الرئيسية - للبحث

 

هل يمكن للمستبدين العملاء أن يحتضنوا ثوارا على طريق التحرر؟

الدكتور ماهر الجعبري

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ‫الأرض المباركة فلسطين

تشهد المنطقة حراكا متصاعدا لآل سعود، لدرجة برز فيها وزير خارجيتهم ‫الجبير على شاشات الفضائيات يحدد مصير ‫الأسد ويتحدث عن خياري العمل السياسي و العمل العسكري، وكأنه الآمر الناهي. ثم قال ‫الملك سلمان بن عبد العزيز إن ‫‏المملكة العربية السعودية حريصة على تحقيق الأمن والاستقرار والعدل في ‫‏سوريا، وأن تعود بلداً آمنة مستقرة. وأضاف خلال استقباله مساء الخميس أعضاء ‫المعارضة السورية الذين اختتموا اجتماعاتهم في ‫الرياض: "أؤكد لكم أن سوريا عزيزة علينا وعلاقتنا مع سوريا تاريخية ويهمنا صمودها وإخواننا السوريون" (الخليج أونلاين في 11/12/2015).

هذه التطورات تثير من جديد موضوع الدور السعودي في المنطقة وعلاقة ‏آل سعود بأمريكا بعد رحيل الملك السابق، وعلاقة ذلك بثورة ‫الشام المتفجرة، مما يتناولها هذا المقال بالتحليل. وهو يكشف جانبا من خطورة حضور بعض قادة ‏الفصائل المقاتلة في الشام لمؤتمر الرياض، ويشير إلى أهمية وجود الوعي السياسي عند المجاهدين فيها.

يأتي تصاعد هذا الدور السعودي في الشام، بعد ترسّخ دور ‫‏السعودية العسكري في اليمن، والذي أوكلته أمريكا بها تحت عنوانها المضلل عاصفة الحزم، حيث تحركّت طائرات آل سعود لضرب المسلمين هناك ولقصف مقدّراتهم تحت عناوين طائفية، بينما ظلّت تحتضن مبادرتها السلمية نحو كيان الاحتلال اليهودي الذي هو عدو حقيقي حسب الثوابت العقدية، ثم جنّد آل سعود بعض العلماء والأبواق لإبراز فتوى الجهاد في اليمن، في مقابل فتوى الزيارات التطبيعية تحت حراب الاحتلال اليهودي في تناقض سياسي - عقدي صارخ. وها هو الدور الآخر يتكامل في سوريا عن طريق العمل على تلويث الثوار في وحل العمالة على نهج آل سعود.

إن هذا البروز لدور آل سعود كعراب قوي في رعاية مؤتمر المعارضة السورية في الرياض دليل مباشر وقوي على ارتماء طبقة الحكم السعودية الحالية في أحضان ‫العمالة لأمريكا، إذ إن أمريكا لا تقبل أن تُسند مثل هذه الأدوار المحورية إلّا لمن تطمئن لعمالتهم وولائهم لها ولسياستها الاستعمارية. وهذا يؤكد ما سبق أن رسّخه ‫حزب التحرير في نظرة تحليلية لأميره ‫‏العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة، حول تحوّل العمالة في نظام ‫‏الحكم السعودي نحو أمريكا بعيد رحيل الملك السابق.

إذ بيّن الحزب تحليله للمشهد السعودي (بتاريخ 25/1/2015) بأن "العائلة السعودية يتداخل في أمرائها النفوذ الأمريكي والبريطاني"، وأن "النفوذ الأمريكي هو الغالب في وزارة الدفاع"، والتي تولى وزارتها سلمان بن عبد العزيز قبل أن يتوج ملكا، بينما ‫‏النفوذ الإنجليزي هو الغالب في وزارة الحرس الوطني، حيث كان الملك السابق رئيس الحرس الوطني قبل تتويجه. وحيث إن الملك الحالي من مؤسسة وزارة الدفاع، أوضح الحزب "إن المتوقع هو أن يكون النفوذ الأمريكي هو الغالب في عهده". وها هي الأحداث والوقائع السياسية تسير في توافق مع ذلك التحليل.

