الرئيسية - للبحث

 

الإعلام والإعلاميون.. ولاء لله وبراءة من أعدائه أم أقلام مأجورة لهولاكو وأمثاله؟!

 

الدكتور مصعب أبو عرقوب*

عن الوعي

"بسم إله السماء الواجب حقه، الذي ملكنا أرضه، وسلطنا على خلقه... الذي يعلم به الملك المظفر الذي هو من جنس "المماليك"...صاحب مصر وأعمالها، وسائر أمرائها وجندها وكتابها وعمالها، وباديها وحاضرها، وأكابرها وأصاغرها... أنّا جند الله في أرضه، خلقنا من سخطه، وسلطنا على من حل به غيظه... فلكم بجميع الأمصار معتبر، وعن عزمنا مزدجر...فاتعظوا بغيركم، وسلّموا إلينا أمركم...قبل أن ينكشف الغطاء، ويعود عليكم الخطأ...فنحن ما نرحم من بكى، ولا نَرِقُّ لمن اشتكى...فتحنا البلاد، وطهرنا الأرض من الفساد... فعليكم بالهرب، وعلينا بالطلب... فأي أرض تأويكم؟ وأي بلاد تحميكم؟ وأي ذلك ترى؟ ولنا الماء والثرى؟ فما لكم من سيوفنا خلاص، ولا من أيدينا مناص، فخيولنا سوابق، وسيوفنا صواعق، ورماحنا خوارق، وسهامنا لواحق.. وقلوبنا كالجبال، وعديدنا كالرمال! فالحصون لدينا لا تمنع، والجيوش لقتالنا لا تنفع، ودعاؤكم علينا لا يسمع! لأنكم أكلتم الحرام، وتعاظمتم عن رد السلام، وخنتم الأيمان، وفشا فيكم العقوق والعصيان؛ فأبشروا بالمذلة والهوان (فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُون) (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) وقد ثبت أن نحن الكفرة وأنتم الفجرة... وقد سلطنا عليكم من بيده الأمور المدبَّرة، والأحكام المقدَّرة...فكثيركم عندنا قليل، وعزيزكم لدينا ذليل، وبغير المذلة ما لملوككم عنا من سبيل... فلا تطيلوا الخطاب، وأسرعوا رد الجواب... قبل أن تضطرم الحرب نارها، وتوري شرارها... فلا تجدون منا جاهًا ولا عزًا، ولا كتابًا ولا حرزًا، إذ أزتكم رماحنا أزًّا. وتدهون منا بأعظم داهية، وتصبح بلادكم منكم خالية، وعلى عروشها خاوية... فقد أنصفناكم، إذ أرسلنا إليكم، ومننَّا برسلنا عليكم"

كانت تلك رسالة رهيبة أرسلها هولاكو للسلطان المظفر قطز، وقيل إنها أرسلت لأهل الشام، رسالة تبث الرعب والرهبة إن لم يكن المتلقي متصلًا بالله، لكن اللافت في الأمر صياغتها وجزالة ألفاظها وتصويرها الفني الدقيق الذي لا يمكن أن يصدر إلا عن عربي يتذوق العربية ويتنفس مفرداتها ليل نهار، ويعيش معانيها العميقة في كل حرف يطلقه... فالكاتب لا ريب عربي خائن، إعلامي متمرس في الحرب النفسية، عميل باع نفسه للآلة الإعلامية لجيش هولاكو الذي عاث فسادًا في بلاد المسلمين...

قدَّم ذلك الإعلامي وأمثاله في جيش هولاكو خدمات عظيمة للمغول الغزاة مهدت الطريق أمامهم لاحتلال بلاد المسلمين وقتلهم وحرق مدنهم وهتك أعراضهم والنيل من عواصمهم وحواضرهم بل ومن عزيمتهم أمام جيوش المغول التي رسم لها الإعلاميون العملاء من أمثال كاتب تلك الرسالة الرهيبة أساطير وأخبار وبطولات ساهمت في بث الهلع والخوف في نفوس العوام من المسلمين، وأربكت صفوفهم قبل أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا، وتحرر بلاد المسلمين منهم، ويريح المسلمون العالم من شرورهم بعد معركة عين جالوت التاريخية التي وضعت حدًا لأحلامهم، وأعادت لأمة الإسلام مجدها وهيبتها المعهودة.

