدرجة كبيرة. وإذا ما استمرت الظروف السياسية على ما هي عليه، خاصة وجود ثقل الإمارات في الجنوب فإن هذه السيطرة مرشحة للاستمرار.

 

7- أما أمريكا فقد أدركت تأخرها، وأظهرت انزعاجها، وما يشير إلى انزعاج أمريكا من تشكيل المجلس الانتقالي مناهضة مبعوثها الدولي ولد الشيخ للمجلس (وجه المبعوث الأممي إلى اليمن إسماعيل ولد الشيخ لمحافظ عدن المقال عيدروس الزبيدي، رسالة "تهديد واضحة"على خلفية إعلانه تشكيل مجلس انتقالي لانفصال الجنوب، حسب مصدر مطّلع. ونقل المشهد اليمني عن مصدر مطلع أن ولد الشيخ التقى الزبيدي موجها رسالة تهديد واضحة في حال إصراره على التمسك بالمجلس الذي أعلنه، والذي رفضته الرئاسة اليمنية ومجلس التعاون الخليجي وجماعة الحوثي وكثير من داخل الحراك الجنوبي، وأنه في حال تمسكه "الزبيدي" فإن الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي سيدرجه ضمن المعرقلين لعملية السلام في اليمن وتنفيذ القرار 2216 الصادر تحت الفصل السابع، وسيتم التعامل معهم كالحوثيين وصالح باعتبارهم "متمردين".... روسيا اليوم 2017/5/14)، ويبدو أن أمريكا تداركت الأمر فضغطت على عُمان لإطلاق سراح باعوم، وبعد أن أطلق سراحه أخذ حسن باعوم بالتحرك القوي المناهض للمجلس الانتقالي الذي دعمته دولة الإمارات في مظهر كبير للصراع الأنجلو-أمريكي على اليمن، وظهر أن تحركاته بدعم سعودي واضح، فقد عُقد تحت سمعهم وبصرهم المؤتمر الأول لمجلس الحراك الثوري بقيادته في مدينة عدن 2017/8/17 ضم ستمائة من أتباعه، متهماً دولة الإمارات باحتلال جنوب اليمن... وقد جاء في بيان المؤتمر: (نرفض رفضاً قاطعاً استغلال حماس شعبنا الجنوبي وضخ الأكاذيب والتأثير عليه عاطفياً لانتزاع تأييد شعبي ومن ثم السير عكس الإرادة الشعبية للجنوب... نؤكد أن الزعيم حسن باعوم رئيس المجلس الأعلى للحراك الثوري يعتبر الزعيم والرمز الجنوبي الذي نعتز ونفتخر فيه... إن ما يجري الْيَوْمَ في الجنوب من سباق محموم بين قوى خارجية كدولة الإمارات العربية التى أصبحت تستحوذ على منافذ الجنوب وخيراته وتتحكم بمصير شعبنا وتوجهاته ثم تأتي لتمنح ثلة ممن اتخذتهم أتباعاً لها قليلاً من الفتات الحقير... عدن الغد 2017/8/17)، أي أن جماعة باعوم تناصب الإمارت العداء العلني وتطالبها بالخروج من اليمن، وسمى مؤتمرُ باعوم جماعةَ الزبيدي بـ"أتباع الإمارات الذين تمنحهم قليلاً من الفتات"...

 

ثم كان المؤتمر الثاني لجماعة باعوم الذي انعقد في 2017/11/11 وقد جاء في بيان المؤتمر الثاني الختامي لمجلس الحراك الثوري لباعوم الذي عقد في عدن وحصل العربي الجديد على نسخة منه "ندعو دول ما يسمى بالتحالف العربي للحوار المباشر بندية مع المجلس الأعلى للحراك بعد سحب كل قواتها من أراضينا مؤكدين حرصنا على الراوابط الاجتماعية والدينية التي بيننا"... ووصف المجلس الذي يرأسه باعوم التحالف بـ"دول احتلال" وتابع "نؤكد على حقنا الكامل في التعامل مع الاحتلال بكافة الطرق والوسائل المشروعة في الزمان والمكان المناسبين وفقا لمصالحنا الوطنية" وشدد البيان على "أن أي مفاوضات أو حلول تستثني القضية الجنوبية وممثلها الشرعي لن يكتب له النجاح وذلك لأن الممثلين الشرعيين هم من قاد الحراك منذ يومه الأول وليس من خلقتهم الصدفة أو صنعهم المال أو استنسخهم الاحتلال الأجنبي"... (العربي الجديد 2017/11/11) والبيان وإن تكلم عن التحالف العربي لكنه موجه أساساً ضد الإمارات لأن المؤتمر عقد بحماية سعودية!

 

8- والخلاصة: بعد هزيمة علي سالم البيض، وعلي ناصر محمد سنة 1994 واستيلاء علي صالح على مقدرات اليمن الجنوبي وتهميش أهل الجنوب واضطهاد الكثير من عسكر الجنوب... فقد تسبب كل هذا في نشوء حركات معارضة متعددة منذ ذلك التاريخ حتى اليوم... وأبرزها ثلاث حركات:

 

- الحراك الجنوبي جناح علي سالم البيض وهو متقلب: تارة مع أمريكا وعملائها، وتارة يوافق بريطانيا وعملاءها...

 

- الحراك الجنوبي جناح حسن باعوم وهو مدعوم من أمريكا وعملائها وخاصة إيران...

 

- الحراك الجنوبي جناح الزبيدي وهو مدعوم من بريطانيا وعملائها وخاصة الإمارات...

 

- وكما بيَّنا أعلاه فقد ألقينا الضوء على أهم مواقفها تجاه القضايا اليمنية الجارية... وإنه لمن المؤلم أن قضايانا يعبث بها الكفار المستعمرون بأدوات صدئة من بني جلدتنا! فتُسفك دماؤنا في اليمن وغير اليمن لمصلحة الكفار بأدوات محلية... ونسي هؤلاء أو تناسوا أموراً لو عقلوها لبكوا دماً من سوء ما فعلوا:

 

فالله القوي العزيز قد نهى نهياً جازماً عن أن يركن المسلم إلى الكفار الظالمين ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾، ورسول الله eيقول عن سفك الدماء التي تُزهق بغير حق إنها أعظم عند الله من زوال الدنيا، أخرج الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ» وأخرجه ابن عساكر في معجمه وقال هذا حديث حسن، فكيف وهي تُزهق لمصلحة الكفار المستعمرين؟! إنها لجريمة فوق الجريمة ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾.

 

ومع ذلك فإن اليمن التي وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم ببلد الإيمان والحكمة لا تخلو من رجال مؤمنين صادقين مخلصين سيقفون بالمرصاد لأولئك الذين يركنون للكفار المستعمرين... وسيعيدون اليمن بإذن الله دار إسلام تستظل براية الإسلام في خلافة راشدة تعيد لها العزة فتكون كما قال صلى الله عليه وسلم فيما أورده البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً وَأَلْيَنُ قُلُوبًا الْإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ».

 

الثامن من جمادى الآخرة 1439هـ

2018/02/24م

للمزيد من التفاصيل