الرئيسية - للبحث

قضية فلسطين-14

عقدة الجولان بين التجميد والتجديد

الدكتور ماهر الجعبري

ضمن سلسلة "قضية" فلسطين، يستكمل هذا المقال عرض المشهد السياسي على الساحة الدولية والذي أعقب مرحلة إنشاء السلطة، مركزا على مفاعيل المسار السوري وانعكاساته، ويأتي نشره متزامنا مع إسقاط القوات السورية لطائرة تركية اخترقت الأجواء السورية فيما ظل النظام السوري صامتا أمام احتلال الجولان.

تابعت قيادات السلطة والمنظمة مسيرة الانبطاح الأمني، وتمكنت من تحويل قضية فلسطين إلى مشروع حكم ذاتي يعفي ذلك الاحتلال من مسؤولياته. وكانت أمريكا تعمل على تحقيق السلام على كافة المسارات لتحقيق السلام الشامل حسب مبدأ "تلازم مسارات الحل"، وغايتها النهائية إقامة دولة فلسطينية عازلة، وتحجيم "إسرائيل" وفق رؤيتها بحل الدولتين عبر بقية المسارات. وتمثلت عقدة الحل الشامل عندها في قضية الجولان وليس بالمسار الفلسطيني أو اللبناني. أما رابين فقد كان أعلن في خطاب نيل الثقة في الكنيست "الإسرائيلي"، أن برنامجه يقوم على محاولة التوصل إلى حلول منفردة مع كل طرف عربي على حدة. ولذلك أنجز الاتفاق مع الفلسطينيين ومع الأردنيين كل على حدة، وهو ما أحبط مسعى أمريكا من التوقيع المتزامن على سلام شامل. وكانت بريطانيا تسير مع حزب العمل في الوجهة نفسها من باب مماحكة أمريكا. ثم تتابعت القمم والمؤتمرات والاتفاقيات على المسار الفلسطيني ترسّخ واقع السلطة الفلسطينية كمشروع أمني يحمي الاحتلال اليهودي، وظلت "إسرائيل" تكبّل المنظمة بمزيد من الشروط والقيود الأمنية، وتربط تنفيذ بنود الاتفاق وتربط توسّع نطاق السلطة بمدى تجاوب رجالات المنظمة مع مهمة سحق الرافضين للاتفاقات السلمية وباستكمال الجريمة.

وظل المسار اللبناني تلقائيا مرتبطا بالمسار السوري، وظل لبنان يربط التقدم في مباحثاته مع "إسرائيل" بالتقدم على المسار السوري، رغم محاولة بريطانيا لإيجاد حل منفرد مع لبنان (تحت شعار لبنان أولًا)، وذلك على غرار ما حصل مع الأردن ومع الفلسطينيين، ولكن أمريكا نجحت في عرقلة أي تقدم على المسار اللبناني حتى تحين الفرصة على المسار السوري.

ولم تكن المفاوضات تحقق تقدما –عمليا- يذكر على المسار السوري، وكان اليهود يفسرون قرار الأمم المتحدة رقم 242 بأنه يعني الانسحاب من أراض (نكرة)، وأن لهم الحق بالبقاء في مواقع أمنية إستراتيجية للحفاظ على أمنهم، بينما كانت أمريكا تعمل على دفعهم للانسحاب من الجولان لكي تهيمن هي عليه، ومن أجل زرع قوات أمريكية على وضع يشبه ما حصل في سيناء المصرية. وتتابعت التصريحات الأمريكية تؤكد هذا الموقف، فمثلا قال سفير أميركا لدى "إسرائيل" في 10/2/1997 "لا أعتقد بوجود أي احتمال كان... للتوقيع على اتفاق سلام بين سوريا وإسرائيل لا يتضمن انسحاباً كاملاً" من الجولان (مجلة الوعي-العدد 118).