واليوم لا يختلف الأمر كثيرًا. فجيوش الغرب المستعمر التي تجتاح بلادنا يرافقها إعلاميون باعوا أنفسهم للشيطان، وأصبحوا أداة في يد جيوش هولاكو الجديدة، يبعثون بالرسائل الإعلامية المرعبة ليل نهار لأمة الإسلام، ولا يتورعون عن كتابة النصوص الرهيبة التي لا تقل أثرًا عن تلك الرسالة التي أرسلها هولاكو للمسلمين، لتصاغ بأشكال حَداثية ومؤثرات تقنية يكاد القلب يقف لشدة تأثيرها على المتلقي لتلك الرسائل الفظيعة اليومية.

ولا تقف الرسائل الإعلامية اليومية عند حد التهديد والوعيد والترهيب من قوة الأعداء وحشودهم، بل تتعدها إلى رسائل فكرية تحاول شق طريقها نحو عقول المسلمين مهاجمة ثقافتهم وعقيدتهم وصبرهم وأملهم في التحرر والانعتاق من كل تبعية للكافر المستعمر، هنا لا بد من الوقوف على بعض الأمثلة التي قد ترسم صورة لذلك الجهد الإعلامي الذي يقوم به «اعلاميو هولاكو وأمثاله» في العصر الحديث من خلال إرسال الرسائل الإعلامية التالية:

1-جيوش الأمة خارج المعادلة، وما تملكه الأمة في المعركة شباب أغرار بسيارات دفع رباعي:

يتم تصوير الأحلاف العسكرية التي تعقد ضد الأمة الإسلامية، وكأن العالم قد اجتمع على حرب المسلمين، وأن الأمة الإسلامية لا حول ولا قوة لها، وأن الذي يقف أمام تلك الجيوش والطائرات هم شباب لا خبرة لهم ولا طاقة لهم بحاملات الطائرات والطائرات والصواريخ الموجهة والأقمار الصناعية وغيرها من وسائل الحرب... ويستثنى من هذا الخطاب البعد العَقَدي للأمة، كما يستثنى الحديث عن جيوش الأمة الإسلامية وإمكاناتها، وتضع تلك الجيوش دومًا في خانة الحكام، بل في خانة الأحلاف الصليبية المعلنة ضد الأمة الإسلامية، ويتعامل مع ذلك على أنه حقيقة لا جدال فيها، وأن جيوش الأمة قد حسم الأمر فيها لتكون خانعة مطيعة للقادة العملاء، وقد أحدث ذلك التعاطي مع جيوش الأمة واستثنائها عند الحديث عن الوقوف أمام الهجمة على الأمة الإسلامية إلى ترسيخ فكرة أن جيوش الأمة ليست منها، عند بعض العوام وأصحاب الفكر السطحي الذين لم يقرؤوا التاريخ ولم يعرفوا حقيقة معدن هذه الأمة التي قد تضعف ولكنها لا تموت... لم يعرفوا أن جيوشها ستنعتق لا محالة، وستلتحق بركب الأمة، وتنشق عن حكامها الخونة، وتنحاز لأمتها لتعيد الخلافة التي بشر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

2-الأمة الإسلامية مهزومة ولا تقوى على الرد:

