المقالات

قضية فلسطين في ظل التغيرات الدولية والإقليمية والمحلية الجزء الأول

 

د. ابراهيم التميمي*

مع ذهاب إدارة دونالد ترامب ومجيء إدارة جو بايدن إلى البيت الأبيض ومضي ما يقرب من شهرين على تسلمها لمهامها، باتت الكثير من الأسئلة مطروحة ومتداولة بخصوص قضية فلسطين، أهمها مدى تأثير التغير الذي حصل واستلام جو بايدن على السياسة الخارجية الأمريكية بخصوص القضية خاصة وأن ترامب اتخذ خطوات عملية خلال فترة حكمه لتصفية القضية وفق صفقته المعلومة وأصبحت تلك الخطوات أمرا واقعا، وأبرز تلك الخطوات نقل السفارة إلى القدس والإعلان عن الاعتراف بضم الجولان لكيان يهود ورعاية اتفاقيات التطبيع بين كيان يهود والأنظمة القائمة في بلاد المسلمين، فما هو موقف بايدن من هذه الملفات خاصة في ظل الأزمات الداخلية الكثيرة؟ وهل سيعمل بايدن على وضع الملف الفلسطيني على الطاولة من جديد ويكمل السير وفق رؤية سياسية قديمة أو جديدة؟ وهل سيمارس ضغوطات حقيقية على كيان يهود لإبطال الخطوات التي اتخذها ترامب بعيداً عن مشروع الدولتين ضمن إطاره القديم؟ وكيف ينظر إلى تحرك السلطة والفصائل لإجراء الانتخابات بالتزامن مع وصول بايدن إلى الحكم؟ وما طبيعة التحرك المصري للإشراف على إتمام العملية الانتخابية؟ وما موقف كيان يهود من الانتخابات وهل يعمل على عرقلتها؟ وما هو الواقع السياسي لمشاركة أهل القدس في الانتخابات؟

 

وقبل الإجابة عن هذه الأسئلة لا بد من التذكير بأن أمريكا هي الدولة الأولى في العالم وأنه منذ سقوط الاتحاد السوفيتي المزاحم الحقيقي لأمريكا في ذلك الوقت وأمريكا تتعالى على العالم وتعتبر نفسها مالكته وقائدته بلا منازع وأنها المسؤولة عن قضايا العالم الكبرى ومنها قضية الشرق الأوسط التي تشكل قضية فلسطين الجزء الأبرز فيها وأن خروج هذه القضايا من يدها يعتبر سقوطا مدوياً وتراجعاً عالمياً وخسارة سياسية واقتصادية وعسكرية، ولذلك فهي لا تترك هذه القضايا تخرج من يدها ولا تسمح لغيرها بالتدخل فيها إلا وفق رغبتها وبالحجم الذي تريده، وهذا لا يعني عدم وجود تشويش عليها من أوروبا وخاصة بريطانيا من خلال ما تبقى لها من أدوات سياسية في المنطقة، ولكنه يبقى تشويشا لا يرقى لدرجة فرض المشاريع المستقلة ومعارضة المشاريع الأمريكية، وهذا الشعور الأمريكي بالسيطرة على العالم وعدم القبول بخروج القضايا العالمية الكبرى من يدها ما زال قائماً ومسيطراً خاصة في ظل الضعف الأوروبي وعدم وجود مزاحم حقيقي لها وكثرة الأدوات السياسية الأمريكية التي تم إيجادها عبر العقود الماضية.

 

هل سيعمل بايدن على وضع الملف الفلسطيني على الطاولة من جديد ويكمل السير وفق رؤية سياسية قديمة أو جديدة؟

 

وقبل الإجابة لا بد من الإشارة أن عدم وضع الملفات السياسية المتعلقة بالقضايا الكبرى ومنها قضية الشرق الأوسط على الطاولة لا يعني بحال أن أمريكا تركت تلك الملفات وتخلت عنها وأوجدت فراغا لمن يريد أن يشغله من الدول الكبرى لأن ذلك يعني سقوطها دولياً وتراجعها عالمياً، وإنما يعني أن هنالك أولويات للسياسة الأمريكية وأزمات وانشغالات تقتضي وضع بعض الملفات على الطاولة ووضع بعضها على الرف وإبقاءها على وضعها الحالي حتى تتفرغ لها، وهذا يكون في القضايا المعقدة والتي تتطلب أولوية وتركيزاً مثل قضية فلسطين، وبناء على ما سبق وما تعانيه أمريكا حاليا من أزمات داخلية وحالة الانقسام بين الشعب وكسر العظام بين السياسيين ووجود ملفات كبرى ترزح تحتها أمريكا وتتطلب انشغالاً واهتماماً كبيراً بها مثل ملف الشرق الأقصى فإنه من المتوقع أن تزاح قضية فلسطين عن الطاولة وأن تدار من إدارة بايدن وفق ما هو متاح لإدارة الملف دون تحرك جدي لتصفية القضية، ولذلك نرى أن بايدن في بيانه الأول من وزارة الخارجية لم يتطرق للقضية البتة وهذا على غير المعتاد، ووزير خارجيته بلينكن صرح أمام مجلس الشيوخ "الرئيس وأنا شخصياً نعتقد أن السبيل الوحيد لضمان مستقبل (إسرائيل) كدولة يهودية ديمقراطية مع إعطاء الفلسطينيين دولة يحق لهم بها، هو عبر حل الدولتين لكن واقعياً، أعتقد أنه سيكون من الصعب تحقيق أي شيء على هذا الصعيد في المدى القصير" ودعا الجانبين فوراً إلى "تجنب اتخاذ خطوات تزيد هذه العملية تعقيداً"، وكذلك كانت تصريحات بايدن سابقا عن استبعاده وجود حل للقضية في المدى المنظور.