 وكانت سوريا تصر على مبدأ السيادة السورية على الجولان، وعلى الانسحاب اليهودي الشامل منها، خوفا على النظام من الانكشاف أمام الشعب والتهاوي. وفي الوقت نفسه، كانت سوريا تتماشى مع فكرة الترتيبات الأمنية الأمريكية في الجولان، بما يحقق مصالح أمريكا في السيطرة على الجولان. ولذلك كانت تتجاذب المسار السوري في الحقيقة ثلاثة أطراف، وكان هنالك صراع جلي على المصالح بين أميركا وإسرائيل. صحيح أن رابين يسير مع أمريكا سياسيا، إلا أنه –كحال قادة "إسرائيل"- يحاول أن يقدم مصلحة دولته على مصالح أمريكا.

وتبيّن أنه حصل التقاء "إسرائيلي"-أمريكي على موضوع الجولان، عندما نقلت الأوساط السياسية في شباط 1993 (عن النائب عن حزب الليكود نتنياهو) أن رابين يعدّ "خطة لانسحاب كامل من الجولان بالتعاون مع الولايات المتحدة"، وذلك على مرحلتين، ويتم في المرحلة الثانية نشر قوات أمريكية في المواقع التي تخليها "إسرائيل" (مجلة الوعي-العدد 70-71 نقلا عن وكالات أنباء). وهو ما يحقق بالطبع أمن "إسرائيل" كون أمريكا تعتبره من أمنها.

وعندما زار رابين أمريكا في بداية العام 1994 –وهو المعروف بسيره مع أمريكا- تماشى مع سياسة الترغيب الأمريكية، ووافق على مبدأ الانسحاب من الجولان، وربط ذلك بموافقة الكنيست "الإسرائيلي" وبإجراء استفتاء شعبي. وقد أكد الرئيس الأمريكي كلينتون في مذكراته استعداد "إسرائيل" للانسحاب إذ ذكر كلينتون:0 "وقبل أن يقتل إسحاق رابين كان قد أعطاني تعهداً بالانسحاب من الجولان إلى حدود الرابع من حزيران (يونيو) 1967، في حال تحققت مطالب إسرائيل. وقد أعطاني ذلك التعهد بشرط أن أبقيه سراً حتى يحين موعد طرحه رسمياً على سوريا في سياق التوصل إلى حل شامل... بعد موت إسحاق، أكد شيمون بيريز ثانية على الالتزام بذلك التعهد، وبناء على هذا التأكيد قمنا برعاية المحادثات بين السوريين والإسرائيليين عام 1996 في منطقة واي ريفر. وقد أرادني بيريز أن أوقع على معاهدة لضمان أمن إسرائيل إذا ما تنازلت عن الجولان".

وهذا التعهد ما صار يعرف لاحقا بوديعة رابين. وقد سرد المؤرخ والصحفي البريطاني باتريك سيل، (كاتب السيرة الذاتية للرئيس السوري حافظ الأسد) تفاصيل المفاوضات السرية التي دارت بين سوريا وإسرائيل بين عامي ١٩٩٣ و١٩٩٥ تحت رعاية الرئيس الأمريكي، بما يؤكد التفاهم حول وديعة رابين. وتحدث سيل عن تبادل رسائل بين رابين والأسد عبر وزير الخارجية الأمريكية آنذاك وران كريستوفر، أكدت التزام انسحاب "إسرائيل" إذا تحققت  طلباتها بالأمن والتطبيع.

وجدد دينيس روس مسئول الشرق الأوسط في وزارة الخارجية الأمريكية في كانون أول ١٩٩٥ الحصول على تعهد بيرز حول وديعة رابين، وأبلع الأسد بذلك. وتجددت المحادثات السورية-الإسرائيلية على أساس تلك الوديعة، ولكنها تعطلت مطلع العام ١٩٩٦ عندما اغتالت إسرائيل المجاهد يحيي عياش رحمه الله، وعندما ارتكب بيرز مجزرة قانا في لبنان. ثم تراجعت وديعة رابين مع قدوم نتياهو لرئاسة الحكومة الإسرائيلية، ومع ذلك ظلت قابلة للمتابعة فيما بعد (حقيقة "وديعة رابين" بالانسحاب إلى حدود ٦٧).

