المقالات

قوانين الأفاعي!

بقلم: يوسف أبو زر


  يُحكى أنه خلال فترة الاحتلال البريطاني للهند، واجه المحتلون الإنجليز مشكلة انتشار أفاعي الكوبرا القاتلة في شوارع دلهي، فعمدت الحكومة البريطانية المحتلة آنذاك إلى إصدار قرار يقضي بإعطاء مكافأة مالية لكل من يُحضِر أفعى كوبرا مقتولة من المواطنين الهنود، وذلك كحيلة ذكية للقضاء على الأفاعي، وبعد فترة فوجئ البريطانيون بأن المواطنين الهنود لجأوا إلى تربية الأفاعي وتكثيرها في البيوت للحصول على المكافآت، وعندما انتبهت الحكومة لذلك أوقفت قرار المكافآت فورا،  فما كان من المواطنين الهنود إلا أن ألقوا بما كان لديهم من الأفاعي فعادت إلى الشوارع مرة أخرى ولكن بأعداد هائلة.
من وحي القصة أعلاه، ظهر مصطلح عُرف في مجال الإدارة والسياسة بـ"تأثير الكوبرا"، ويقصد به عندما يوضع للمشكلات حلاً فيزيدها سوءا، وهذه من سمات تشريعات البشر، في الأغلب منها، لقلة الإحاطة والعجز عن تقدير العواقب، ولعل من تلك الأمثلة ما يجري تداوله والعمل عليه في الفترة الأخيرة من محاولات لفرض قوانين في الجانب الاجتماعي والأسري، من مثل اتفاقية "سيداو" التي يجري العمل على تفعيلها لتكون أساسا للقوانين ذات الشأن وكذلك ما يسمى بـ"قانون حماية الأسرة"، ومما يجري الإعداد له من قانون "الملكية المشتركة داخل مؤسسة الزواج".
لقد عمدت مؤسسات نسوية، ومن خلفها جهات أجنبية، إلى طرح قوانين تتعلق بالمرأة والأسرة، ولتبرير تلك القوانين عمدت تلك المؤسسات إلى "تنميط" كل حادثة تكون ضحيتها امرأة، وإلى صناعة "الظاهرة" حتى لو لم تكن ظاهرة في مسألة العنف ضد النساء وداخل الأسر، و لو أدى ذلك إلى تشويه صورة المجتمع بما ليس فيه إلا شذوذا، ولكن السؤال هل أن هذه القوانين تحد فعلا من الظلم والعنف وتحمي المرأة أم أنها تزيد الطين بلة؟
إن هذه القوانين التي يُراد إحلالها محل قوانين "الأحوال الشخصية"، وكذلك إحلال ما يرافقها من مفاهيم غربية  مكان ما تبقى من مفاهيم إسلامية إنما تؤدي في الدرجة الأولى إلى إزالة شبكة الأمان وتمزيق النسيج الذي طالما شكل درعا للمرأة، إذ أنه لطالما كان مجموع القيم والأحكام والمفاهيم الإسلامية هو الدرع الحامي لها، تلك المفاهيم التي قضت بأن المرأة عرض يجب أن يصان ودون ذلك الأنفس والأرواح،  وأنه "ما أكرمها إلا كريم"، وأن "القوامة" هي واجب على الرجل وحق للمرأة ليكفيها حاجاتها ويرعى شؤونها ويقوم على أمورها، فيكفيها عناء الحياة القاسية التي لا تليق بأنوثتها، فكانت القوامة هي عنوان الرجولة ودونها لا رجولة.
  لقد جعل الله للمرأة في شرعه حقا ورعاية، فكان لها منظومة من الحقوق شرعها الحكيم العدل الخبير، بدأت منذ ولادتها حين نعى الله على من يكره البشارة بالأنثى سوء فعله، مرورا بحسن تربية أبيها وصلة رحم أخيها والمعاشرة بالمعروف من زوجها وانتهاءً إلى أعظم البر في كبرها، وأوصى بأداء حقها فيما فرض لها من مال وميراث وجعل لها ذمة في المال مستقلة، وجعلها مكرمة في كل شيء حتى كان قذفها في عرضها من الموبقات ونظرة السوء إليها من المحرمات.
وقد كانت أحكام الله تعالى ضوابط للرجل والمرأة لصيانة العلاقة بينهما، ولم تكن هذه الضوابط ذكورية ولا أنثوية، وإنما هي ضوابط شرعية و"حدود إلهية" ينتج عن التفريط فيها تجاوز وظلم لا تحمد عقباه (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).
