الرئيسية - للبحث

مشروع السلطتين الفلسطينيتين-3:

أنابوليس يكشف أنياب السلطة المسعورة والمتواطئة

الدكتور ماهر الجعبري

 

بعد توريط حركة حماس في وحل السلطة الفلسطينية التي انبثقت عن اتفاقية أوسلو، في ظل سعي القوى الدولية للحصول على اعتراف بحل الدولتين تحت الشعار الإسلامي (بعد الاستخذاء الكامل للشعار العلماني)، تماشت الرموز الرسمية في حماس مع متطلبات المرحلة التي كانت سائرة في سياق خارطة الطريق الأمريكية، وباشرت مرحلة من تمييع الخطاب السياسي. ولكن احتدام الصراع الدموي على السلطة تحت وقع الخلفيات والخلافات الفصائلية، ومع محاولات أوروبا الجديدة للدخول على خط القضية عبر اللاعبين الجدد على الساحة الرسمية، أدى إلى تعطيل خطة أمريكا وعرقلة متابعة تنفيذ خارطة الطريق، وفشلت المحاولة السعودية الأولى في اتفاق مكة (شباط 2007) لتحريك مسار الحل السلمي بإشراك حماس. وبعد إراقة دماء أفراد الأجهزة الأمنية من فتح ورجالات السلطة في غزة، ردّت حكومة فتح بإراقة الدماء في الضفة الغربية وفي أقبية سجون السلطة، وصارت السلطة سلطتين، تسعى كل منهما إلى تحقيق الديمومة المالية والحضور الدولي والعربي.

وفيما انشغل الفريقان في الصراع على الشرعية وعلى السلطة، استمر انبطاح سلطة رام الله لتحقيق متطلبات الأمن "الإسرائيلية"، وتنظيف وسطها السياسي مما ليس أمريكيا. ثم أخذ الجنرال الأمريكي ديتون يدرب الأجهزة الأمنية لتعزيز المشروع الأمني الذي أرادته أمريكا منذ دخلت على خط اتفاقية أوسلو، وهو الدور الذي أسست له في اتفاقية أوسلو 2، وتوجّته في اتفاقية واي ريفر عام 1998. وكان ديتون قد تسلم مهامه في الضفة الغربية بعد سيطرة حماس على غزة في تموز 2007.

ثم بدأت أمريكا تحرك المشهد السياسي على الساحة الدولية بعيدا عن غزة، وتمثلت التحركات السياسية الجديدة باستخدام الأداة القديمة، وهي عقد المؤتمر الدولي للسلام. ودعا الرئيس الأمريكي بوش الابن إلى مؤتمر أنابوليس للسلام في الشرق الأوسط. وأعلنت "لجنة المبادرة العربية" قبول الدعوة الأمريكية للحضور على مستوى وزاري للبحث في عملية السلام، وبيّنت اللجنة أن مشاركتها تأتي في إطار المرجعيات المتمثلة في قرارات الشرعية الدولية، وخريطة الطريق، ومبادرة السلام العربية.

وانعقد مؤتمر أنابوليس في 27/11/2007 بحضور مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي، وحضور شهود الزور من الأنظمة العربية، ومن ضمنهم سوريا (الممانعة!) التي بررت قبول حضور المؤتمر بأن أمريكا وافقت على إدراج بند حول الجولان ضمن جدول الأعمال، مع العلم أن أمريكا كانت تصر دائما على مبدأ تلازم المسارات، وهو ما أكدته في المبادرة العربية (أمريكية المصدر). أما السعودية فبررت ذلك بأنها لا تخالف الإجماع العربي، مع أنها في الحقيقة كانت عرابة الاعتراف "بإسرائيل" والتطبيع عندما دفعت المبادرة العربية للسلام في بيروت عام 2002.

وكان مؤتمر أنابوليس حفلة تطبيع عربي رسمي مع "إسرائيل"، وتم إخراجه كمؤتمر علاقات عامة هدف إلى تهيئة الأجواء للمفاوضات التي تليه. وأرادت أمريكا من خلاله التخفيف من وقع مأزقها في مستنقع العراق وأفغانستان، ضمن محاولاتها لإعادة تعمير علاقاتها الدولية وتحسين صورة بوش أمام منافسيه داخل أمريكا. أما على "الجانب الإسرائيلي"، فقد وفّر المؤتمر فرصة لرفع أسهم أولمرت داخليا، بعد فشله الذريع في جنوب لبنان أمام تصدي رجالات المقاومة لقواته ودحرهم للجيش "الإسرائيلي" عام 2006.

وأدرك أهل فلسطين تلك الغايات السياسية الوسخة خلف المؤتمر. وعلى تلك الخلفية، دعا حزب التحرير إلى مسيرات في أنحاء الضفة الغربية ضد مؤتمر أنابوليس، وذلك ضمن حالة من الاستنكار العام لدى أهل فلسطين، فتصدت أجهزة السلطة القمعية للمحتجين والمتظاهرين بعنف دموي غير مسبوق، وتجرّأ أفرادها (من الملثمين وغير الملثمين) على إطلاق الرصاص الحي على صدور أهل فلسطين، وتواقحت لتتوج مكائدها السياسية بجريمة قتل الشهيد –بإذن الله- هشام البرادعي الذي سقط في مسيرة الخليل، ليكون شهيد كلمة الحق تحت قمع السلطة، وسبقه –وتبعه- عدد من الشهداء-بإذن الله- من حركة حماس (منهم الشيخ مجد البرغوثي رحمه الله)، الذين قضوا تحت قمع الأجهزة الأمينة المسعورة، والمستفزة بما حصل من إراقة دماء في غزة، والتي كانت مسكونة بهواجس التخوف على مشروعها السلطوي المتهاوي، والتي صارت تتحرك تحت إمرة الجنرال الأمريكي المتغطرس ديتون، وهو يعدّها ويدربها على طريقته، ويشحنها نفسيا بمنطق الحرب الأمريكية على الإرهاب، وذلك في أجواء الصراع الفصائلي.

