في مشهد متكرر، لا يمكن لأهل فلسطين المسلمين أن يعتادوا عليه أو يستمرئوا ذله، يقوم الجيش اليهودي بحملة لجمع بصمات أهالي قرية عورتا-نابلس من سن 15 وحتى 40 عاما، حيث طلب عبر مكبرات الصوت من جميع المواطنين في القرية التوجه إلى ساحة المدرسة الأساسية في القرية لأخذ بصماتهم، وفي ذلك إشارة واضحة على فشل جهازهم الأمني حتى اللحظة في الوصول إلى دليل "يدين" الفلسطينيين بمقتل العائلة اليهودية في مستوطنة "ايتمار".
لم تقدم قيادات الأحزاب التي تتصدر الثورة في مصر على اختلاف توجهاتها ومسمياتها لغاية الآن على المساس أو الحديث عن القيادة المسلحة للبلاد بسوء أو مطالبتها بفك ارتباط مصر عن الاستعمار الغربي لإحداث التغيير الحقيقي، على الرغم من أنّ القاصي والداني يعلم أنّ طنطاوي وعنان وأمثالهما في الجيش هم من ثبتوا وحفظوا مبارك ونظامه لعقود مضت، وهم من يحفظون مصالح أمريكا وربيبتها دولة يهود في مصر والمنطقة لغاية الآن، فاتفاقية كامب ديفيد المخزية ما زالت قائمة، والجدار الآثم ما زال منصوبا أمام أهل غزة، واتفاقية الغاز المذلة بقيت على حالها، بل إنّ شركة الغاز EMG المصرية قد أبلغت أمس "إسرائيل" ...
على ما يبدو أنّ هناك الكثير من الحكام كحال السلطة الفلسطينية في التجديف عكس التيار، عكس تيار الأمة الإسلامية التي بدأت تنهض من كبوتها، معلنة انتهاء حقبة الذل والخضوع والهوان، ليبزغ بعدها فجر الخلافة الراشدة التي بشر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالأمة الإسلامية بدأت تحسم أمرها بأن لا رجوع إلى الخلف، ولا استمرار في عهد الحكام الطغاة الذين أذلوا الأمة وسخروا مقدراتها لخدمة أعدائها.
يبدو أنّ السلطة التي ترعرعت في أحضان النظام المصري البائد والأنظمة العربية التابعة قد ساءها أن تكسر الأمة قيود الذل وتخرج على حكام التبعية وتسعى للانعتاق من النفوذ الغربي الاستعماري، ويبدو أنّ الرعب بدأ يدب في قلوبها وهي ترى عبق الثورات العربية قد طغى على رائحة الحكام المنتنة، وترى كيف أنّ هذه الثورات بدأت تستأصل جذورهم المنبّتة وأغصانهم الذابلة.
في سياق انسلاخ السلطة الفلسطينية ورجالها عن الأمة وعن واقع الانتفاضات المباركة التي تجتاح البلدان العربية، والتي باتت تجسد وحدة الأمة الإسلامية وتطلعها للتخلص من ربقة النفوذ الاستعماري وتطلعها لتحرير فلسطين واستعادة مكانتها بين الأمم، تعيش السلطة حبيسة واقع وهمي افترضته لنفسها بعد أن ارتضت أن تكون أداة طيعة بيد الغرب والكيان اليهودي، واقعٍ خيالي تفترض فيه السلطة ورجالها أن فلسطين ملك يمنيهم يتاجرون بها متى وكيف يشاءون، واقعٍ ضيق الأفق بضيق قمقم السلطة صلاحياتٍ ونفوذ، تسول لهم فيه أنفسهم بالتنازل عن الأرض المباركة والاعتراف بالكيان اليهودي على أرض فلسطين، فتصبح حدود الأرض المباركة حدود عام 1967م!!.
الصفحة 48 من 201