تبث يوميًا مئات الصور والتقارير الإخبارية والمقالات التي تصور القتل والقصف والتدمير الذي لحق بحواضر المسلمين مما يخلق تصورًا أن هذه الأمة قد انتهت، ولا أمل في المقامة... فقد انتهى كل شيء، وسقطت بغداد والشام واليمن مصر وليبيا وغيرها من بلاد المسلمين في دائرة من الدمار مغلقة لا فكاك منها، في معاندة واضحة للحقائق التاريخية التي لا تقيم وزنًا لدمار الأبنية وزوال المدن، والتي تقوم على معادلة أنه مادامت عقيدة الأمة وفكرها العريق وإسلامها الثوري متجذرًا فيها فإنها لا شك ناهضة، ولا مجال إلا أن تنتصر بإسلامها على كل فكر رأسمالي مهزوم لا يقوى على أن يحشد البشر إلا بالقوة والمال في مواجهة إسلام يقدم فيه المسلم حياته رخيصة في سبيل الله... فالأمة الإسلامية أمة حية ستستعيد سلطانها في القريب العاجل بعون الله، وما تكالب الأوباش وشذاذ الآفاق عليها إلا لشعورهم بقرب عودة الأمة الإسلامية إلى الساحة الدولية كأمة عملاقة لا يمكن لأحد الوقوف أمامها كما كان ذلك تاريخيًا.

3-شباب الأمة يفرون من المواجهة ويهاجرون بحثًا عن الحياة وبلادهم تطردهم والغرب يستقبلهم

لا تكاد تخلو نشرة إخبارية أو صحيفة من مقال أو خبر أو صورة عن مئات المهاجرين الذين يعبرون الحدود هربًا من بطش الحكام ومن آلة الحرب المجرمة التي يدعمها ويقودها في بلادنا، وتصور الجموع على أنها تسعى وراء حياة رخيصة، هاربة من كل مسؤولية؛ لترسل رسالة للأمة الإسلامية أن الغرب ملاذ آمن، وأن بلاد المسلمين تطرد أبناءها، وهم بدورهم يفرون من المسؤولية... وهي بتلك الرسالة الإعلامية تريد أن تدخل الإحباط إلى نفوس الشباب وهم يرون أفواج المهاجرين يلقون بأنفسهم للموت من أجل العيش في أوروبا؛ تاركين وراءهم بلادهم وأهلهم مع أن الأمر لا يعدو كونه ظاهرة تصاحب الحروب والقتل والتدمير الذي تعيشه الأمم... فالأوروبيون هاجروا في الحروب وغصت شوارعهم ومدنهم بالهاربين من الحروب العالمية، ولم تصور آنذاك أمواج اللاجئين على أنها هجرة أمة من بلادها، أو تفوق حضارة على أخرى، أو هزيمة فكرية، أو هروب من المسؤولية ... كما يصوره الإعلام عندما تكون الهجرة متعلقة بأفراد من المسلمين.

4-التشرد واللجوء والاعتقال والقتل والقصف والتدمير مصير كل من يقف أمام الأنظمة العميلة للغرب محاولًا التغيير.

تنقل معاناة اللاجئين في المخيمات بصورة مقصودة يسلط فيها الضوء على المعاناة الإنسانية التي يعيشها أهلنا في المخيمات لترسل رسالة تهديد لكل التواقين للانعتاق من العبودية للغرب الكافر ونواطيره من الحكام الخونة بأن ذلك مصيركم المحتوم إن فكرتم في الخروج والثورة ضد الحكام النواطير، وتسرَّب التسجيلات التي تظهر التعذيب والقتل الوحشي على أيدي المليشيات الطائفية لتساهم في إرسال تلك الرسائل الهولاكية لأبناء الأمة الإسلامية من الإعلاميين الذين باعوا أنفسهم لجيوش هولاكو الجديدة، على أن تلك الرسالة الإعلامية يجب أن تحفز الأمة الإسلامية للخروج والثورة والتخلص من النواطير العملاء للغرب الذين قتلوا الأمة وشردوها للحفاظ على نفوذ الغرب في بلادنا.

5-لا مكان لأمة مستقلة بقرارها، فالقرار للولايات المتحدة وأوروبا التي لا قبل للمسلمين بها:

