الرئيسية - للبحث

 
 
الدكتور ماهر الجعبري
 
 عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير
 
وتستمر "جعجعة" الحوار الوطني الفلسطيني دون طحن، بعد أن طحنت "جعجعة" تقاسم الكعكة "الأوسلوية" العديد من رؤوس الأتباع الذين راحوا ضحية التنافس على سلطة لا هي حررت أرضا ولا أرجعت لاجئا ولا حتى أزالت حاجزا من حواجز حرس الحدود "الإسرائيلية". بل ويزداد صلف الجنود "الإسرائيليين" المدججين بالسلاح على تلك الحواجز، وتعلو أصواتهم حتى أنها تنال من أصحاب المعالي، ويتعرض الجنود "في الدولة المجاورة للسلطة !" لأصحاب الألقاب من محافظ ووزير وتعلو القائمة، حتى يضطر وزير الخارجية القطري لأن يصرّّح قبل أشهر –لدى قمة الدوحة- أنه أبدى استعدادا لمساعدة رئيس السلطة في عبور الجسور نحو شرق النهر.إذا لم يكن للسلطان سلطان على نفسه، وإذا كان جندي الاحتلال هو صاحب الكلمة الأولى على الأرض، فأي مشروع وطني هذا الذي تراق لأجله دماء الأتباع ؟ وأي سلطة وطنية تلك التي تقسّم إلى سلطتين محاصرتين ؟ وأي حوار وطني هذا الذي تنظمّه معادلات ذلك المشروع ؟
 
أسئلة سهلة عند الصياغة لكنها عسيرة عند الإجابة من قبل القادة والساسة الرسميين بعد أن لم يعد في قواميسهم معنى لمصطلحات التمرد على الواقع الأليم، وبعد أن تم ترويض الوسط السياسي على قبول مسيرة الزحف نحو العدو على خيول "المبادرة العربية"، أو السباحة فوق موجة "التقزيم للقضية"، على اعتبار أنها لم تعد قضية أمة ولا حتى شعب، بل ولا قضية أهل الأرض فيها، ولا حتى قضية الأتباع من الفصائل، بل أمست مقزّمة في أروقة الحوار لتصبح قضية "فلان وعلّان" ممن تبسط لهم البسط الحمراء في العواصم العربية والعجمية، وتملأ حقائبهم الدبلوماسية بالدولارات، إن تمت مصادرة حقائبهم المحشوّة "بالأجهزة الخلوية التجارية". وقد تحوّل مصطلح "العبور" عن عبور المجاهدين من عرب وعجم إلى عبور التمويل أو التهريب. فأي مشروع هذا الذي يجب على أهل فلسطين أن يلتفوا حوله؟ وأي حوار وطني ذاك الذي يستمر بلا نهاية حول هذا المشروع ؟
 
هب أن القادة اتفقوا على هيكلية المنظمة، وعلى قواعد لعبة الانتخابات، وعلى محاصصة عدد الطلقات في كل بارودة لدى الأجهزة الأمنية، وعلى اسم ورسم رئيس الوزراء، وعلى ألوان مقاعد المجلس التشريعي، الذي تمتد إليه أيدي جنود الاحتلال كلما شاءوا، هب أن الحوار نجح في إجبار الخطين المتوازيين (إن كانا فعلا متوازيين) على الالتقاء على صيغة تحقق الاعتراف بشرعة التقسيم وحل الدولتين، وتحفظ ماء الوجه لقادة المقاومة، فإن السؤال البسيط حينها: ماذا بعد ؟ هل يمكن أن يرى المتحاورون أبعد من أنوفهم ؟
 
يتساءل بعض الكتّاب والمهتمّين: ماذا لو فشل الحوار الوطني الفلسطيني ؟ والحقيقة أن السؤال الأهم والإستراتيجي هو: ماذا لو نجح الحوار الوطني الفلسطيني؟
 
لقد فشل الحوار الوطني الفلسطيني مرارا، وعرفنا النتيجة: يبقى الحال على ما هو عليه من تقزيم، وردح على الفضائيات حتى يتحرك عرّابه من جديد، وإذا كلّ العرّاب الحالي وملّ، فإنه يُسلم الملفات لعرّاب آخر، كما كان قد تسلّمها من العرّابين من قبله في اليمن ومكة وقطر وتطول القائمة.
 
