المقالات

أيها الثائرون ....  اقتلوا الآن "حل الدولتين"

وادفنوه تحت ركام القصف

بقلم: يوسف أبو زر

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في الأرض المباركة فلسطين

 

   لقد أرادوا محو الحقيقة، ومسخ الجيل بوعي زائف، أوشكوا -أو هكذا ظنوا -على إخراج جيل يرى أن فلسطين هي "الضفة" وشقها البعيد غزة، وأن جبهاتها حاجز "بيت إيل" في رام الله و"باب الزاوية" في الخليل، وحدودها هي حاجز "قلنديا" ومعبر "الجلمة".

 و فجأة ... وفي ليلة مباركة في شهر مبارك، وانطلاقا من الأقصى في القدس، يبدأ ذات الجيل يسمع بجبهة أخرى وتضيئ نقاطا جديدة للرباط ،... "شقيب السلام" و"طوبا الزنغرية"، الأولى في النقب والثانية بالقرب من طبريا، ويسمعون بـ "نحف " و "المشهد"، ثم حيفا ويافا وعكا والجليل واللد، كفر مندا وكفر كنا، وأم الفحم وغيرها، وفي درس فريد من دروس الجغرافيا  يدرك الكثير من الجيل أن فلسطين أوسع بكثير مما كانوا يظنون، وأن هؤلاء هم  أهل الأقصى وحراسه مثلما هي غزة والضفة والقدس، إنهم بقيتنا، إنهم منا، بل إنهم نحن بذاتنا، لقد حاول المستعمرون لفترة من الوقت أن يجعلونا ننكر أنفسنا، لكنهم خابوا وخسروا.

 ثم يزداد المشهد جمالا والبركة بركة من حدود الأردن ولبنان، تأتي الحشود ومعهم خلفهم ملايين من الأمة ينبضون بنبض واحد وقلب يخفق في الأقصى، لقد اجتهد الطغاة أن ينشؤوا بالتطبيع شعوبا جديدة، ولكن الحشود أتت لتقول أن الأرض المباركة لا تقسم وأن الجغرافيا الحالية هي "خيانة".

    أما هناك، وبينما العدوان على غزة يستعر ودماء الأطفال تسيل، فقد تلكأ المتحدث باسم البيت الأبيض واضطرب عند السؤال عن إدانة قتل الأطفال وعن حق الفلسطينيين بالدفاع عن النفس، ولكن البيت الأبيض لم يتردد أو يتلكأ في التأكيد على "حل الدولتين"، و مثلهم فعل حكام العرب والمسلمين - وهم المتآمرون الخاذلون الساكتون القاعدون عن نصرة غزة والقدس – في المسارعة إلى التأكيد على حل الدولتين. فما الذي يعنيه حل الدولتين؟ ولماذا  يصر الجميع من هؤلاء الأشرار على إخراج "حل الدولتين" من بين الركام وهم الذين تركوا الضحايا تحتها؟

والجواب ببساطة: إنه بالنسبة للأمريكان مشروعهم القديم، الذي يحفظون به كيان "يهود" ويحمونهم من رعونة أنفسهم، وهو في أساسه لم يوضع إلا لشرعنة كيان يهود وتأبيد احتلاله عندما بني على فكرة التقسيم وقراره المرفوض آنذاك.

وبالنسبة للحكام العرب إنما هو تصفية وإقفال لقضية لطالما كانت شوكة في جنوبهم، ولطالما قضّت مضاجعهم حين أظهرت جبنهم وكشفت تخاذلهم بل تآمرهم وأحرجتهم أمام شعوبهم.

  إن ما يسمى بحل الدولتين هو خديعة كبرى، و لم يكن يخطر بالبال أن يحولوه ويصوروه على أيدي قادة التفريط وحكام الخذلان إلى هدف صعب المنال ومطلب يستحق العناء. بينما هو في أصله شرعنة للظلم وتثبيت للمغتصب، وأحمق من يظن أنه هو الممكن السياسي أو أنه خطوة على الطريق، بل هو الخضوع السياسي والخطة لجعل التحرير الممكن مستحيلا، ولقد خبرنا الدول المصنعة غربيا وأمريكيا، والنماذج الفاشلة ماثلة.

 إنهم بهذا الحل يريدون وضع الجهاد والتضحيات في سياقهم، وتوجيه طوفان الدماء الزكية ليسقي غرسهم، حيث بدأوا بالتلويح وبالتصريح في الكلام عن حل الدولتين في هذه الأيام بالذات، ليلقموننا إياه على أنه الإنجاز من بعد النضال، وسبيل الخروج من تحت الركام و السلام ختام.

  إننا لا نريد "دولة فلسطينية" تكون ختم "الطابو" لتمليك الاحتلال بقية الأرض المباركة، لتؤبد كيانه وتحرس حدوده، فرام الله والخليل وخان يونس ليست بأولى بالتحرير من يافا واللد والناصرة، ومكانة وادي النسناس هي تماما  كحي الشيخ جراح، والجموع الثائرة في الداخل المحتل والحشود على سلك الحدود لم تأت لتثبيت الحل الأمريكي وترسيم خطوط تشرعن "الكيان الدخيل" بل جاءت لتمحوها، ولا أدري كيف سينظر في عيون أهل اللد ويافا وشباب النقب والجليل بعد الآن من يقبل بما يسمى بـ "حل الدولتين" وهو يسلمهم لعدوهم بعد أن أعلنوا المفاصلة مع الكيان الغاصب ورفضوا إلا الالتحام بأمتهم؟!

أيها الثائرون في الأرض المباركة:

  لو لم يكن من هبة الأقصى وبطولات غزة إلا بركة الحيوية التي دبت في الأمة جميعها، وعودة الثقة عندها بنفسها، وبقرب النصر وبإمكانية التحرير لكفى، فقد شاهد الناس كافة هشاشة الكيان الغاصب ووهنه، ولمسوا جبن الحكام وتآمرهم وأن بينهم وبين الشعوب بَيدا دونها بَيدُ، ورأينا جميعا أمة متحفزة جديرة بالرهان عليها عند خلاصها من حكامها،  كما رأينا طليعة من المجاهدين بالرغم من أنهم "كتيبة محاصرة"  إلا أنهم أقاموا الحجة على الجيوش الطليقة عندما  فتحوا في جدار العدو ثغرا وكشفوا منه ذلا وجبنا.

 ولذلك فإنه  ينبغي وضع الأمور في سياقها الصحيح، سياق الأمة وعقيدتها ومصالحها ومشروعها، والحيلولة دون أن تبني أمريكا - وأشياعها من الأنظمة الإنتهازية بحجة الوساطة- على التضحيات مشروعاتها للتسوية، أو أن  يقطفوا من الدماء الزكية ثمرة، وإن الفرصة الآن سانحة، في أن نفشل مشاريعهم ونربك حساباتهم فيما يخططون له ويروجون من "حل للدولتين" واستباقهم بالإعلان الصارخ أن الأرض المباركة فلسطين كل لا يقبل التقسيم وعضو يرفض أن يبتر من أمته، وأن نبقيها بؤرة التثوير في الأمة حتى يأذن الله بالتحرير (وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا).