لقد وصلت قوة جيش المسلمين في عهد الخلافة العثمانية أنه كان يقاتل الجيوش الصليبية الأوروبية بالجملة، حتى إنه في منتصف القرن الخامس عشر قد أنهى أحلامهم في إنشاء حلف عسكري أوروبي قادر على تهديد دولة الخلافة. أما حلف الناتو الذي استضافت تركيا قمته في عاصمتها أنقرة يومي 7 و8 تموز/يوليو الجاري فقد قام على عقيدة عسكرية صريحة وهي حماية أمن ومصالح أوروبا وأمريكا، والتي تشمل إبقاء تركيا تحت السيطرة، بل وزج جيشها في الحروب حيثما اقتضت مصلحتهم كما حصل في أفغانستان، ومنعه من التحرك كما حصل في قبرص.
ولذلك يكاد قلب المؤمن ينفطر حزنا وكمدا وهو يسمع رئيس تركيا يقول في الكلمة التي ألقاها خلال افتتاح الجلسة الرئيسية لقمة الناتو، المنعقدة في العاصمة أنقرة: "تركيا تمتلك أكبر جيش بري في أوروبا وتضع قدراتها في خدمة الناتو".
لقد كان لدى خلفاء المسلمين، لا سيما العثمانيين، قدر كبير من الحكمة والفطنة؛ فكانوا يحرصون على إفشال كل أشكال الأحلاف العسكرية والسياسية ضدهم. فهذا السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بقي يفشل التحالفات العسكرية الصليبية، بل حتى وهو في منفاه كان يقدم النصائح السياسية للسلطان ومن حوله لتفكيك التحالفات العسكرية من حول دولة الخلافة.
يقول الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "نحن قوم أعزَّنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزَّة في غيره أذلَّنا الله"، نعم كنا أعزاء وكانت ملوك الدنيا تهابنا وترجو رضانا، وكانت جيوشنا تقض مضاجع المستعمرين، ويخشانا كل متكبر جبار، فكنا أعزاء بديننا، أقوياء بإيماننا، نجوب العالم ننشر الإسلام رحمة وهداية، فلما هدمت خلافتنا بات حكامنا يرجون رضا الغرب وقادة الاستعمار، ويفاخرون باستضافة الأعداء وأحلاف العدوان على أرض المسلمين وعقر دارهم!
وتركيا اليوم بما تملكه من حب أهلها للإسلام وحب المسلمين لها، وبما لديها من الإمكانيات البشرية والثروات الطبيعية والقدرات العسكرية والموقع الجغرافي، قادرة على أن تعود إلى أمجاد الخلافة كسابق عهدها.
فبالأمس قال رئيس وزراء يهود نتنياهو، مستهينا من تركيا وقدراتها ومستقلا برئيسها: "إن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يتحدث عن رغبته في تدمير إسرائيل واستعادة السيطرة على القدس مجدداً، وأعتقد أنه نسي أن 400 عام من الحكم العثماني قد انتهت، واليوم توجد دولة إسرائيل قوية، فعليه أن يهدأ. لن نسمح لأي طرف بتهديد وجودنا أو أمننا، وأعتقد أننا أثبتنا ما نحن قادرون على فعله". فعدو الله نتنياهو يعرف سر قوة المسلمين، ويذكر أردوغان بأن ما كان مدعاة للتفاخر والقوة قد زال، وأن تركيا التي يرأسها أردوغان لم تعد كما كانت يوم كانت الخلافة قائمة.
إن العضوية في الناتو، هي خطيئة شرعية وسياسية، واستضافة قمته مدعاة للخجل، والتفاخر بوضع جيش المسلمين في تركيا وقدراته في خدمته نذالة. فما كان لمسلم أن يقاتل أو يدافع عن الكفر وأهله أو يجعل للكفار عليه سبيلا، قال تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
إن العمل الصحيح تجاه هكذا أحلاف هو تفكيكها وليس تقويتها وتعزيزها؛ لذلك فالواجب على المخلصين في تركيا، وخاصة في جيشها المغوار، أحفاد السلطانين محمد الفاتح وعبد الحميد الثاني أن يسارعوا إلى إعادة تركيا حاضرة للإسلام والمسلمين، وحصنا للدين ومنارة للعالم، بمبايعة خليفة راشد، يعيد لنا أمجادنا وماضينا التليد، ويهدم هذه الأحلاف الصليبية ودولها الاستعمارية.

المكتب الإعلامي المركزي
لحزب التحرير

10/07/2026