ولعل البعض يعتبر أن السؤال الثاني هو أيضا معروف الإجابة، فقد يعتبر البعض أن الحوار الوطني كان قد نجح في مكة، وتم تشكيل حكومة وطنية، وعرفنا النتيجة أيضا: فقد أدت إلى فض الشراكة وقسمة المرافق بين الشركاء، وصار لفلسطين سلطتان وحكومتان وحتى قافلتا حج، بعدما أريقت لأجل تلك القسمة دماء وأزهقت أرواح.
 
إذاً، لعلّ نتيجة نجاح الحوار الوطني ونتيجة فشله معروفتان ومجرّبتان، فإن كان الحال كذلك: فهل نعيش اليوم حالة من العبثية السياسية ؟ وهل نتابع سباقا مرثونيا أو سباق حارات سلطوية دون القدرة على تجاوز حدود الملعب المسيّج بالتمويل والمحروس بجنود الاحتلال؟
 
وبغض النظر عن توصيف ذلك الحال من الحوار اللامنتهي، يبقى السؤال الجوهري يدور حول البحث عن مضمون مشروع جاد في أدبيات وأطروحات المتحاورين، مشروع متكامل يخرج القضية عن سياق الأخذ والرد وعن سياق اللهث وراء سراب السلطة وسراب الوعود الدولية وسراب التمويل الغربي، ليعيدها إلى سياق التحرير الفعلي الذي يؤدي إلى الحل الجذري.
 
فهل لمثل هذا السؤال من جواب لدى قادة المقاومة وساسة السلطة:
ماذا إذا نجح الحوار الوطني والتقى الفرقاء على مشرع يدمج أدبيات المقاومة مع مشروع المفاوضة في منطقة وسطى وتمّ تسميتها "بالمقاوضة" ؟
 
ما هي الرؤية السياسية بعد تلك المحطة ؟
أم أن العمل السياسي يقوم على مبدأ التسويف في مقابل الانشغال بتفاصيل الإجراءات دون الانتباه للأهداف ؟
 
هل سيستمر الجميع في اللهث نحو حل الدولتين إلى حين من الدهر ؟ أم سيرفع الجميع سلاح المقاومة إلى حين من الدهر أيضا ؟ أم سيفاوض من يفاوض ويقاوم من يقاوم إلى حين من الدهر أيضا ؟ وماذا بعد ذلك الحين من الدهر –طال أم قصر-؟ وهل يمكن أن تحقق المقاومة هدف التحرير الكامل دون جيوش الأمة ؟
 
قالوا "من الحب ما قتل"، ولكن يبدو أنه "من الأسئلة ما قتل!". لأن إثارة الأسئلة الجوهرية تقض المضاجع وتقلق "الضمير" وتوقظ المخدّر.
 
فهل يستيقظ من غفل عن حقيقة أن أهل فلسطين لن يسترجعوها لوحدهم لا بالمقاومة ولا بالمفاوضة ؟ وأن مفاعل ديمونا لا يمكن أن تفككه اتفاقية سياسية ولا أن تزيله صواريخ محلية بسيطة، وأن بطولات المقاومين إن كانت في النهاية ورقة ضغط على طاولة التفاوض فهي لن تخرج عن إطار المشروع المطروح، سواء كان التفاوض على طاولة الصراع الداخلي على السلطة أم على طاولة تثبيت أقدام السلطة أمام نتن ياهو وليبرمان.
30/4/2009