تركز نشرات الأخبار والأقلام المأجورة والمحللين من الإعلاميين الخونة التابعين لجيوش هولاكو الجديدة على رسم صورة مفادها إن العالم يقسم بلا أي مقاومة أو أمل في التغيير بين الكبار، وتسرب خرائط جديدة للعالم الإسلامي بشكل دوري لترسل رسالة للأمة الإسلامية مفادها أن الحدود ترسم والدول تقام والأنظمة تغيَّر فقط باتفاق الغرب، ولا شان للأمة الإسلامية بذلك. فهي أمة مهزومة لا قبل لها بجيوش هولاكو الجديدة. رسالة يرسلها إعلاميون باعوا أنفسهم للغرب المستعمر، وباتوا كتبة لرسائل الرعب الهولاكية التي لن ترعب أمة تؤمن أنها خير أمة أخرجت للناس، تنتصر دومًا إن هي توجهت لله وجعلت ارتباطها به وحده سبحانه، وقاتلت لتكون كلمة الله هي العليا، تحت راية العقاب التي ترفعها دولة الخلافة التي يجب أن تسعى الأمة لإقامتها في القريب العاجل بعون الله.

6-الوحدة بين المسلمين غير ممكنة بل مستحيلة والأصل التشتت والتنازع

يركز الإعلام المصاحب لجيوش الغرب المستعمر على بث أخبار الفرقة والتشتت بين أبناء الأمة الإسلامية، ويسلط الضوء على أخبار فتح وحماس كنموذج للخلاف والفرقة، وكأن اختلاف الفصيلين المذكورين على مشاريع سياسية وعلى اقتسام الكراسي والسلطة الوهمية يشكل انقسامًا لأهل فلسطين!!، وينتقل الأمر إلى التركيز على انقسام الأمة في مصر وغيرها من بلاد المسلمين لترسل رسالة إعلامية تقرر استحالة وحدة الأمة الإسلامية، تلك الأمة التي توجب العقيدة والأحكام الشرعية وحدتها في ظل دولة الخلافة التي جسدت وحدتها عبر قرون لا يمكن لعاقل إنكارها.

7-النخب غير ناضجة للحكم ولا يوجد مشروع للنهضة:

تصاغ البرامج الحوارية وتدار ليخرج المشاهد بانطباع أن النخب المتناحرة غير ناضجة لقيادة الأمة، وأن الأحزاب والحركات والمعارضة لا تملك مشروعًا نهضويًا واضحًا يخرج الأمة من حالة التخلف والعبودية للغرب التي تعيشها، ويقوم القائمون على تلك البرامج باستبعاد العاملين الحقيقيين لنهضة الأمة والتعتيم عليهم وعلى نشاطاتهم، ويستثنى الحديث عن مشروع الخلافة كمشروع الأمة النهضوي الحقيقي من الحديث حتى ترسل رسالة محبطة للأمة تنفي وجود أي مشروع نهضوي حقيقي ناضج لإخراجها من حالة التخلف والتبعية التي تكابدها.

8-الغوغائية طبيعة الأمة، وأنه لا يمكنها أن تتقدم أو تقدم جديدًا للبشرية:

يساهم في إرسال تلك الرسالة للأمة الإسلامية كل الإعلاميين الذين يمجدون الغرب وتقدمه العمراني والعلمي، ويجلدون أمتهم واصفين إياها بالتخلف والتبعية وعدم مقدرتها على مواكبة العصر؛ لينشروا بذلك الإحباط، ويرسلوا رسالة بأن طبيعة الأمة الإسلامية أنها كسولة فوضوية لا تتقدم ولا تعنى نفسها بالعلوم، متناسين أن سبب تخلف الأمة هو الغرب المستعمر، وغياب دولة الخلافة التي يحاول الغرب منع إقامتها، ولا يذكر أولئك الخونة من الإعلاميين أمجاد الأمة الإسلامية العلمية والعمرانية أيام كانت للمسلمين دولة ترعاهم.

9-التخلف والفقر والجهل أمور واقعية لا يمكن التخلص منها:

ترسل وسائل الإعلام عبر أسطول من الإعلاميين رسائل يومية تظهر الفقر والجهل كمتلازمات لحياة الأمة الإسلامية لا فكاك منها رغم كل المحاولات، ويأتي ذلك عبر الحديث عن رؤى ومشاريع للخلاص من الفقر والجهل والتخلف؛ فيتوصل المتلقي لها إلى حقيقة أنها حلول جزئية لن تغير من الواقع شيئًا... ويستثنى دومًا الحديث عن الحلول الجذرية المتمثلة بإزالة الأنظمة الوضعية التي تقف وراء التخلف والفقر والجهل، وإقامة نظام الخلافة الذي يطبق الشرع الذي يضمن الخروج من حالة الفقر والتخلف والجهل الذي تعيشه الأمة الإسلامية.

