الرئيسية - للبحث

أمريكا تسعى للخلاص من المأزق السوري بأقل الخسائر

المهندس باهر صالح / عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في فلسطين

حذر الرئيس الأمريكي باراك أوباما، خلال حديث مغلق مع كبار المراسلين من خطورة أي تدخل بري أمريكي في منطقة الشرق الأوسط، وفقا لما نقلته صحيفة "نيويورك تايمز" في عددها الصادر الجمعة 18/12/2015م.

وقال أوباما إن قواته ستتكبد خسائر شهرية فادحة في حال أمرها بالتدخل البري في المنطقة، يصل حجمها إلى 100 قتيل و500 جريح شهريا، إضافة إلى 10 مليارات دولار كل شهر. وتأتي تصريحات أوباما هذه بعد أسبوعين فقط من خطابه الخاص الذي وجهه للأمة الأمريكية، وأعلن فيه عن عدم نيته إرسال قوات برية إلى سوريا، حيث قال "لن ننجر إلى حرب برية متواصلة في سوريا، ومن المحظور أن يتحول الوضع إلى حرب بين أمريكا والإسلام".

إنّ من يلاحظ كيف سارت أمريكا في محاولة السيطرة على الأحداث في الشام لإجهاض الثورة والنيل من أهدافها الطاهرة، يلحظ دهاء وخبثا لا ينطلي إلا على من أعمى الله بصيرته عن رؤية الحق.

فبعد أن استنزفت الجيش السوري المجرم الذي رعته وشكلته على عين بصيرة أيام عميلها الأسد وأبيه، وبعد أن قارب على الهلاك، أمدته بمقاتلين من حزب إيران في لبنان ومليشيات عراقية، مستغلة بذلك المشاعر الطائفية التي عملت على تأجيجها لمثل هذا الغرض، ثم ما إن عجز هؤلاء المقاتلون عن وقف الثورة أو إنهائها، حتى سارعت أمريكا إلى إمدادهم بإيران ومقاتليها من الذين أعدتهم إيران لتحرير القدس زورا وبهتانا، حتى وجدوا أنفسهم في الشام بدلا من القدس، يقاتلون إخوانهم ونساء المسلمين وأطفالهم بدلا من قتال يهود الغاصبين لفلسطين، ولكن مرة أخرى لم تتمكن إيران ومن معها من تركيع الثوار ووأد الثورة، فشكلت الحلف الصليبي الذي أمطر الشام وأطفالها ومخلصيها بالقنابل والصواريخ ولكن ذلك بدا مكلفا لها، وسيمتد إلى زمن ليس بقريب، فعمدت إلى استغلال روسيا لما لها من أطماع في الشرق الأوسط وطموحات لتحكي صولة الدول الكبرى صاحبة القرار والتأثير، ثم سرعان ما "حمست" فرنسا وبريطانيا لتشاركا بقوة في الضربات على الشام.

ومع كل ذلك، وكل هؤلاء الأتباع والأشياع والأحلاف، رأت أمريكا أنها عاجزة عن حسم المعركة بدون تدخل بري، وبعد أن فشلت في تدريب وإعداد مقاتلين في معسكرات التدريب التي أشرفت عليها في الأردن، لا سيما بعد أن شاهدت كيف سلم بعض هؤلاء الجنود عتادهم إلى جبهة النصرة عندما أتيحت لهم الفرصة. وكذلك بعد أن فشلت أمريكا في جر روسيا إلى تدخل بري بعد أن ضج الشعب الروسي على نية حكومته مستذكرا ما حل بجنوده في أفغانستان، فأدى ذلك إلى تراجع القيادة الروسية عن نيتها لتكتفي بالحديث عن مدربين ومستشارين. وقد فكرت أمريكا لوهلة بإرسال قوات أمريكية للشام ولكن حجم المعارضة الداخلية كان كبيرا، حتى ترسخ في أذهان الإدارة الأمريكية استحالة ذلك ضمن الظروف الحالية، وهو ما يعبر عنه الخبر أعلاه، حيث أدركت الإدارة الأمريكية أنّ حجم خسائرها سيكون كبيرا في الجنود وفي المال، وهو ما لا تطيقه أمريكا إلا في حالات الضرورة القصوى، ولأنها تدرك أن الثوار سيكونون أشد شراسة في قتال الكفار من غيرهم، وسيجر ذلك إلى تعاطف ربما يتطور إلى انفلات للأوضاع في العالم الإسلامي، فأوباما يدرك أن لا قبل لجنوده ولا لدولته بحرب بين أمريكا والمسلمين بهذا الوضوح.

ولذلك دفعت أمريكا بعميلها الملك سلمان إلى العمل على تشكيل الحلف الإسلامي العسكري، ليكون جاهزا لأي تدخل بري قد يلزم في المستقبل لحسم المعركة، في موازاة الجهود السياسية ومؤتمر الرياض الذي عملت من خلاله أمريكا على محاولة استغلال عباءة الإسلام والحرمين لتخدع الثوار والمخلصين. وبالأمس عملت على استصدار قرار من مجلس الأمن يشكل غطاء لأي تحرك قد تحتاج إليه أمريكا من قبل التحالف الإسلامي.

وهكذا تنسج أمريكا الخيوط وتحوك المؤامرات لتنال من ثورة الشام المباركة، وهي في ذلك تستغل الأتباع والعملاء والأشياع، لتتجنب أكبر قدر ممكن من الخسائر في أموالها وجنودها. أي أنّها تريد أن تقاتل حتى آخر جندي من أتباعها، ويعينها على ذلك حكام عملاء باعوا أمتهم ودينهم بدنيا غيرهم، ورضوا لأنفسهم التبعية والذل والهوان على أن يكونوا أعزاء بالإسلام أقوياء بأمتهم.

وهذه رسالة إلى الثوار والمقاتلين الأحرار في الشام لئلا ينخدعوا بأحابيل الحكام وألاعيبهم التي تخرج من مشكاة أمريكا المجرمة الساعية إلى إبقاء الشام حظيرة لها، ولتحول دون أن تتحول إلى خلافة راشدة على منهاج النبوة تدك عروش الظالمين وتطيح برأسمالية أمريكا والغرب اللئيم.

21/12/2015