maqal1221026

يستطيع "الحاسوب الكمي" إجراء عمليات حسابية أكثر سرعة بملايين المرات مما تستطيعه الكمبيوترات العادية، بحيث أن بعض العمليات الحسابية التي تحتاج إلى آلاف السنين من الكمبيوتر العادي قد تنجز في ثوان معدودة، وهو ما يفتح آفاقا يصعب تخيلها، خصوصا إذا أضيف إليه ما يجري من تنافس حاد وسباق محموم لتطوير نماذج الذكاء الصناعي، وهو ما بات ميدانا للتنافس في أودية التكنولوجيا للدول الكبرى،
غير بعيد عن ذلك ما يتم السعي إليه من امتلاك لصناعة الرقائق التي تشكل خلية أساسية لكل جهاز متطور، وكسر لاحتكار امتلاكها كما تفعل الصين،
وفي ألمانيا حيث المفاعل (فيندلشتاين 7-إكس) أكبر مفاعل نووي اندماجي في العالم، كما في الصين، والتي تعد رائدا عالميا في هذا المجال عبر مفاعلها الشهير (east)، وكذلك في أمريكا وفرنسا، تعمل تلك البلدان وباستثمارات بمليارات الدولارات على اختبارات لمفاعلات نووية بالاندماج النووي، تتولد عنها حرارة تبلغ مئة مليون درجة مئوية يتم فيها محاكاة للتفاعلات التي تجري في قلب الشمس، مما يولد طاقة هائلة جدا، وبما لا يقاس مع ما تولده المفاعلات النووية " العادية" بالانشطار النووي، وذلك لإنتاج طاقة نظيفة وغير محدودة تكون مستقبل الطاقة.
على صعيد آخر يجري سباق محموم آخر، في الخفاء وفي العلن في مجال البطاريات، وهو من أهم المجالات التي يجري فيها التنافس الصناعي الحالي، بين الصين وأمريكا، حيث باتت تطالعنا الأخبار عن بطاريات للسيارات صالحة للاستعمال لما يكفي لسير مليون ونصف ميل دون استبدال، وبطاريات نووية صغيرة الحجم كالتي أعلنت عنها شركة (بيتا فولت) بحجم قطعة نقدية والتي تستمر حتى خمسين عاما دون الحاجة لإعادة الشحن والصيانة،
ما ذكر ليس للحصر، وإنما هو للحديث عن نماذج، أو لنقل ملامح توجهات التقدم الصناعي والعلمي، حيث أبحاث النانوية والفيزياء النظرية وغيرها تنتقل إلى الناحية التطبيقية لتغير نمط كل شيء، وتنقل العالم معها إلى عصر جديد، في التكنولوجيا والاتصالات والطب والتسلح والتصنيع وما يندرج تحته، بل وفي كل مجال تقريبا، ولا نبالغ إن قلنا إن ما يجري عمليا هو عتبة لعصر جديد، وقفزة شبيهة بقفزة أوروبا الصناعية بعد عصر الآلة البخارية والثورة الصناعية، تنقل العالم إلى مرحلة أخرى متقدمة،
عندما قفزت أوروبا قفزتها الصناعية في القرن الثامن عشر أربكت تلك القفزة العالم الإسلامي والذي كان قد دخل مرحلة الوهن، حيث وقف مشدوها أمام جبروت الالة الأوروبية، لنعيش بعدها نحن المسلمين لاحقا فترة نعرف فيها ماذا يعني التقدم التكنولوجي للآخرين، أو لنذوق فيها بمعنى آخر طعم ويلات التخلف التكنولوجي عن الآخرين، حربا واستعمارا وتبعية.

المخيف في الأمر، ونحن نتكلم عن تلك العتبة التكنولوجية الجديدة، أننا لسنا مسبوقين بمرحلة، كما كان الحال إبان الثورة الصناعية، بل الحاصل أننا لم ندخل أصلا تلك المرحلة الصناعية إلا كزبائن مستهلكين، بينما القوى الكبرى تنتقل منها الآن إلى مرحلة جديدة مرعبة بالمعنى الحرفي.
أما الأكثر إخافة فهو أن هذه التكنولوجيا تنمو في أحضان الرأسمالية، أو لنقل العقلية المادية، وهي التي لم تتورع عن سحق الإنسان، ولن تتورع عن إدخاله في عصر عبودية جديدة وسيطرة أشد إحكاما، لا يستبعد أن يكون عصرا كما كانت تصوره العديد من أفلام الخيال العلمي، مدنا محصنة بأسوار ضخمة، تعيش فيها القلة، بينما تعيش بقية من البشر خارج أسوار المدنية.
وهنا يأتي السؤال الطبيعي والأهم؟ أين نحن المسلمون من هذا التطور؟ أين وَضَعَنا حكامنا من خريطة العلوم وميادين ذلك التنافس الوجودي؟
الإجابة ببساطة، أن هؤلاء لم يستثمروا يوما إلا في بقائهم، فأجرموا بشدة في حق شعوبهم، وليس الأمر فقط أنهم لم يبنوا لشعوبهم شيئا فيما مضى، فهذا واضح، ولكنهم صادروا مستقبلهم كذلك حين بددوا الثروات ودمروا التعليم، وطردوا الكفاءات، وربطوا أعناق الأجيال القادمة بديون ترزح تحتها لعقود، ووضعوها على هامش التقدم، بل خارج الدائرة.
ولم يكن الأمر يوما عند هؤلاء ناتجا عن ندرة، بل إن الحاصل في بلداننا هو الوفرة، وفرة في المال والرجال والكفاءات، التي لم يكن ينقصها إلا بيئة حاضنة فقط لم تتوفر لهم في بلدانهم، ولكنها توفرت لهم في بلدان الغرب فتميزوا وأبدعوا.
النماذج الرائدة المعاصرة تظهر بوضوح أن الأمر قبل أن يتعلق حتى بالعلم والكفاءة، كان يتعلق بالإرادة الحرة والمستقلة عن التبعية، والتي لا تتوفر لدى حكامنا العبيد، فالصين كانت في ستينات القرن المضي تعاني من المجاعة، وعندما بدأ تسعى للصناعة كانت تجمع الصلب حتى من أجراس الأديرة المهجورة والأواني المستعملة، ولكنها كانت حرة.
إن الأمر حقا خطير، لأنه وبينما تحلق القوى الكبرى إلى عصر جديد، نغرق نحن المسلمين انشغالا في تفاصيل الحياة المرهقة البائسة، إغراقا مقصودا ليبقى الإنكفاء والتخلف، وللإمعان يسمون الغرق في اليوميات "واقعية"، بينما التفكير في إخراج الأمة إلى حيز الفعل "طوباوية ومثالية"، والنتيجة الطبيعية لتلك الحالة هي قرن قادم إضافي من الذل والعبودية، وهو ما لا فكاك منه إلا بالتسامي بالأمة عن واقعها البائس، بفكر الإسلام العظيم الذي يقعدها في الذرى حيث يليق بها، رائدة في كل شيء كما كانت، شرطه فقط هو قيام دولة الإسلام على أنقاض هؤلاء المجرمين.


أ عبد الرحمن اللداوي

22/10/2026