الرئيسية - للبحث

 
علاء أبو صالح/عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في فلسطين
 
بتاريخ 18/4/2009 أقرّ البرلمان الصومالي بالإجماع مشروع قانون تطبيق الشريعة في الصومال والذي قدمته "المعارضة"، وسبق هذا الإقرار مطالبة الحزب الإسلامي الصومالي "المعارض" بإقرار الحكومة قانون تطبيق الشريعة كشرط من شروط بدء الحوار مع الحكومة الانتقالية التي يرأسها شريف شيخ أحمد.
 
وبتاريخ 13/4/2009 أقرّ الرئيس الباكستاني آصف علي زرداي اتفاقية تطبيق الشريعة بوادي سوات والتي أبرمتها الحكومة المحلية مع حركة طالبان باكستان وجماعة تطبيق الشريعة المحمدية حيث تضمنت بنود الإتفاقية تطبيق نظام العقوبات في الإسلام في منطقة وادي سوات التابع للإقليم الشمالي الغربي الحدودي، وعلى إثر الإتفاقية المذكورة قامت حركة طالبان باكستان بإعلان وقف لإطلاق النار.
 
وأمام هذين الحدثين المتقاربين في الدلالة والمضمون والمتباعدين جغرافياً كان لا بد لنا من وقفة نبين فيها بعض الحقائق لنجلّي صورتهما :
 
الحقيقة الأولى : إن الدعوة الى تطبيق الشريعة الإسلامية في معترك الحياة أصبحت تياراً جارفاً في أوساط المسلمين ومحط أنظارهم ومعقد آمالهم وخلاصهم، وهذا التيار بات يقض مضاجع قادة الغرب ويؤرّقهم، مما حدا ببعضهم الى البوح برفضهم لهذه الدعوة صراحة دون مواربة ولا مراوغة، ولا أدل على ذلك من تصريح رئيس الوزراء البريطاني السابق طوني بلير قائلاً : "إن تحكيم الشريعة في العالم العربي، وإقامة خلافة واحدة في بلاد المسلمين.. وإزالة نفوذ الغرب منها أمر غير مسموح به ولا يمكن احتماله البتة".
 
الحقيقة الثانية : التراجع الأمريكي عن فكرة الحرب على الإرهاب بمفهوم الإدارة الأمريكية السابقة والتي كانت دلالتها تعني الإسلام بكل أشكاله ومعانيه وبتياراته "المتشددة" و "المعتدلة" على حد تصنيف أمريكا والغرب، حيث شهدت حقبة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش إعلان الحرب على الإسلام باسم الحرب على الارهاب والتي وصفها في إحدى خطاباته بالحرب الصليبية ووصف الإسلام بالفاشي، وكانت هذه الحملة تستهدف كل ما يمت الى الإسلام بصلة بيدَ أن امريكا وجدت نفسها وجهاً لوجه في مجابهة الأمة الإسلامية بأسرها مما خلق لها الكثير من المشاكل والعديد من العراقيل أمام مخططاتها الدولية وجعل صورتها في أشد ما تكون قبحاً، مما دعاها الى اعادة النظر في هذه السياسة والحذر من استخدام مصطلحاتها، ظهر ذلك مؤخراً في تصريحات رسمية، ففي زيارته لتركيا صرّح الرئيس الأمريكي باراك أوباما قائلاً (إن أمريكا ليست ولن تكون أبدا في حرب مع الإسلام) وفي تصريح لوزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون بتاريخ 31/3/2009 لدى سؤالها عن إسقاط مصطلح "الحرب على الإرهاب"، قالت إن "إدارة أوباما توقفت عن استخدام هذه العبارة، وأعتقد أن ذلك لا يحتاج إلى شرح، هذا واضح".
 
