الرئيسية - للبحث

 الأبعاد السياسية للأحداث في فلسطين

بقلم: علاء أبو صالح*

عن الراية

  لم تكن الأحداث التي انطلقت في فلسطين في الأول من تشرين الأول/أكتوبر الجاري أحداثاً مبتورة بل كانت ردود فعل وتداعيات لسياسات انتهجها كيان يهود تجاه مدينة القدس والمسجد الأقصى على وجه الخصوص.

فمنذ وقت ليس بالقصير وحكومة نتنياهو اليمينية تسير بشكل منظم وبوتيرة متصاعدة إلى إحداث تغييرات في الوضع القائم في المسجد الأقصى لتمكين يهود من القيام بطقوسهم وشعائرهم داخل المسجد وصولاً إلى تقسيمه زمانياً ومكانياً.

وبالرغم من المعارضة الدولية والإقليمية لهذه الإجراءات إلا أن حكومة يهود بقيت ماضية في سياساتها، رغم إعلان رئيس وزرائها المخادع أكثر من مرة بأنه لن يغير من وضع المسجد القائم، مستغلة بذلك الانشغال الدولي في ملفات أكثر سخونة من الشأن الفلسطيني.

فنتنياهو سبق أن تعهد لملك الأردن بالحفاظ على الوضع القائم في المسجد واحترام "الوصاية الهاشمية على الأماكن المقدسة في القدس"، غير أن أفعاله كانت بعكس ذلك، فقد بات اقتحام المستوطنين للمسجد يوميا، واعتداء جنوده على المعتكفين والتضييق على المصلين نهجاً، بل تعدّى ذلك إلى اقتحام المسجد القبلي وصولاً إلى منبر صلاح الدين واعتقال المرابطين والمرابطات فيه والاعتداء عليهم واعتبارهم تنظيماً خارجاً على القانون ومنع مصاطب العلم وحلقات القرآن.

كانت ردة الفعل على سياسات كيان يهود هبة شعبية وأعمالاً فردية بطولية وكانت بعيدة كل البعد عن التأطير الفصائلي، وهي تعبر عن مدى ارتباط الأمة بمقدساتها وإخلاصها وعلو روح التضحية لديها، غير أن تلك الهبة الشعبية والأعمال البطولية تداعت عليها الأطراف المختلفة سعياً لركوب موجتها واستغلالها سياسياً كلٌ بحسب أجنداته، وكان جديراً بقوى الأمة الفاعلة أن تتخذ من هذه الهبة منطلقاً لتحريض جيوش الأمة على القيام بدورها والاضطلاع بمسؤوليتها تجاه الأرض والعرض والمقدسات.

وبالتدقيق في الأطراف السياسية الفاعلة في هذه القضية نجد أن أمريكا ليست معنية بتصعيد الأوضاع في فلسطين لما لذلك من انعكاسات سلبية على مشاريعها في المنطقة، ولكون القضية الفلسطينية ليست أولوية لها في الوقت الراهن، ولعل دعوة أوباما الجمعة 16/10/2015 لنتنياهو وعباس بالكف عن التحريض وتهدئة الأوضاع في القدس هو تعبير عن الموقف الأمريكي الذي سيسعى وزير الخارجية كيري إلى فرضه في لقائه المفترض مع عباس ونتنياهو، حيث رشح عن مبادرته الدعوة إلى وقف التحريض السياسي والإعلامي من الجانبين، وتثبيت العمل بـ"ستاتيكو" المسجد الأقصى بحضور الأردن.

أما كيان يهود فهو يسعى لاستغلال الأحداث لتحقيق أمور ثلاثة؛ أما الأول فهو تمرير مخططاته بخصوص القدس والمسجد الأقصى، ولعل إجراءاته بحق المقدسيين من قتلهم بالشبهة وهدم منازلهم وسحب هويات عائلاتهم المقدسية وتحويل البلدة القديمة إلى محمية يهودية فضحت نياته الخبيثة ومخططاته التهويدية. أما الثاني فهو مزيد من إضعاف السلطة سياسياً عقوبة لها على ذهابها للمؤسسات الدولية التي بالرغم من سخافتها (كونها كالاستجارة من الرمضاء بالنار) إلا أنها مضرة بكيان يهود نسبياً وتسبب له الإزعاج. وأما الأمر الثالث فهو عرقلة حل الدولتين قدر الإمكان حيث ينطلق نتنياهو من رؤيته للحل القائم على وجود سلطة تتولى شؤون الناس وتعمل تحت مظلة يهود ولخدمتهم وأن لا يكون ذلك على حساب سيادتهم على المناطق.

