المقالات

إن الحكم إلا لله*

تتزاحم الأولويات وتدلهم الخطوب فتزيغ الأبصار وتبلغ القلوب الحناجر، تتزلزل الأقدام وتضيق العقول وتضيع البوصلة، بينما الحال كذلك يبقى هناك من يحمل الراية في يدٍ ومشعل النور في يده الأخرى ليعيد ترتيب الأولويات ويعدل المسار ويزيل الغشاوة.

ذلك مشهد تكرر في تاريخ الأمة فيوم بدر والأحزاب وحروب الردة والهجمة المغولية الشرسة والحروب الصليبية وغيرها أحداث كادت أن تودي بالأمة وتُذهِبَ ريحها وتستأصل شأفتها لولا عناية الله وحفظه لعباده المؤمنين، الذين ثبتوا حين زاغ الناس وصبروا حين لج الناس واستمسكوا بحبل الله المتين بينما تعلق الناس بحبال الهواء فتأرجحت بهم فكادت أن تودي بهم في وادٍ سحيق ولكن الله لطيف بعباده.

لحظات تعيشها أمتنا اليوم من مشرقها إلى مغربها، فأحوال المسلمين لا تسر صديقا ولا تغيظ عدوا، بل إن أخبارهم تُقطِعَ نياط القلب، وتُحول الدمع في العيون دماً، ظلمات بعضها فوق بعض يعيشها المسلمون إذا أخرج أحدنا يده لم يكد يراها.

تفرق وتمزق وتشرذم في غياب الحصن الحصين دولة الخلافة، تسلط وتجبر للكافر المستعمر في بلادنا، نهب وسلب لثرواتنا، تدمير للعقول وطمس للهوية، قتل وذبح حتى باتت شاشات التلفزة مصبوغة بلون دمنا المسفوح صباحاً ومساءً مع كل خبر عاجل ونقطة حوار ونشرة أخبار في الشام في العراق في فلسطين، في بورما ومصر واليمن، في ليبيا ونيجيريا وأفغانستان، على طول الخريطة وعرضها من مشرقها إلى مغربها.

في وسط هذا الغليان الذي يشبه ثورة البركان والذي يُنبئ باندثار خرائط وتضاريس وتشكل أخرى، وسقوط كيانات وقيام أخرى، ومن بؤرة صغيرة لا تكاد تذكر على الخارطة، لكنها ساخنة وملتهبة كفيلة بأن تفجر البركان وتشعل شرارة الفوران.

من غزة المكلومة والمحاصرة والمظلومة، غزة التي تغرق حتى شحمة أذنيها بالأزمات والمصائب، غزة التي تلاحقها الفتن في كل عام مرة أو مرتين، كلما نجت من فتنة تبعتها أخرى فكانت التي قبلها كنفجة، من غزة التي هذه حالها يقف شباب حزب التحرير بعزم يناطح الجبال وهمة تحلق في السحاب يرفعون رؤوسهم عالياً يبثون في الناس الأمل ويشحذون الهمم ويُعلون صوت الحق " إن الحكم إلا لله ".

إن الحكم إلا لله في دولة خلافة راشدة على منهاج النبوة، لا دولة علمانية مدنية، إن الحكم إلا لله الذي ألف بيننا وجمعنا على الإسلام فأصبحنا بنعمته إخواناً، بينما سكين الكافر المستعمر عاملٌ فينا يفرقنا ويمزقنا على أساس طائفي مذهبي، إن الحكم إلا لله حين نفتن عن الأرض المباركة فلسطين بالحصار تارة والقتل تارة أخرى لنخضع لحلول التصفية والتنازل عبر مشاريع الكافر المستعمر دولة واحدة أو دولتين.

إن الحكم إلا لله في كل شأنٍ من شؤون حياتنا صغيرها وكبيرها جليلها وحقيرها، فهي دعوة للعودة إلى المنابع الصافية والتزام الطريق لعل الله ينظر إلينا بعين الرضى والقبول فيكتب لنا نصره وتمكينه ويحقق فينا وعده " وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ".

13-4-2017

*خالد سعيد – عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في الأرض المباركة فلسطين