10-الإسلام آراء عقلية، والتشريعات أفهام بشرية مختلف عليها:

تجتهد منظومة علماء السلاطين مع إعلاميي جيوش هولاكو الجديدة في تنفيذ هذه المهمة في محاولة لتقويض بنيان الأمة الفكري من خلال زعزعة الأفهام والتشكيك في كل الأحكام الشرعية التي تضمن وحدة الإسلامية واستعادة سلطانها والوقوف أمام هذا الغزو لبلادها، فتتناول الأحكام الشرعية المجملة والمفصلة بطريقة ترسل من خلالها رسالة واحدة للتشكيك في المسلمات والبديهيات، والحث على التجرؤ والتطاول على الأحكام الشرعية حتى لا يبقى عند المسلمين أي ثابت، وقد نسي هؤلاء الأقزام المرتزقة أن الله قد تكفَّل بهذا الدين، وأن الأمة الإسلامية ترفض بفطرتها السليمة كل متطاول أفاك لا يقيم وزنًا للأحكام الشرعية أو يتطاول عليها. قال تعالى: ""إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ""

11-الإسلام لا يصلح للعالم الجديد:

يتشارك الغرب مع أذنابهم من الإعلاميين في بلادنا على الهجوم على أفكار الإسلام بشكل عام، وعلى الأحكام المتعلقة بالمرأة والجهاد والحكم والاقتصاد، وترسل الرسائل الإعلامية شبه اليومية التي تصور المرأة باللباس الفاضح على أنه الأمر الطبيعي، وأنه لا يمكن للمرأة العصرية أن تلبس اللباس الشرعي في أعمالها، كما لا يمكن للحياة أن تستقيم بدون بنوك أو قروض ربوية، ولا يستطيع رجل واحد كالخليفة أن يدير دولة مترامية الأطراف فيها أقليات وطوائف، وقوانينها يجب أن يضعها الشعب في البرلمانات... كل تلك رسائل يومية تحارب الإسلام كنظام حياة انبثقت عنه تشريعات ربانية تعالج كل النواحي الاجتماعية والاقتصادية وأنظمة الحكم وكل نواحي الحياة في نسق يحقق سعادة البشرية كما عاشها المسلمون يوم كانت لهم دولة.

12-الخلافة مشروع ظلامي ليس فيه إلا القتل والعنف:

خرجت كلمة الخلافة من سياسة التعتيم الإعلامي عليها وعدم ذكرها في حقبة ماضية إلى تشويه كل ما يتصل بها، فألصقت تهمة الإرهاب بكل من ينادي بالخلافة، ووسمت كل أعمال القتل وتجاوزات بعض التنظيمات بالخلافة وبمشروع الأمة النهضوي حتى أصبحت الخلافة مرادفة للقتل والإرهاب والترويع والسحل والإغراق وقطع الرؤوس والتخلف والشبق الجنسي وكل ما يمكن أن يكون سيئًا تعافه النفوس؛ وذلك في محاولة يائسة لإبعاد الأمة عن مشروعها الحضاري. فالخلافة لها واقع مشرق وتاريخ متأصل في نفوس المسلمين لن يستطيع إعلاميو هولاكو الجدد أن يغيروه لدى أمة الإسلام التي لا زالت تذكر الخلفاء الراشدين، وتذكر ملاحم الخلافة وفتوحات المسلمين وانتصاراتهم المرتبطة بالخلافة والخلفاء، كما لم ولن تنسى رعاية سادتنا أبو بكر وحزمه، وعدل عمر وتقواه، وورع عثمان وعلي، وغيرهم من خلفاء المسلمين.

