الرئيسية - للبحث

دكتاتورية " الأقلية الديمقراطية"

د.مصعب ابو عرقوب

تغيرت مفردات النقاش بعد الربيع العربي لتطال مصطلحات عميقة كالدستور وشكل الدولة والأغلبية والأقليات  وغيرها من المصطلحات الجديدة ، لتعكس بذلك حالة الحراك الفكري التغييري الذي يجتاح الأمة التي سبقت بتحركها وعراقة أفكارها المتجذرة في صدور شعوبها كل المتحذلقين و المضبوعين بالثقافة الغربية البعيدة عن أصالة الشعوب التي تحركت في ميادين التحرير تستنشق عبق مجد و تحرر افتقده عبر عقود التبعية العجاف ،لتنفث الجماهير  بهتافات  " ارفع رأسك " و "علي صوتك" حمما تعبر بها عن اعتزازها بنفسها واستعادة ثقتها بشبابها وقدرتها على التغيير وصناعة مستقبل واعد .

وبتلك الهمة العالية والثقة بثقافتها و صلاحية مبدئها كدستور ونظام حكم وطريقة عيش تختلف عن الغرب ، انتخبت تلك الشعوب الثائرة من قدموا أنفسهم على مر السنين  بأنهم يريدون تطبيق الاسلام وإعادة الحياة الاسلامية بنظمها وتشريعاتها وعدلها وعزتها إلى حيز الوجود عبر إقامة دولة إسلامية ، وانحازت شعوب الربيع العربي بمشاعرها الإسلامية النبيلة إلى من أحسنت بهم الظن ليوصلوها لذلك النموذج الذي يسكن عقول وقلوب الشعوب في بلادنا ، نموذج يتطابق مع أصالة افكارها وعراقتها ويؤرخ لمجدها وعزها ،فاختارت الشعوب الإسلاميين وانتخبتهم لتوصلهم الى سدة الحكم بأغلبية ساحقة .

أغلبية احتار دعاة الديمقراطية في تسميتها ووقفوا أمام "ديليما"... أو معضلة محرجة،  فإما أن يعلنوا عدم رضاهم بخيار الشعوب وفي ذلك  "كفر بالديمقراطية "التي يدينون بها ،أو يستسلموا لخيار أمة تريد العودة لمبدئها فتذوب الديمقراطية وتنتهي في بلاد الإسلام .

وفي خضم ذلك الحراك الفكري  وقف دعاة الديمقراطية ليعلنوا أن الأغلبية التي انتخبت الخيار الإسلامي  " أغلبية غير ديمقراطية " فلا يجوز لها أن تفرض خياراتها على بقية الشعب وعلى الأقلية التي وبنفس المنطق ينطبق عليها تسمية " الاقلية الديمقراطية " ، وبذلك تناقض دعاة الديمقراطية مع أس مبدئهم وانقلبوا على ما يعتقدون به من أحقية الاغلبية في الحكم " وسن القوانين " وفرض طريقة معينة من العيش ترتضيها الأغلبية لنفسها ، وأصبح في منطقهم الدكتاتوري التسلطي فرض رؤية " الأقلية الديمقراطية " طريقة عيش على الأغلبية هو عين المنطق و التحضر و الطريقة الوحيدة للتقدم والنهوض.

طريقة تريد تلك "الأقلية الديمقراطية" فرضها على الأغلبية التي تؤمن بطريقة اخرى للعيش و وضعت خياراتها وأمانيها  في صناديق الاقتراع علها توصل  تلك الأماني في التحرر و الانعتاق من التبعية للمستعمرين إلى موقع القوة والتنفيذ ،فالإسلام كطريقة عيش تتناقض في جوهرها ومضمونها وتجلياتها مع الأفكار الديمقراطية التي تجعل التشريع للبشر وتطلق العنان للشهوات والتفلت والشذوذ تحت مسمى الحريات الشخصية.

حريات قيدها الاسلام بالأحكام الشرعية التي تشكل منظومة راقية تصاغ ضمنها حياة الأمة وأسلوب عيشها بما يضمن صلاح الفرد والمجتمع على حد سواء  ، فطريقة اللبس والإحتشام والزواج والأحكام المنظمة للأسرة  والميراث والنفقة وأنواع الملكية وأسبابها ، وشكل الدولة وأجهزتها ومناهج التعليم فيها ، وسياستها الخارجية والداخلية وعلاقتها بغيرها من الدول،وتوزيع الثروات على الأمة ،وكيفية استعادة الحقوق وتحرير الأرض والمقدسات ،وحمل الإسلام رسالة للعالم ..كل ذلك مقيد بنظام خاص منبثق عن عقيدة الأمة ومبدأها ،ذلك الإسلام هو الذي تريده الأمة وهو الحصن لهويتها والحامي لعقيدتها وأفكارها وقيمها، ذلك مطلب الأغلبية وصوتها الذي عبرت عنه في الإنتخابات بعد الثورات .

 إلا أن الغريب أن صوت تلك الأقلية الديمقراطية كان أقوى وأكثر نفوذا من صوت أغلبية الشعب ، فالإعلام تهيمن عليه تلك الأقلية " الديمقراطية " ،والعسكر لا يفكر إلا في خياراتها وحماية مشروعها المتمثل في " الدولة المدنية " والوصاية على " صياغة الدستور " وحفظ حقوق تلك الأقلية ، و " الزعماء الجدد"  الذين أفرزتهم تلك الانتخابات انقلبوا على "الأغلبية غير الديمقراطية " أي على خيارات الأمة التي انتخبتهم ، وأصبح جل همهم إرضاء  تلك الأقلية والإنصياع لإملاءاتها والتعهد لها بان الأغلبية غير الديمقراطية بل والأمة كلها ستعيش على الطراز الذي تحدده تلك الأقلية المتنفذة والقوية لدرجة الدكتاتورية والتسلط.

تلك الدكتاتورية و ذلك التسلط الذي اكتسبته  " الأقلية الديمقراطية " عبر عقود من علاقة آثمة مع الأنظمة السابقة  التي كانت تشاركها الحكم والمناصب والثروة و مراكز النفوذ وتشكل فريق المعارضة الدستورية للنظام في اللعبة الديمقراطية لإضفاء الشرعية على النظام وأهله من الطغمة  الحاكمة .

 وتعدى دورها في أواخر عصر الأنظمة المنهارة حتى أصبحت "الخيار الديمقراطي" للغرب المستعمر بعد احتراق الأنظمة المتهالكة أمام شعوبها ، فكانت تلك الأقلية الديمقراطية بما تجسده على الأرض من مؤسسات مجتمع مدني ومراكز بحوث وتجمعات شبابية ونواد اجتماعية كانت بمثابة عصى بيد المستعمر الغربي مسلطة على تلك الأنظمة والزعماء لضمان تبعيتهم للغرب من جهة والإحتفاظ بالخيار الديمقراطي من جهة أخرى كورقة لاستبدال ما احترق من أوراق الأنظمة والزعماء التابعين لها .

وباحتفاظها بتلك العلاقة المزدوجة مع الأنظمة والغرب أصبح لتلك الأقلية نفوذ خشيته الأنظمة وتفانت في إرضائها ،  ذلك لأنها البديل إن هبت رياح التغيير ،وعصى بيد الغرب يلوح بها دائما ،فهي تعيش في كنف ثقافته وتحت حمايته وتموليه ،وهي ليست "إرهابية" فلا يستطيع أن يصفها النظام بالتطرف والأصولية ليعتقلها أو يقتلها أو يقمعها ويجفف منابعها إن ضجت في وجهه وعارضته  في مسرحيات المعارضة واعتصاماتها وكثرة انتقاداها  فتلك الأقلية  وقبل كل شيء... ديمقراطية !!.

ديمقراطية...وهي ذات الكلمة السحرية التي جعلت لتلك الأقلية نفوذا حتى بعد سقوط تلك الطغمة الحاكمة ،  فالنظام لم يسقط وبقي ديمقراطيًا ، ومن وصل للحكم بالأغلبية تنكب لها وخاطب ود الغرب المستعمر الذي ما زال متنفذا في بلادنا عبر بعض رجاله في المؤسسات العسكرية والجيوش وعبر  ما وضعه من أنظمة " ديمقراطية " تضمن بقاء رجاله وتابعيه في السلطة.

  ولم يجد" الزعماء الجدد" المنتخبون  قناة لمغازلة الغرب إلا عبر ذلك البديل للأنظمة  الذي صنعه وجهزه عبر عقود في بلادنا متجسدا بتلك الأقلية الديمقراطية ،فعادت تلك الأقلية  لتفرض وبشكل دكتاتوري قبيح مشروعها الغربي وارتباطها السياسي والاقتصادي بالغرب المستعمر لتشكل استنساخا مفضوحا للأنظمة التي ثارت عليها الشعوب وملاذًا أخيرا لربط بلادنا بالمستعمر الغربي الطامع .. في تجاهل واضح لرغبات الأغلبية و شوقها في الانعتاق من كل تبعية وارتهان للمستعمر .