غير أن ردة الفعل الشعبية لا سيما في فلسطين المحتلة عام 1948 والقدس قد فاجأت كيان يهود ودقت ناقوس الخطر لديه وأفقدت علوجه "الأمن الشخصي" وسببت لهم الذعر وأدت إلى إرباك نتنياهو وتخبطه لا سيما وأن معظم الحوادث التي وقعت في الداخل كانت فردية بعيدة عن أيدي الفصائل والتنظيمات، وأدت إلى اعتبار عرب الداخل تهديداً أمنيا مما دعا نتنياهو لمطالبة عباس بالاعتراف بيهودية كيان يهود من جديد.

أما موقف السلطة فهو خاضع للإرادة الأمريكية، ويسعى لاستغلال الأحداث - عبر الدعوة للمقاومة السلمية والشعبية - لتعزيز فكرة الحماية الدولية التي طالب بها عباس في خطابه في الأمم المتحدة، وإلى الدعوة لوضع القدس تحت الوصاية الدولية - لترزح تحت احتلال جديد بدل الدعوة لتحريرها - وهو ما سارع كيان يهود إلى رفضه. أما موقف بقية الفصائل فهي قد دعت لإشعال انتفاضة ثالثة في الضفة منذ أشهر غير أنها اتفقت مؤخراً على أن تكون هذه الانتفاضة شعبية غير مسلحة تحت مبرر سحب الذرائع من المحتل وعدم تحويل وجهة الانتفاضة!  

أما موقف حكام المنطقة، فقد سببت الأحداث الإحراج لأولئك السائرين ضمن الخط الأمريكي والمنخرطين في الحرب على ما يسمى بالإرهاب، وقد قام عدد منهم بالاتصال برئيس السلطة يطالبه بالعمل الحثيث على تهدئة الأوضاع، ومن أبرز تلك الدول السعودية ومصر. وأما أولئك السائرون في الخط الأوروبي فيطمعون من خلال الأحداث في تقديم قيادات جديدة للسلطة تكون أقرب للتوجه الأوروبي وسحب البساط من تحت أقدام الموالين لأمريكا.

وجدير بالذكر أن الأردن يتعاطى مع الأحداث كحالة خاصة وذلك بسبب خوف النظام هناك من أن تؤدي الأحداث إلى ثورة داخلية واضطرابات في البلاد لا يمكنه السيطرة عليها.

أما ما هو المتوقع لمسار الأحداث، فهو أن تسعى أمريكا عبر مبادرة وزير خارجيتها إلى تطويق الأحداث أو إبقاء إيقاعها منخفضا وربما تقوم بالضغط على نتنياهو ليعلن تجميده للاستيطان والعودة لطاولة المفاوضات كبادرة لتهدئة الأوضاع وللحفاظ على مشروع حل الدولتين، هذا إذا لم يقدم نتنياهو وحكومته على تصرف "متهور" جراء تخبطهم فيدفعون الأحداث باتجاه التصعيد.

إن كيان يهود ما كان ليجرؤ على كل هذا التمادي لولا تآمر الحكام والأنظمة المحيطة به والتي تحمي حدوده وترعى أمنه.

إن هذه الحوادث تؤكد أن الحل الوحيد لقضية فلسطين هو تحريرها عبر جيوش المسلمين، وأن كل الحلول التي يروج لها الحكام لا تؤدي إلا إلى مزيد من تكريس الاحتلال وهيمنته.

إن الأرض المباركة وأهلها يستنصرون الأمة وجيوشها لتحرير فلسطين والمسجد الأقصى المبارك، فلقد بلغ السيل الزبى وطفح الكيل، فمسرى النبي يئن تحت وطأة الاحتلال من قبل أجبن خلق الله، والنساء يعتدى عليهن ويعتقلن من داخله فيستصرخن وامعتصماه ولا مجيب، فهلّا لبّى قادة جيوش المسلمين النداء؟! أعجزت أرحام أمهات المسلمين أن تنجب صنو الفاروق وصلاح الدين؟! فتدبروا شأنكم يا قادة الجند وأجمعوا أمركم وجيوشكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمّة ثم تحركوا نحو الأقصى ولا تنتظرون.

 

*عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في فلسطين