ثم تأتي هذه القوانين ومعها ثقافة جديدة غربية غريبة، تنزع من الرجل القوامة وتعمد إلى كسر العلاقة التكاملية بمفاهيم "الاستقلال" و"التمكين" و"إلغاء التمييز" مع ما يتطلبه ذلك من زيادة في "الحريات" وزيادة في "جرعة الجرأة" لدى المرأة، مما يجعل المرأة فردا في مواجهة الحياة، ولا شك أن هذه البيئة الجديدة مثلما تنزع غطاء الرجل عن المرأة فإنها تزيد من نسبة الجريمة ضد النساء، وذلك إما من غريب عابث أو من قريب جاهل لدرجة الجاهلية، فالمرأة يحميها الرجل أبا كان أو زوجا أو أخا أو حتى أجبني عنها يراعي فيها مروءة الرجال وتقوى الله،  والأصل فيها أن يحميها الرجل لا أن تحميها القوانين من الرجل، والأطفال في الأسرة يحميهم الأب قبل أن تحميهم القوانين من الأب كما تسعى هذه القوانين وتؤلب، هذه هي الفطرة السليمة، واذا صار عدو المرأة هو الرجل فلن تغني عنها تلك القوانين شيئا، و ما أمر الغرب وإحصاءاته المروعة رغم قوانينه عنا ببعيد.
نعم لقد وجد دائما من يشذ من الرجال تجاه المرأة والأسرة بعنف أو بظلم أو بجهل، وهو خلاف الأصل في مجتمعاتنا، ولكن هؤلاء قد شذوا أولا عن المفاهيم الإسلامية التي حمت المرأة والأعراف التي اقتضتها، وهم شذوا عنها وليس بسببها كما تحاول الدعاية  النسوية ذات المحتوى الأجنبي تصويره، وهذا الشذوذ العنيف تجاه المرأة إن ازداد أو صار مرشحا للازدياد فإنما ذلك لأن الغرب يسعى بكل ما أوتي من قوة ومال لضرب الأمة في عقيدتها ومفاهيمها رجالا ونساء، فكان الأصل في العلاج هو تعزيز تلك القيم الإسلامية لا إضعافها وتقويتها لا تفكيك المتبقي منها كما تسعى له تلك القوانين ذات المحتوى الغربي.
أمر آخر هو أنه من الحمق والسذاجة أن يظن ظان أن القوانين، وخاصة قوانين العقوبات الوضعية كما يفعل مروجوها، يمكن أن تنتج علاجا للجريمة دون معالجة الظروف والبيئة التي تنتج الجريمة، فعشرات القوانين مثلا عن عمالة الأطفال لن تحل المشكلة ما دامت أسر الأطفال لا تجد طعامها، وعشرات القوانين عن فقر المرأة لن تغنيها ما دامت الأسر التي تنتمي لها النساء أصلا فقيرة وهكذا، والأكثر فظاعة من كل ذلك عندما يكون القانون نفسه هو من يحطم مناعة المجتمع ويغذي بيئة الجريمة من خلال العبث بموقع الرجل ومكانه في أهله بحجة قلة مجرمة وأفعال مستنكرة مدانة من كل رجل سوي، فهذا بمثابة من يسكب البنزين على الحريق.
على أنه ينبغي أن يُعلم أنه قبل طرح وتطبيق أي قانون لا بد أن يكون هذا القانون أولاً منسجما مع عقيدة الأمة ومفاهيمها لا غريبا عنها مناقضا لها، وإلاّ لفظته الناس ولا يطبق حينها إلا بالجبر والإكراه أو بالمسخ الثقافي، والأمر الثاني هو أن تطبقه سلطة لها حزم في التطبيق ونزاهة، والحاصل في فلسطين هو على العكس من ذلك تماما، قوانين مرفوضة من الناس وسلطة هزيلة فاسدة لا نزاهة فيها ولا مصداقية لتطبيق قانون بشري أو شرع الهي، حتى عمت الفوضى وانتشرت الجريمة رغم وجود القوانين، ولذلك كان طرح قوانين من مثل القوانين السالفة الذكر إنما هي وصفة لتخريب المجتمعات بالتحريض لا أكثر ودون ضمان لأية حماية أو رادع كما حصل في بعض الحالات منذ فترة قريبة.
وأخيرا، فإن حالات التعدي الأسري التي تقع وإن كان لا يقرها شرع الله ولا تقرها الفطرة السليمة، إلا أنها ليست بحاجة إلى استحداث قوانين تزيد الطين بلة، وإنما هي بحاجة إلى تقوية المجتمع صلته بالله أولاً ووجود حكم رادع  وسلطان عادل حازم، وإن شريعة الله التامة ودينه الكامل ليسا بحاجة لشيء من خارجهما، فما لم يكن من النص مباشرة كان من الشرع اجتهادا، ومن كان يرى أن شريعة الله لن تنصفه فلا انتصف، بل وينطبق عليه قول الله تعالى (أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ ۚ بَلْ أُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). وإلى أن يقضي الله لهذه الأمة بإقامة حكم الإسلام في دولة الإسلام، فلا أقل من أن يحرص المسلمون على صد هجمة الغرب ومؤسساته العابثة ووقف الانحدار والتمسك بما تبقى من أحكام شرعية لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا.
18/10/2020