وانقضى مؤتمر أنابوليس دون مخرجات عملية، إلا فيما يتعلق برسم الخطوط الأمريكية العامة، كما صرّح جيمس برادلي مستشار بوش للشؤون الأمنية في 3/1/2008، عندما قال أن "هناك ثلاثة مسارات انطلقت في أنابوليس: الأول المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين لإيجاد إطار اتفاق بخصوص الدولة الفلسطينية، والثاني تطبيق خارطة الطريق، والثالث بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية"، وقال مفصلا "إن زيادة قدرات قوات الأمن الفلسطينية هي جزء من بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية والقيام بالتزاماتها بموجب خارطة الطريق لتوفير مزيد من الأمن". ولا شك أن تلخيص برادلي للموقف هو مفتاح فهم المرحلة التي تلت مؤتمر أنابولس على مستوى السلطة الفلسطينية.

وكانت أوروبا منذ البداية هي الراعية المالية لمشروع السلطة الفلسطينية، لذلك سارعت بعد مؤتمر أنابوليس لعقد لمؤتمر باريس لمانحي السلطة في كانون الأول 2007، وتعهد المانحون فيه بتقديم 7 مليارات من الدولارات لسلطة رام الله جريا على سياسة الجزرة، وذلك من أجل إغراء أهل فلسطين وجرهم نحو قبول الحلول السلمية ونحو مشروع التنازل عن الأرض. ومكّن المؤتمر أوروبا من الدخول من جديد على خط القضية عبر وعود التمويل.

إلا أن وعود مؤتمر باريس للتمويل ظلت حبرا على ورق، ولم يف المانحون بالتزاماتهم –كما أعلنوها- وخصوصا بعد الأزمة الاقتصادية العالمية التي عصفت بالدول الكبرى بعد أشهر من مؤتمر باريس للمانحين (في العام 2008)، وهي التي اُعتبرت الأسوأ من نوعها منذ أزمة الكساد الكبير عام 1929. وظل الرأي العام الفلسطيني رافضا لمسار الحلول السلمية، فيما استمر حصار غزة لمزيد من الضغط نحو التركيع.

ومع مطلع العام 2008، كانت أمريكا قد دخلت مرحلة البطة العرجاء في سنتها الانتخابية: وتحرك بوش في جولة علاقاتية على عدد من دول المنطقة، في متابعة لما كان قد باشره في مؤتمر أنابولس، وركّز في جولته على الجوانب الأمنية خدمـة "لإسرائيل"، وعلى دفع المشروع الأمني في السلطة وعلى طمأنة "إسرائيل" على أنه لن يسمح لإيران بان تمتلك أسلحةً نوويةً، وكانت جولته وتصريحاته تصب في خدمة الحملة الانتخابية لحزبه الجمهوري من أجل كسب أصوات اللوبي اليهودي. ثم زار بوش الضفة الغربية ليعاين بنفسه عملية بناء مؤسسات السلطة الفلسطينية بما يضمن "تطهير" تلك المؤسسات من كل من ليس أمريكي الولاء والمواقف.

ثم إن بوش اجتمع –في تلك الزيارة- بشكل منفرد مع سلام فياض، مما كشف عن المكانة الخاصة لفياض ضمن الأجندة الأمريكية، ومما أشار إلى أهمية دور فياض في المرحلة الجديدة. وصار فياض "رمزا" بارزا في مشروع السلطة الفلسطينية، مع أنه أُدخل إلى ساحة القضية على حين غرة عبر البوابة الأمريكية.

هذا في الضفة الغربية أما في غزة، فبعد أيام من زيارة بوش للمنطقة (15/1/2008) حركت "إسرائيل" ماكينة القتل المستحر ضد أهل غزة في ظل صمت مقيت من الأنظمة العربية التي دخلت في حالة موت سريري، بل ومن السلطة الفلسطينية ذاتها، التي وقفت رجالاتها تتفرج على مذابح أهل غزة وكأن الأمر لا يعنيها، بينما كانت تحكم الطوق على أهل فلسطين، وتمنعهم من مجرد التعبير السياسي الجماهيري ضد ما يجري.

وهكذا تلخص المشهد بعد انشطار السلطتين، في مشروع أمني تصاعد فيه القمع الوحشي في الضفة الغربية تحت إمرة الجنرال ديتون، مع حراك علاقاتي أمريكي عبر مؤتمر أنابوليس وتحركات بوش، ومحاولات أوروبية للحضور السياسي عبر مؤتمر باريس، وتسخير اللاعبين الجدد، فيما ظلت الأبواب موصدة أمام الدفع العملي للحلول الأمريكية، رغم مباشرة حماس لغة خطاب سياسي مقبولة عالميا.