13-الدولة المدنية الديمقراطية هي الحل لما تعانيه الأمة الإسلامية:

لا ينفك الإعلاميون الخونة من التدليل على أن الديمقراطية الغربية هي الحل الأمثل والبلسم الشافي لعلاج مشاكل الأمة، ويتناولون ذلك كحقيقة لا جدال فيها، وكمطلب لجماهير الأمة في محاولة تضليلية لم تعد تنطلي على أبناء الأمة الإسلامية الذين يعيشون ظلم تلك الدولة المدنية الديمقراطية التي يراد إعادة استنساخها من جديد لتحكم بأشخاص جدد بعد انفضاح الحكام أمام شعوبهم ، فالأمة أدركت بعد أنصاف الثروات في مصر وتونس وليبيا أن الأنظمة عادت بوجوه جديدة، وأن الحل يكمن في خلع الأنظمة الديمقراطية والدولة المدنية وإقامة نظام الخلافة الذي يقتلع نفوذ الغرب المستعمر من بلادنا.

14-لا يمكن لدولة أن تعيش إلا من خلال ارتباطها بالمعاهدات الدولية أي الاستعمار وأذنابه

يردد الإعلاميون الخونة بانتظام معزوفة المعاهدات الدولية والالتزام بالأعراف والقوانين الدولية، ويعرضونها على كل شخصية أو حركة سياسية كورقة عبور لعالم السياسة؛ ليرسلوا بذلك رسالة بأن التبعية للغرب المستعمر والانحناء لأدواته الاستعمارية المتمثلة بالقوانين والهيئات الدولية التي تضمن تبعية الأمة للغرب أمر لا يمكن مقاومته، وأن الحديث عن الخروج من المنظومة الدولية جنون لا يمكن تصديقه. فالإسلام جاء ليخرج الناس من العبودية للمستعمرين الرأسماليين، ومن العبودية لأدواتهم الاستعمارية الدولية المتمثلة بالهيئات الدولية كمجلس الأمن والبنك الدولي ومعاهدات التجارة الدولية وغيرها من الوسائل والأسايب الاستعمارية التي رسخت استعباد الشعوب ونهب ثرواتهم من قبل الرأسماليين الجشعين.

15-كيان يهود أمر واقع يجب التعايش معه، والصراع معه قانوني ضمن أدوات المجتمع الدولي:

يرسل الإعلاميون الخونة تلك الرسالة الخطيرة من خلال تعاملهم مع كيان يهود ككيان يجب التعامل معه والاعتراف بوجوده الواقعي، وجل ما يمكن تداوله هو جعل الصراع صراعًا قانونيًا، يحلُّ ضمن أدوات النظام الدولي الذي يتحكم فيه الغرب المستعمر. فمجلس الأمن ومحكمة الجنايات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان وغيرها من الهيئات الدولية هي الجهات التي يجب أن تناقش قضية الأرض المباركة، ولا وجود للتناول الإعلامي للحل الشرعي الذي يوجب تحريك الجيوش لتحرير الأرض المباركة واقتلاع كيان يهود مرة واحدة وإلى الأبد، وهذا يبدو في تناقض صارخ مع وقوفهم اليومي مع تحرك جيوش الأمة في حروب تخدم أعداء الأمة الإسلامية في اليمن، أو تشارك في الحلف الصليبي الذي يقصف المسلمين في العراق والشام.

هذه بعض الأمثلة على الرسائل الإعلامية شبه اليومية التي يقوم بإرسالها إعلاميون انحازوا لجيوش الغرب المستعمر ولحملته الصليبية على الأمة الإسلامية، وهم بذلك لا يختلفون عن أولئك الذين كتبوا لهولاكو رسائله التاريخية لأمة الإسلام؛ وبذلك يعتبرون في الصفوف الأولى لجيوش الغرب المستعمر، وولاؤهم هو لقتلة المسلمين الذين دمروا حواضر الأمة وانتهكوا أعراضها... فلينظر كل إعلامي أين يقف ومن يوالي؛ حتى لا يجد نفسه يوالي أعداء الأمة الإسلامية، ويقاتل في الصفوف الأولى لجيوش الغرب المستعمر، ويرسل رسائل هولاكية لأمته... وليراجع كل إعلامي نفسه قبل أن يجد نفسه منخرطًا في إرسال رسائل هولاكية لأمته تضعه في صف أعداء الأمة الإسلامية، فولاء الإعلامي المسلم يجب أن يكون لله ولأمته الإسلامية التي يجب أن يكون ناصحًا أمينًا لها، وحارسًا مخلصًا للإسلام، وعاملًا لنهضة أمته وإقامة الخلافة التي تضمن عودة الأمة لتكون خير أمة أخرجت للناس.