وأصبحت الأغلبية بذلك المنطق  غريبة مُخَطأةً في خياراتها ،فالحرية و الإنعتاق والعيش بطراز آخر ليس خيارا ضمن تلك المنظومة الديمقراطية التي ثارت عليها الشعوب ،والأغلبية وإن اختارت العيش بطريقة لا تتفق مع الغرب ومعتقداته وطريقة عيشة ونظام حكمه فإنها تحارب ويشكك في صحة خياراتها ،وتوصف بعدم الوعي ويتمادى بعض المنضبعين بثقافة الغرب وديمقراطيته فيصفون الشعوب بالتخلف و الأمية ليفرضوا على الأمة الوصاية، ذلك أن الأمة وحسب منطقهم الغريب الشاذ....أغلبية "غير ديمقراطية " .

إلا أن مصطلح الأغلبية غير الديمقراطية الذي تفتقت عن أذهان تلك الأقلية المتنفذة يضع النقاط على الحروف إن أُخذ على محمل الجد من ناحية فكرية ولم يبق في إطار الأعذار الواهية التي تقدم لتغيير خيارات الأغلبية والالتفاف عليها  وتكبيل إرادة الشعوب ومنعها من العيش بالطريقة التي تريد .

 فالمصطلح يوضح معالم الصراع الحقيقي ، فالأغلبية غير الديمقراطية لا تدين حقا بالديمقراطية ،ولا تريد أن تعيش في ظل نظام ديمقراطي يستنسخ النظام الذي ثارت عليه ، ولا ترغب في المحافظة على نفوذ الغرب  وفلوله وشركاته الرأسمالية التي تنهب ثروات البلاد وتستعبد أهل البلاد  .

فأهل البلاد الذين يشكلون " الأغلبية غير الديمقراطية " لا يرون في الديمقراطية الغربية الوحشية  نموذجا إنسانيا يحتذى ،ولا يرون في الأنظمة الديمقراطية التى ثاروا عليها إلا الظلم والتبعية والفقر والذل والمهانة ، ولا يرون في الأقلية الديمقراطية إلا مجموعة من فلول الأنظمة السابقة والمعتاشين على تمويل الغرب والمرتبطين بتنفيذ خططه ومؤامراته التي تضمن مصالحه ونفوذه في بلادنا.

وتلك الأقلية تضم في ثناياها كل  المضللين و المضبوعين بثقافة الغرب والمنسلخين عن أمتهم وثقافتها وكل اولئك الخائفين من التغيير من "المعتدلين" ،أو من ينتظرون الخيانة للغرب ليصلوا على دباباته ليحكموا تلك الشعوب التي إن اختارت ما تريد أصبحت تسمى ..."أغلبية غير ديمقراطية " .

لكن تلك الأغلبية تحركت وانتفضت ومازالت تنهض ،وينزل شبابها إلى ميادين التحرير ليعيدوا صياغة عالمهم غير الديمقراطي في دولة واحدة ..دولة الخلافة التي ستحكمهم بأحكام غير ديمقراطية ، أحكام منبثقة من عقيدتهم التي آمنوا بها وتربوا عليها بشريعة وأنظمة سامية تلقتها الامة من نبي أمي  لا ينطق عن هوى بشر أو ثقافات شيطانية استبدادية بل هو وحي من الخالق العلي القدير.

وحي نزل للبشرية بأنظمة بعيدة عن الشهوات والنزوات والتخبط والمادية والتسلط والقهر والظلم ،فطبقت تلك الأنظمة على مدى عقود عاشت فيها الإنسانية أبهى عصورها في ظل حكم الإسلام العادل الذي ضمن لكل مواطنيه بغض النظر عن أديانهم العدل والأمن والرفاهية والعيش الكريم ، وما لم تقام تلك الدولة الواحدة الموحدة لآمال الأمة الثائرة ويصاغ ذلك العالم الذي ينزل شباب الأمة إلى ميادين التحرير لصنعه ..فالأغلبية ستبقى دوما غير ديمقراطية...والثورة يجب أن تستمر .

19-10-2012