ولسائل يسأل عن علاقة تراجع أمريكا عن فكرة الحرب على الإرهاب بمفهوم الإدارة الأمريكية السابقة بالحدثين المذكورين، وللإجابة على ذلك أقول : لم يعد خفيّاً على كل متابع لمجريات الأحداث في كل من الصومال وباكستان أن اللاعب السياسي الدولي الرئيس هناك والمتحكم في المشاريع السياسية هي امريكا وعملاؤها، فأمريكا هي من باركت قدوم شريف شيخ أحمد لرئاسة الصومال ودعمته عبر عملائها في أثيوبيا وجيبوتي والسودان علّه أن يقف في وجه حركة الشباب المجاهدين والحركات الأخرى الرافضة للنفوذ الغربي في الصومال، كما أنها هي من مكنّت آصف زرداي من رئاسة الدولة في باكستان عقب دفعها لمشرف لتقديم استقالته بعد أن أصبح بلا جدوى ويمثل تهديداً لمصالحها، فهي إلى الآن تملك مقاليد الحكم في باكستان ويسير في فلكها العديد من قادة الجيش ورئيس الوزراء وحتى بعض قادة المعارضة .لذا فقبول الرئيس الباكستاني لاتفاقية وادي سوات وإقرار البرلمان الصومالي وقبول الحكومة المؤقتة تطبيق الشريعة في الصومال يعني قبول أمريكا لهذه الاتفاقيات اتباعاً للسياسة الأمريكية الجديدة آنفة الذكر، وهذا يضفي علامة سؤال كبيرة عن مدى صدق هذه الاتفاقيات والدلالة الحقيقية لتطبيق الشريعة فيها .
 
الحقيقة الثالثة: إن امريكا تسعى عبر خداع الأطراف المحلية في كل من باكستان والصومال-بهذه الإتفاقيات- الى تنفيذ مخططاتها الاستعمارية التي عجزت عن تنفيذها بآلتها العسكرية الجبارة عبر السنين والعقود المنصرمة، ففي الصومال بقي المخطط الأمريكي الاستعماري يراوح مكانه منذ عقود ولم تفلح الآلة العسكرية الأمريكية ولا عملية إعادة "الأمل" في تنفيذ أجنداتها في الصومال وفي منطقة القرن الأفريقي الذي ينضح بما فيه من الخيرات الهائلة والثروات الدفينة. لذا عمدت أمريكا مؤخراً الى استخدام بعض الرموز الإسلامية وبعض التيارات التي تدعو الى تطبيق الإسلام-بحسن نية وجهل سياسي أو بسوء نية وتبعية- لتمرير مخططاتها وتنفيذ مشاريعها هناك .
وكذا الحال في باكستان فلقد أرهقت القبائل القاطنة في وادي سوات والتي ترتبط مع أفغانستان ارتباطاً وثيقاً أرهقت أمريكا وشركاءها في الحرب على الإرهاب في المنطقة (حكام باكستان)، وأفشلت مخططاتها طوال السنوات الثماني المنصرمة لذا رأت أمريكا أن تطلب من الرئيس الباكستاني إقرار هذه الاتفاقية علّها أن تساهم في استتباب الأمر في باكستان الى حين استكمال الاستعدادات العسكرية الأمريكية لشن هجوم عسكري واسع النطاق على طالبان في أفغانستان الصيف المقبل ولئلا ينشغل الجيش الباكستاني عن هذه الجبهة بجبهة أخرى .
 
