الرئيسية - للبحث

جريدة الراية: مؤتمر باريس للسلام... سرابٌ يحسبه المفاوضون ماءً!

علاء أبو صالح*

في مسعىً لإحياء مفاوضات السلام المتعثرة بين السلطة الفلسطينية وكيان يهود، عُقد في الخامس عشر من الشهر الجاري مؤتمر دولي للسلام في باريس، حضره ممثلون عن سبعين دولة وخمس منظمات أممية، هي الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي واللجنة الرباعية والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي، ودون حضور السلطة وكيان يهود جراء رفض رئيس وزراء يهود حضور المؤتمر، فيما تم تأجيل لقاء الرئيس الفرنسي برئيس السلطة إلى ما بعد أسبوعين.  

جاء هذا المؤتمر استكمالاً لاجتماع باريس التمهيدي الذي عقد في حزيران العام الماضي وحضره ممثلون عن 25 دولة بمشاركة أمريكية أوروبية وعربية دون حضور الطرف الفلسطيني أو اليهودي.  

وتضمن البيان الختامي للمؤتمر، والذي عدّلت مسودته سبع مرات، الاعتراف بحدود الرابع من حزيران/يونيو 1967 بما فيها القدس الشرقية كحدود للدولة الفلسطينية، واعتبار حل الدولتين حلاً غير قابل للنقاش. وأكد البيان على القرارات الدولية بما فيها قرار مجلس الأمن الدولي رقم ٢٣٣٤ الخاص بعدم شرعية الاستيطان، إضافة إلى ما جاء في خطاب وزير الخارجية الأمريكي جون كيري وعدم فرض الحل على الأطراف المتنازعة، ومطالبة الفلسطينيين ويهود بنبذ العنف والتأكيد على أن أمن كيان يهود لن يتحقق إلا بأمن الدولة الفلسطينية. كما تمخض المؤتمر عن اعتماد ثلاثة فرق عمل، وهي مجموعة العمل المتعلقة بمحفزات عملية السلام ويشرف عليها الاتحاد الأوروبي، ومجموعة المجتمع المدني التي تشرف عليها السويد الرامية لعقد منتديات بين منظمات المجتمع المدني من كلا الطرفين، والمجموعة الأخيرة الخاصة بالحوكمة وبناء مؤسسات الدولة الفلسطينية وتترأسها ألمانيا.  

ولفهم أهداف المؤتمر والغرض منه ومعرفة نتائجه الفعلية وآثاره على الأرض نذكر الأمور التالية:  

أولاً: يُعد المؤتمر محاولة أوروبية للبحث عن دور في ملف القضية الفلسطينية بعد أن استأثرت بإدارته أمريكا تحريكاً وتجميداً، فأوروبا تبحث لها ولعملائها في المنطقة عن موطئ قدم لا سيما في ظل المرحلة الانتقالية التي تعيشها الإدارة الأمريكية، ومع ظهور ملامح تهميش للدور الأوروبي في المنطقة والعالم من قبل الإدارة الأمريكية القادمة، ولعل تصريح وزير الخارجية الفرنسي جان مارك إيرولت، بأن نقل ترامب لسفارة بلاده إلى القدس يمثل استفزازاً له عواقب خطيرة، مؤشر على طبيعة العلاقة المتوقعة بين الإدارة الأمريكية الجديدة وأوروبا.  

ثانياً: من أهداف المؤتمر الرئيسية والمعلنة هو الحفاظ على مشروع حل الدولتين "الأمريكي" الذي بات محل اتفاق أمريكي أوروبي من حيث المبدأ، وهو نفس الهدف الذي يقف خلف تمرير أمريكا لقرار مجلس الأمن 2334، وهو ما انعكس في إقرار البيان الختامي للقرار المذكور ولخطاب كيري الأخير. وتأكيداً على هذه الغاية فقد صرح الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند بالقول "إن الهدف من المؤتمر هو تجديد التأكيد على دعم المجتمع الدولي لحل الدولتين وضمان أن يبقى مرجعا". وأضاف "يمكنني ملاحظة أن هذا (حل الدولتين) ضعف على الأرض وفي الأذهان. إذا سمحنا له بأن يتوارى فسيمثل هذا خطرا على الأمن (الإسرائيلي) الذي نحن متمسكون به بقوة".  