وليقف كل سياسي وداعية حريص على أمته يسعى لنهضتها وإقامة الخلافة الراشدة على كل رسالة إعلامية يبثها الإعلام المأجور يفندها ويشرحها ويرد عليها ويبين للأمة زيفها وكذبها، ولا يتوانَ عن ذلك... فليكتب إن استطاع مقالة يرد فيها، وليقف خطيبًا أو مدرسًا أو مناظرًا أو مناقشًا لكل رسالة إعلامية عميلة تريد هزيمة الأمة الإسلامية والسيطرة عليها، بل وليعلِّم أبناءه ومن يعول كيفية الرد على الإعلام المعادي للأمة الإسلامية، وعلى الرسائل التي ترسلها جيوش الغرب المستعمر عبر الإعلاميين الخونة، فالحرب سجال ولا مجال للتراخي أمام أي رسالة إعلامية توجه لصدر الأمة الإسلامية، فكل منا على ثغر من ثغور الإسلام يا أخي... فلا يؤتين من قبلك!.

وأخيراً... لم تفلح رسائل هولاكو في هزيمة الأمة الإسلامية، فكان رد أهل الشام على تلك الرسالة: «قل: الله على كل شيء قدير، والحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمي، على كتاب ورد فجرًا عن الحضرة الخاقانية، والسدة السلطانية نصر الله أسدها، وجعل الصحيح مقبولًا عندها، وبان أنكم مخلوقون من سخطه، مسلطون على من حلّ عليه غضبه، ولا ترِقُّون لشاكٍ، ولا ترحمون عبرة باكٍ، وقد نزع الله الرحمة من قلوبكم، وذلك من أكبر عيوبكم، فهذه صفات الشياطين، لا صفات السلاطين، كفى بهذه الشهادة لكم واعظًا، وبما وصفتم به أنفسكم ناهيًا وآمرًا، قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون، ففي كل كتاب لُعنتم، وبكل قبيح وُصفتم، وعلى لسان كل رسول ذُكرتم، وعندنا خبركم من حيث خلقتم، وأنتم الكفرة كما زعمتم. ألا لعنة الله على الكافرين، وقلتم إننا أظهرنا الفساد؛ ولا عَز من أنصار فرعون من تمسك بالفروع ولا يبالي بالأصول، ونحن المؤمنون حقًا لا يداخلنا عيب، ولا يصدنا غيب، القرآن علينا نزل، وهو رحيم بنا لم يزل، تحققنا تنزيله وعرفنا تأويله، إنما النار لكم خلقت، ولجلودكم أضرمت، إذا السماء انفطرت. ومن أعجب العجب تهديد الليوث بالرتوت، والسباع بالضباع، والكماة بالكراع، خيولنا برقية، وسهامنا يمانية، وسيوفنا مضرية، وأكتافها شديدة المضارب، ووصفها في المشارق والمغارب، فرساننا ليوث إذا ركبت، وأفراسنا لواحق إذا طلبت، سيوفنا قواطع إذا ضربت، وليوثنا سواحق إذا نزلت، جلودنا دروعنا وجواشننا صدورنا، لا يصدع قلوبنا شديد، وجمعنا لا يراع بتهديد، بقوة العزيز الحميد، اللطيف لا يهولنا تخويف، ولا يزعجنا ترجيف، إن عصيناكم فتلك طاعة، وإن قتلناكم فنعم البضاعة، وان قُتلنا فبيننا وبين الجنة ساعة. قلتم قلوبنا كالجبال، وعدونا كالرمال؛ فالقضاء لا يهوله كثرة الغنم، وكثرة الحطب يكفيه قليل الضرم، أفيكون من الموت فرارنا وعلى الذل قرارنا؟ ألا ساء ما يحكمون، الفرار من الدنايا لا من المنايا، فهجوم المنية عندنا غاية الأمنية، إن عشنا فسعيدًا، وإن متنا فشهيدًا، ألا إن حزب الله هم الغالبون، أبعد أمير المِؤمنين وخليفة رسول رب العالمين تطلبون منا الطاعة؟ لا سمعا لكم ولا طاعة، تطلبون أنا نسلم إليكم أمرنا، قبل أن ينكشف الغطاء ويدخل علينا منكم الخطاء. هذا كلام في نظمه تركيك وفي سلكه تسليك، ولو كشف الغطاء ونزل القضاء، لبان من أخطأ، أكفر بعد الإيمان ونقض بعد التبيان؟ قولوا لكاتبكم الذي رصف مقالته، وفخّم رسالته، ما قصرت بما قصدت، وأوجزت وبالغت، والله ما كان عندنا كتابك إلا كصرير باب، أو طنين ذباب، قد عرفنا إظهار بلاغتك، وإعلان فصاحتك، وما أنت إلا كما قال القائل: حفظت شيئا وغابت عنك أشياء. كتبتَ: (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ)، لك هذا الخطاب، وسيأتيك الملك الناصر وبكتمر وعلاء الدين القيمري وساير أمراء الشام، ينفرون الإيصال إلى جهنم وبئس المهاد، وضرب اللمم بالصماصم الحداد، وقل لهم: إذا كان لكم سماحة، ولديكم هذه الفصاحة؛ فما الحاجة إلى قراءة آيات وتلفيق حكايات، وتصنيف مكاتبات، وها نحن أولاء في أواخر صفر موعدنا الرَسْتَن وألا تعدنا مكان السلم، وقد قلنا ما حضر والسلام». انتهى الرد