الحقيقة الرابعة : من إطلالتها المغلّفة بعبارات التغيير والدبلوماسية الناعمة والوجه الضاحك المبتسم يبدو ان الإدارة الأمريكية الحالية أخذت بتوصيات مراكز الأبحاث والدراسات والمعروفة لديهم بـ(Think Tanks) والتي أوصت بضرورة استغلال ما يسمى بالاسلام المعتدل في مواجهة التيارات الأصولية المتشددة حيث أوصت مؤسسة راند للأبحاث في تقرير لها بعنوان : "الاسلامُ المدنيُ الديمقراطيُ: الشركاءُ و المواردُ و الاستراتيجيات" بضرورة دعم الاسلاميين المعتدلين أو العصرانيين ليقفوا سداً منيعاً ضد الأصوليين المتطرفيين -على حد تسميتهم- كما أوصت في تقريرها المسهب والمفصل الى أساليبَ لحرب الحركات الإسلامية التي تسعى لإيجاد الخلافة وصنفت المسلمين الى أربعة أصنافٍ: أصوليين وتقليديين وحداثيين وعلمانيين وارشدت الى ضرورة دعم التقليديين والعصرانيين لصد موجة التيار الإسلامي الأصولي ومما جاء في تقريرها حول المسلمين الأصوليين (يجب محاربتهم واستئصالهم والقضاء عليهم وأفضلُهم هو ميّتُهم لأنّهم يعادون الديمقراطية والغرب ويتمسكون بما يسمى الجهاد وبالتفسير الدقيق للقرآن وانهم يريدون أن يعيدوا الخلافة الاسلامية ويجب الحذرُ منهم لأنّهم لا يعارضون استخدامَ الوسائل الحديثة والعلم في تحقيق أهدافهم وهم قويوا الحجّةَ و المجادلة.) ،وتبع هذه الدراسة دراسة استكمالية من نفس المؤسسة بعنوان " بناء شبكات من المسلمين المعتدلين في العالم الإسلامي" ، وفي نفس السياق كتب جوشوا مورافشيك الباحث بمعهد أمريكان إنتربرايز وشارلز بي. سزروم الباحث المساعد بالمعهد نفسه، دراسة تحت عنوان “محاولة للبحث عن الإسلاميين المعتدلين”نُشرت في مجلة كومنتري الأمريكية عدد فبراير 2008، لذا ترى الإدارةُ الأمريكيةُ اليومَ أن لا مانعَ لديها من أن يصلَ الى سدةِ الحكمِ في البلاد العربيةِ و الإسلاميةِ حركاتٌ إسلاميةٌ عصريةُ الفهم معتدلةُ الرؤيا أي تفهمُ الإسلامَ على المنهج الأمريكي الليبرالي، بل إن وصول الإسلاميين "المعتدلين" لسدة الحكم أصبح ورقة تستخدمُها للمناورات السياسية ولخدمة أغراضها وأهدافها السياسية ، ودعم أمريكا المنقطع النظير لحزب العدالة والتنمية ذي الصبغة الإسلامية "المعتدلة" خير مثال على هذه السياسة .
 
الحقيقة الخامسة : إن تطبيق الشريعة وتحكيم الإسلام لا يصلح إلا في ظل دولة إسلامية حيث يعني تطبيقها صياغة الحياة بجميع جوانبها وفق أحكام الشرع ويعني تطبيقها أن تكون العلاقات والسياسة الداخلية والخارجية دقيقها وجليلها وفق أحكام الإسلام ويعني تطبيقها أن يكون للمسلمين جميعاً دولة واحدة وخليفة واحد ويعني تطبيقها أن يحمل الإسلام رسالة خير وهدى الى الأمم والشعوب الأخرى بالدعوة والجهاد ويعني تطبيقها الانعتاق من التبعية الغربية ونبذ المؤسسات الدولية والإقليمية الاستعمارية كالأمم المتحدة ومنظمة دول حوض المتوسط والجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي ومنظمة التعاون الإفريقي، وهذا -كله أو جزؤه- لا يتوفر في كلا الاتفاقيتين المذكورتين.
 
الحقيقة السادسة : إن على المسلمين جميعا وعلى الحركات الإسلامية على وجه الخصوص أن يدركوا بأن الأمة الأسلامية باتت قاب قوسين أو ادنى من تحقيق مشروعها النهضوي الشامل عبر إقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة والتي ستصوغ الحياة كلها وفق أحكام الشريعة والاسلام دون سواها، وان يدركوا ان عودة أمريكا والدول الغربية الإستعمارية الى سياسة نيكسون بركوب موجة التيار الإسلامي لم تكن إلا لأنها آخر سهامهم لذا فلا بد للمسلمين وللحركات الإسلامية ان تعي على مخططات القوى الإستعمارية وان لا تقبل بأنصاف الحلول او جزئها وأن تأخذ حذرها لئلا تكون دعامةً للأنظمة المهترئة في العالم الإسلامي وسنداً للنفوذ الغربي المتداعي وعثرة في سبيل عودة الدولة الإسلامية بل إن الواجب يلقي على عاتقهم أن يكثفوا الجهود مع الساعين المخلصين لتحقيق تطبيق الشريعة والإسلام في كل مناحي الحياة في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية التي بات تحققها أقرب من طرف العين بإذن الله .
20/4/2009