المقالات
 
الأستاذ علاء أبو صالحبقلم: علاء أبو صالح/عضو المكتب الاعلامي لحزب التحرير في فلسطين
لا يخفى على المتابع عمق الخصومة التي تكنّها مؤسسات الغرب النصرانية للإسلام وأهله، وبالرغم من دعوات الحوار الزائفة ومحاولة التقريب بين الأديان التي تتشدق بها المؤسسات الكنسية، إلا أن طابع الخصومة والحقد الدفين بقي هو العلامة المميزة والطابع الدائم لهذه العلاقة.
فبابا الفاتيكان الحالي بنديكتوس السادس عشر لم يخف ذلك عندما هاجم الإسلام واصفا اياه بالهمجية وهاجم نبي الرحمة عليه السلام في محاضرة له في جامعة ألمانية، كما أنه غمز ولمز في الإسلام في اجتماعه الأخير بأساقفة الشرق الأوسط بقوله "على ما يبدو ترتكب أعمال العنف باسم الله، لكنها في الواقع ديانات زائفة يجب كشفها"، وما أسماه بـ"سلطة الأيديولوجية الإرهابية"، كما أن فكرة حرق القرآن خرجت من رحم كنائس الغرب بالرغم من معارضتهم الظاهرية للفعل، وكثيرة هي الحوادث التي تعكس مدى ما تخفيه المؤسسات الكنسية الغربية من حقد وبغضاء تجاه المسلمين.
لقد نص المبدأ الرأسمالي على فصل الدين عن الدولة، وجعل في أبجدياته "دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله"، وبالرغم من خطأ هذا الأساس الذي قام عليه المبدأ الرأسمالي بجملته وتفصيلاته، إلا اننا نلاحظ استثمار الرأسماليين للدين النصراني دوماً في أية أحداث سياسية يكون طرفها الآخر هم المسلمون، وتبرز للعيان وكأن العلاقة أو الصراع قائم بين النصرانية والإسلام في هذه الحوادث، والحقيقة أنها بين الرأسمالية مسخِرة للنصرانية وحقد مؤسساتها على الإسلام من جهة وبين الإسلام من جهة أخرى.
وهذا ان دل على شيء فإنما يدل على حرص الرأسماليين على إذكاء جذوة الحقد الدفين الذي غرسته المؤسسات الكنسية الغربية ضد الإسلام وأهله.
لذا لم يكن غريباً أن يحشد الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش الأمريكيين والغرب خلف حربه على أفغانستان تحت مسمى الحرب الصليبية، ولم يكن غريباً أن يتم الكشف عن الكتب التبشيرية التي يروج لها الجيش الأمريكي في أفغانستان.
إن الحكومات الغربية لا تقيم وزناً لصالح الدين النصراني كما تتوهم الشعوب الغربية بل هي لا تعترف بالقيم الروحية أصلاً وان غضّت الطرف عنها، وإنما تهتم بمصالحها السياسية الاستعمارية، وما حرص الحكومات على نشر النصرانية سوى لاستغلالها كأداة لخدمة مخططاتها السياسية لا سيما تلك التي تستهدف العالم الإسلامي. والأمثلة على ذلك لازالت شاخصة في جنوب السودان وفي لبنان وفي نيجيريا.
لقد كانت المؤسسة الكنسية الغربية طوال العصور الغابرة أداة تُسخر لصالح السياسيين على اختلاف مسمياتهم، فكانت في العصور الوسطى أداة للإقطاعيين تشرع إجرامهم بحق الناس حتى عدّها البعض مكوناً من مكونات النظام الإقطاعي، واليوم تلعب الكنيسة نفس الدور لصالح الرأسماليين والسياسيين الفاسدين في كافة الدول الغربية وتروج لمشاريعهم الاستعمارية.
وها هو بابا الفاتيكان في سينودس الشرق الأوسط للأساقفة الكاثوليك المنعقد في الفاتيكان يشرع الوجود اليهودي على أرض فلسطين المغتصبة ويروج للمشروع الأمريكي مشروع حل الدولتين، ويقر بسيطرة يهود على القدس، وان دعا لتدويلها، خلافاً للعهدة العمرية، التي عاش النصارى في كنفها بحرية وتم استبعاد يهود منها بناء على طلبهم ذلك من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.
لقد عاش النصارى في كنف الخلافة الإسلامية على اختلاف عصورها عيشة كريمة، حفظت فيها الخلافة لهم حقوقهم الرعوية فكان لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وتركتهم وما يعتقدون وما يعبدون دون أية مضايقة، بل إن الرسول عليه السلام قد جعل أذيتهم جرماً وحرم أن تخفر ذمتهم، وأوجب الدفاع عنهم وأمر بحسن معاملتهم "ألا من ظلم معاهدا أو كلفه فوق طاقته أو أخذ شيئا بغير طيب نفس منه فأنا حجيجه يوم القيامة"، وبالرغم من أن الإسلام يدعو النصارى واليهود لاعتناق الإسلام باعتباره ناسخاً للأديان السابقة إلا أنه لا يجبر أحداً على اعتناقه بل يدعوهم لذلك بالحكمة والموعظة الحسنة.
ولقد شهد التاريخ دخول العديد من أهل الكتاب في الإسلام دون إكراه أو إجبار حتى إن الذين بقوا على دينهم قاتلوا الصليبيين جنباً إلى جنب المسلمين إدراكاً منهم لتسخير حكام أوروبا للكنيسة لصالح أطماعهم الاستعمارية وحفاظاً منهم على المجتمع الإسلامي الذي عاشوا فيه بكرامة واحترام.
إن الأجدر بنصارى الشرق ولا سيما نصارى فلسطين أن يرفضوا تسييسهم من خلال المؤسسات الكنسية وعلى رأسها الفاتيكان التي دأبت على خدمة المشاريع الاستعمارية للقوى الدولية، وأن يرفضوا أن يكونوا أداة بيد هؤلاء الرأسماليين المستعمرين، وأن يرفضوا زجهم في متاهات الصراعات الاستعمارية، وأن يناصروا سعي المسلمين لإقامة الخلافة التي تعيد تطبيق العهدة العمرية فيعيشوا في كنفها برغد واطمئنان.
24-10-2010م