كما لم تفلح رسل هولاكو ورسائله الإعلامية التهديدية للسلطان قطز في تخويف المسلمين، فقام السلطان قطز بقطع أعناق الرسل الذين أرسلهم إليه هولاكو بالرسالة التهديدية، وعلَّق رؤوسهم في الريدانية في القاهرة، وأبقى على أحدهم ليحمل الأجساد لهولاكو. وأَرسل الرسل في الديار المصرية تُنادي بالجهاد في سبيل الله ووجوبه وفضائله، وكان العز بن عبد السلام يُنادي في الناس بنفسه؛ فهبَّ نفرٌ كثير ليكونوا قلب وميسرة جيش المسلمين. أمَّا القوَّات النظامية من المماليك فكوَّنت الميمنة.

والتقى الفريقان في المكان المعروف باسم عين جالوت في فلسطين في 25 من رمضان 658هـ؛ لتسطر الأمة الإسلامية أروع الملاحم، وتخلص البشرية من شرور هولاكو... وانتصر المسلمون في عين جالوت، ولاحق قطز فلولهم، وطَهَّر المسلمون بلاد الشام بكاملها في غضون بضعة أسابيع، وعادت من جديد أرض الشام إلى ملك الإسلام والمسلمين، وفُتحت دمشق، وأعلن قطز توحيد مصر والشام من جديد.

لم تجدِ رسائل هولاكو الإعلامية، وإن سطرها إعلامي بارع خائن لأمته، ولم تمنع رسائله الأمة الإسلامية من تسطير عين جالوت وسحق جيوش هولاكو للأبد، كما لن تفلح رسائل الإعلاميين الخونة لأمتهم المقاتلين في الصفوف الأولى لجيوش الغرب المستعمر في منع الأمة الإسلامية من استعادة سلطانها المسلوب، وإقامة خلافة على منهاج النبوة تسطر ملحمة جديدة كعين جالوت، يُطرد فيها الغرب من بلادنا، ويُجتث منها نفوذه للأبد، وتُحرر بلاد المسلمين، وتعود الأرض المباركة درة تاج البلاد الإسلامية، وعسى أن يكون عقر دار الإسلام فيها.

*عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير – فلسطين