ويتزامن مع هذين الدورين التآمريَيْن (في اليمن وسوريا) تعزيز العلاقات الاستخباراتية بين أمريكا ونظام آل سعود، إذ نقلت وسائل الإعلام خبر موافقة مجلس الشورى السعودي على اتفاقية استخبارية مع واشنطن (صحيفة عاجل الألكترونية في 23/11/2015)، وتتضمن التبادل والتعاون في مجالات الاستخبارات الجيومكانية (الجغرافية)، بين وزارة دفاع المملكة (التي يترسخ فيها النفوذ الأمريكي)، ونظيرتها الأمريكية.

إن هذا الواقع الخياني لآل سعود وحده كافٍ لصد الثوار عن مؤتمر الرياض قبل البحث في مضمونه. وإن هذه الخلفية السياسية لنظام آل سعود مع استحضار ما تسببوا به من خراب في اليمن، كفيلة بأن تصرف الثوار عن تدخلات آل سعود، وأن تمنعهم من تحقيق ما يعملون عليه من ليِّ أذرع الثوار عبر شريان التمويل.

إن المؤتمر الذي يحتضنه نظام عميل مستبد لا يمكن أن يكون محطة على طريق التحرر من الاستبداد، بل هو رمي للثورة في حضن الاستعمار، وهو مؤتمر ترويض لثورة الشام من أجل حرف الثوار عن مسار التحرر الفعلي من الاستبداد والمستبدين، والسعودية قد هبّت - مأمورة - للدفاع عن وجودها ووجود كافة الحكام من عملاء أمريكا في المنطقة، لأنها تدرك - كما يدرك المستعمرون من خلفها - أن نجاح ثورة الشام وإفلاتها من قبضة أمريكا الاستعمارية يعني انبثاق فجر الخلافة الثانية على منهاج النبوة، وهو فجر ساطع ينذر بأفول عهد مصاصي الدماء، والقضاء على الأنظمة وانتهاء عصر ملوك الطوائف.

وإن تحقيق ‫‏الأمن و‏الاستقرار والعدل في سوريا، مما تحدث عنه ملك السعودية، لا يمكن أن يمر عبر واشنطن ولا عبر الاتفاقيات الاستخبارتية معها، ولا يمكن أن يصنعه العملاء المستبدون، ولن تعود سوريا آمنة مستقرة إلا في ظل حكّام ينتمون للأمة ولا يقبلون بالبرامج الاستعمارية ولا بالمخططات الأمريكية، وهذه ثقافة غريبة عن حكام آل سعود، وعن بقية حكام المسلمين الذين يتقاسمون الأدوار في الكيد لثورة الشام.

ثم إن العلاقة بين ثوار الشام وأحرار الحجاز هي علاقة عقائدية، وليست مجرد علاقة تاريخية بين شعوب مختلفة كما يتضمن كلام الملك السعودي، وهذه الرابطة العقدية توجب على أهل ‫‏الجزيرة كما توجب على بقية المسلمين نصرة ثوار الشام لا التآمر عليهم. ومن هنا يبرز التساؤل الكبير: كيف يمكن لعالم من علماء الجزيرة أن يفتي بالجهاد في اليمن (وهي حرب مصالح استعمارية) بينما يتغافل عن نصرة ثورة الشام الخالصة لله (بعد تغافله عن نصرة فلسطين)؟!

من هنا كان الواجب على القوى الحية في الأمة وفي ‏ثورة الشام أن تحذّر الأمة من الدورين المحوريَيْن اللذين أوكلتهما أمريكا بنظام الحكم السعودي في ‫‏اليمن وسوريا، لأنهما يندرجان في سلسلة أدوار التآمر على الأمة الإسلامية وعلى ربيعها الثوري. وهذه المهمة الكفاحية هي عبادة سياسية لا يفقهها فقهاء آل سعود من الذين حصروا الدين في علاقة العبد بربه، وتجاهلوا أن ‫‏الإسلام جاء ليحرر العباد من عبادة العباد والخضوع للملوك إلى عبادة رب العباد والتحرر من كل مستبد.