 

وهذه الحالة قد تتغير في حالة نجاح إدارة بايدن خلال الفترة القادمة بالنهوض على قدميها من تحت الركام ومن بين الأزمات والضغوطات الداخلية وحل بعض الملفات والقضايا الخارجية، فعندها يمكن أن يتم إعادة تحريك ملف القضية بشكل جاد وفق المسار القديم لمشروع الدولتين والذي أكد عليه بايدن مراراً وتكراراً وليس وفق صفقة ترامب التي ذهبت بذهابه وذهاب إدارته.

 

موقف بايدن من الخطوات التي اتخذها ترامب بعيداً عن مشروع الدولتين ضمن مساره القديم وهل سيمارس ضغوطات حقيقية على كيان يهود لإبطال شيء منها؟

 

والمقصود بالخطوات نقل السفارة وضم الجولان واتفاقيات التطبيع، وسوف نتناولها بإيجاز:

 

نقل السفارة الأمريكية إلى القدس هو قرار اتخذه الكونغرس في عهد الرئيس الديمقراطي بيل كلينتون وكان القرار مجمدا ينتظر من يصادق عليه وهو ما فعله ترامب عام 2017، والقرار في حقيقته وشكله المبهم لا يتعارض مع مشروع الدولتين الأمريكي لأنه ينص على نقل السفارة إلى القدس دون تحديد، وغربي القدس هو جزء من القدس وجزء من كيان يهود وفق المشروع الأمريكي، ولذلك فإن قرار نقل السفارة بشكله العام غير المفصل يمكن ترجمته وفق الرغبة الأمريكية ووفق مشروع الدولتين بنسخته الكلاسيكية، ولذلك نجد مجلس الشيوخ بشقيه الديمقراطي والجمهوري صادق بتاريخ 5/2/2021 وبالإجماع على إبقاء السفارة بالقدس وذلك رغم ذهاب ترامب وقدوم بايدن ولم يعمل على نقده، ولذلك فإنه لا تغير لدى إدارة بايدن على قرار نقل السفارة ولكنها تريد جعل ذلك في سياق مشروع الدولتين وقضايا الحل النهائي وليس في سياق صفقة ترامب، وهو ما أكده وزير الخارجية بلينكن عند سؤاله من مذيع شبكة "سي إن إن" عن وضع شرقي القدس وما إذا كان يتخيلها الوزير كعاصمة لدولة فلسطين؟ فأجاب بلينكن: "ما يجب أن نراه يحدث هو أن تلتقي الأطراف مباشرة وتتفاوض بشأن ما يسمى بقضايا الوضع النهائي، هذا هو الهدف"، وذلك بعد أن أكد "أن القدس هي عاصمة (إسرائيل) حيث ستبقى السفارة"، ولذلك لا تغيير على هذا القرار ولكن بايدن سيجعله في سياق مشروع الدولتين.

ضم الجولان هو قرار اتخذه ترامب بتاريخ 25/3/2019 واعترف من خلاله بسيادة كيان يهود بالكامل على الجولان المحتل وذلك بعيداً عن السياسة التي كانت تتبعها الإدارات السابقة تجاه هذا الملف، وهذا القرار قد تجاوز الرؤية الأمريكية الكلاسيكية القائمة على أن ملف الجولان يجب أن يحل من خلال المفاوضات والاتفاق بين الطرفين وفق اتفاقية سلام ترعاها أمريكا على غرار اتفاقيه كامب ديفيد بين كيان يهود ومصر وليس بفرض أمر واقع، ولذلك نجد أن إدارة بايدن وعلى لسان وزير الخارجية بلينكن نقدت القرار وذلك خلال حديثه لشبكة "سي إن إن" الإخبارية ولكن بشكل دبلوماسي ناعم، حيث قال بلينكن إنه "من الناحية العملية، أعتقد أن السيطرة على الجولان في هذا الوضع تظل لها أهمية حقيقية لأمن (إسرائيل)... الأسئلة القانونية شيء آخر وبمرور الوقت إذا تغير الوضع في سوريا، فهذا شيء نبحثه، لكننا لسنا قريبين من ذلك بأي حال"، أي أن بايدن اختار نسف القرار بعدم الاعتراف به، وهذا بنظره يكفي خاصة أن قرار ترامب بخصوص الجولان لم يغير شيئا على أرض الواقع، فالجولان محتل منذ عام 1967 والسيطرة فيه بالكامل لكيان يهود الذي أعلن ضمه إليه عام 1981.

يتبع...

 

 *عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في الأرض المباركة فلسطين