ثالثاً: يسعى كيان يهود، ورئيس وزرائه بنيامين نتنياهو على وجه الخصوص، إلى استغلال التغيرات التي تشهدها المنطقة لإنهاء مشروع حل الدولتين ميدانياً، وهو ما يفسر رفضه حضور المؤتمر الذي وصفه بالعبثي وعدّه خدعة فلسطينية برعاية فرنسية ودعا إلى إجراء مفاوضات مباشرة بين الطرفين.  

رابعاً: من الجدير بالذكر أن المؤتمر يقوم على فكرة المبادرة الفرنسية التي أطلقها وزير الخارجية الفرنسي السابق لوران فابيوس في حزيران/يونيو عام 2015، والتي أفرغتها الإدارة الأمريكية من مضمونها آنذاك وعطلت استصدار ما كان يعرف بمشروع القرار الفرنسي-العربي، وهذه المبادرة مبنية على المبادرة العربية للسلام بل سقفها أكثر انخفاضا منها، وتتضمن جرائم بخصوص اللاجئين والقدس والتطبيع ومشاركة طرف ثالث (قوات احتلال دولية)، بما يمثل وصمة عار لكل من يرى في بيان المؤتمر وفكرته وانعقاده إنجازاً

خامساً: ساوى المؤتمر بين الضحية والجلاد، فهو دعا إلى نبذ العنف من الطرفين، وضمنياً عدّ الجهاد والمقاومة والكفاح لتحرير فلسطين عنفاً يجب أن يتوقف وخطيئة تاريخية يجب التكفير عنها!.

سادساً: أكد المؤتمر على أمن كيان يهود واحتلاله موقعاً متصدرا في سلم اهتمامات المؤتمرين والتأكيد على أن الدولة الفلسطينية ستكون راعية وحامية لهذا الأمن، وجسراً للتطبيع مع المحتل، وهو ما يكشف عن طبيعة هذه الدولة التي ينادي بها المرتمون في أحضان أمريكا وأوروبا.  

سابعاً: أما عن آثار المؤتمر على الأرض فمن الراجح أن لا يكون له أي تأثير في الوقت الراهن، فهو لا يعدو تحريكاً للمياه الآسنة، وكل آمال المتعلقين بقشة المفاوضات سرعان ما تتلاشى ويعودون صفر اليدين. وفي هذا السياق صرح الرئيس الفرنسي بالقول "أنا واقعي بشأن ما يمكن أن يحققه المؤتمر. لن يتحقق السلام إلا من خلال (الإسرائيليين) والفلسطينيين... لا أحد غيرهم. المفاوضات المباشرة فقط هي ما يمكن أن ينجح". ومما يؤكد ذلك أيضا محتوى المكالمة الهاتفية التي أجراها كيري مع نتنياهو قبيل إلقائه كلمته في المؤتمر والتي وعده فيها بأن لا يكون لمؤتمر باريس خطوات تكميلية في مجلس الأمن.  

مما تقدم يتبين أن اللاهثين خلف السلام المزعوم مع كيان يهود المحتل إنما يلهثون خلف سراب، والمتعلقون بحبال أمريكا وأوروبا والأمم المتحدة إنما يتعلقون بحبال الشيطان ويعيدون إنتاج الفشل ويبيعون للناس الوهم ويبادلون تضحياتهم ومعاناتهم بحبر على ورق الأمم المتحدة أو ببيان دولي هزيل لا يسمن ولا يغني من جوع، وهم بذلك قد ارتكبوا إثماً عظيماً، وباتوا - من هوانهم - يعدّون اعتراف الدول الاستعمارية بحدود دويلة هزيلة على ما يقرب من خُمس فلسطين المحتلة إنجازاً، وأصبحوا - جراء تبعيتهم - يروجون للتطبيع مع هذا الكيان الغاصب، ويرون - لانسلاخهم عن ثقافة الأمة وتطلعاتها - في الجهاد والمقاومة والكفاح لتحرير فلسطين عنفاً يجب نبذه، ويرون في العدو الغاشم، المدنس لمسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، صديقاً حميماً يسهرون على حمايته، في مشهد ذلٍ قلما يتكرر نظيره في القرن مرة أو مرتين!  

وإزاء ذلك كله تبقى الحقيقة الراسخة أن فلسطين التي احتلها يهود بإراقة الدماء، لن تعيدها دبلوماسية التنازلات في أروقة المؤتمرات، بل تحررها العساكر على الجبهات.  

 

*عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في فلسطين

المصدر: جريدة الراية