
بقلم عابد ناصر الدين
كان آخر ظهور للثام الدولة في فرنسا، شاهدناه على وجوه شرطة فرنسا ودركها في الاحتجاجات التي بدأت طلابية ثم شعبية بعدما اتسعت، واللثام نفسه ظهر قبل ذلك في ألمانيا، وأمريكا قائدة العالم الحر لم تسلم منه، ظهر على وجوه عناصر وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك.
يبدو أن الدول ذات اللثام لا ترى فيه غضاضة او مطعنا أخلاقيا، فإعلامها لا يتردد في نشر صور الملثمين من الأجهزة الأمنية ورجال القمع، وحتى الإعلام العالمي كأنه لا ينتقد الوجوه الكالحة تحت اللثام، وتلك التي من دون لثام أيضا من السياسيين والمتنفذين وصناع اللباس القمعي.
ليس من شك في أنه عمل شائن يندى له جبين الدولة التي تحترم نفسها، وليس من شك أيضا أن نزول الدولة به إلى الشارع ينبّؤ بسيطرة اللثام على الدولة وراء كواليسها.
وعلى أي حال لست معنياً بالحديث عن البعد الأخلاقي في لباس الدولة فقط، لأن هناك ما هو أخطر في مجال قراءة واقع الدول ومصير العالم.
وتبدأ القصة من فهمنا لحقيقة كيان الدولة، إذ هو كيان تنفيذي لمجموعة المفاهيم والمقاييس والقناعات التي تتبناها مجموعة من الناس، وفي هذه الحالة فإن فكر الأمة هو الذي يسيّر الدولة: عندما يكون القمار سبباً مشروعاً لكسب المال في قتاعات الجماهير فإن الدولة تجيزه وتسمح بفتح الكازينوهات وصالات القمار، وعندما لا ترى الجماهير باسأ في العلاقة الجنسية خارج إطار الزواج فإنها تحمي هذه العلاقة… وهكذا، لذلك فليس المشرعون سوى نواب عن الأمة. ومن هنا يأتي ولاء الأمة للدولة وتأتي الحاضنة الجماهيرية التي تؤمن بالدولة وتكون داعمة لقراراتها مطمئنة في العيش تحت حكمها. ومن البديهي أن هذا النوع من الدول لم يعد موجوداً في منطقتنا بعد أن اجتاح الفكر الغربي بلادنا وسيطرعلى الحكم والاقتصاد وصار الناس يُحكمون بفكر غيرهم وقناعات غيرهم وتصورغيرهم عن الحياة.
هذا هو الموضوع، عندما تحمل الدولة فلسفة الناس للحياة حقيقةً وتطبقها ملتزمة بها بلا تضليل أو تدليس فلا تحتاج إلى التخفي واللثام، لأنها إنما تمثل الناس وتنفذ قناعاتهم.
أما إذا غيرت الدولة ما عندها أو غير الناس وصار فكر الناس وقناعاتهم مختلفة عن فكر الدولة وقناعاتها فإنها تكون قد خرجت من الوضع الإفتراضي للدولة إلى وضع اللثام. وهذا ما حصل في دول الغرب بعد حرب غزة، أدركت الجماهير أن ما تحمله من قناعات عن الإنسان وحقوقه ليست هي القناعات التي تحملها الدولة وتطبقها، وكانت الجماهير تتوقع من دولها وتتوسم فيها الوقوف إلى جانب جماهير غزة لاعتبارات إنسانية وهو الأمر الذي ناقضته مواقف الدول، وهنا فقدت الجماهير ثقتها بفلسفة الحكم وبالنظام الحاكم، وصارت الجماهير الغربية ترى أن دولها تستخدم المعاني الإنسانية وتستثمر بها أكثر من أنها تحملها على الحقيقة قناعات للحكم وللسياسة، وبدأت الدول الغربية تفقد حاضنتها الشعبية، ويبدو أن كثرة من مشاريعها وأهدافها وتصرفاتها لا حاضنة شعبية لها وهو الأمر الذي حملها على اللثام.
وإشارة مثل اللثام هي من إشارات زوال الملك، ليس هو في حد ذاته لكن لما له من دلالة على إلغاء المسافة الطبيعية بين الدولة والعصابة، الأمر الذي نتج عن الإنفصام بين الحاكم والمحكوم، وعدم اقتناع المحكوم بمنهج الحاكم ومسيرته.
التاريخ القديم والحديث مليء بتطبيقات بارزة للمعادلة المذكورة. فالسبب الذي أدى لانهيار الإتحاد السوفيتي كان فقدان الجماهير الثقة بنظام الحكم وفقدان الولاء تجاهه، ومع فقدان الحاضنة الشعبية لم يكن الإتحاد ليصمد أصلاً خلال تلك المدة التي عاشها لولا الحديد والنار، والإمبرطوريات التي سبقته لم يفتّ في عضدها غير فقدان ولاء الجماهير، والدولة الرومانية لم يُرْدِها غير ذلك، وهو ما يفسر تقييد الجنود البيزنطيين بالسلاسل في معركة اليرموك, والخلافة الاسلامية لم يطح بها غير فقدان ثقة المسلمين وقتها بنظام الحكم الاسلامي.
من المعروف أن الدول التي تصمد أمام تقلبات الظروف هي الدول التي تتلقى دعماً من الجماهير، وكلما كان الدعم أعلى كانت الدولة أقوى وأطول عمرا. وكلما كانت مساحة التشارك في القناعات بين الدولة والجماهير أوسع كانت الدولة أقدر على السير في تنفيذ خططها والوصول برعاياها من حسن إلى أحسن ومن عليّ إلى أعلى.
وعلى العكس عندما تتباين القناعات وتلجأ الدولة إلى اللثام فتنفذ قناعات مختلفة عن قناعات الجماهير، كما هو الحال في فرنسا ودول اوروبا، وكما هو متأصل في بلادنا وعند دولنا فإن الجماهير تفقد الثقة بفلسفة الحكم والنظام الحاكم، وهذا مبشر بسقوطها، سيان كانت الدولة من دول الشرق أو من دول الغرب.
27/10/2026