وحاول كلينتون ترويض نتنياهو طيلة سنوات النصف الثاني من عقد التسعينات، ولكن نتنياهو ظل عنيدا وتعامل بعجرفة، وتجسّد فيه تمرد "إسرائيل" على دور الأداة للمصالح الأمريكية، على خلاف رابين الذي كان يتماشى مع الأمريكان، وكان قد تعهد بالانسحاب حسب وديعة رابين.

لم يعترف نتنياهو بوديعة رابين، وصار يتحدث عن قدرته على قهر إدارة الرئيس كلينتون (يديعوت أحرونوت في 8/3/1998). وشدّ من عضد نتنياهو وجود وزراء متطرفين وأغلبية في الكنيست تعارض الانسحاب من الجولان، إضافة لذلك فقد تمخضت نتائج استطلاع الرأي العام اليهودي في شباط 1997 أن حوالي 75% من اليهود يعارضون الانسحاب الكامل من الجولان.

ومع هذا العناد "الإسرائيلي"، استمرت هرولة الأنظمة العربية نحو التطبيع، فعقدت قطر "المؤتمر الاقتصادي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا" عام 1997، رغم معارضة بعض الحكام من عملاء أمريكا ومنهم النظام المصري. وكان ذلك التطبيع يخدم نظرية بيرز في الاختراق الاقتصادي، وكانت بريطانيا (والدول الأوروبية) تدفع نحوه في سياق رؤيتها للحل، ومن أجل الخروج على السكة الأمريكية التي ربطت الحلول بتلازم المسارات.

قادت تطورات المشهد "الإسرائيلي" إلى تراجع المسار السوري في عملية السلام خلال حكم حزب الليكود وشركاؤه في الحكم، كما أنذرت باحتمالات شن حرب "إسرائيلية" ضد سوريا. وطفت على السطح خلافات أمريكية "إسرائيلية"، وتزامنت مع توقيع اتفاقية عسكرية وأمنية بين تركيا وإسرائيل (حيث كانت قيادات الجيش التركي عريقة في علاقاتها مع بريطانيا). ومثّلت تلك الاتفاقية تهديدا لسوريا حيث وجدت كيانها بين فكي كماشة. إضافة لذلك، توترت علاقة سوريا مع الأردن، مما وضع سوريا ضمن مثلث تآمر تركي-"إسرائيلي"-أردني. وازدادت الأجواء بين "إسرائيل" وسوريا توترا، وسيطرت لغة التهديد العسكري "الإسرائيلي" على الموقف، ولاحت في الأفق احتمالات عدوان "إسرائيلي" على سوريا، إلا أن التحركات الإقليمية بدفع من أمريكا ظلت تصرف ذلك التهديد عن التنفيذ.

وأمام ذلك الموقف الشائك، ومع اتساع دائرة الاعتراف العربي بالكيان اليهودي والتطبيع معه، برز في الأفق توجه استثناء سورية من عملية السلام، ولذلك صارت أمريكا تعمل على عرقلة المسار الفلسطيني كي لا ينجز قبل المسار السوري، وكي لا تتقزم قضية الجولان إلى مسألة فرعية خاصة. ولذلك ألقى هذا الموقف الأمريكي (المعرقل) بظلاله على الاتفاقيات اللاحقة مع السلطة الفلسطينية. وبرزت معه حاجة أمريكا لتسخين الأجواء الشعبية في فلسطين من أجل الضغط على "إسرائيل" (أو للإطاحة بنتنياهو)، تهيئة لمناخ الانسحاب من الجولان، ولإفساح المجال أمام أميركا لتهيمن عليه على شكل احتلال أمريكي مكان الاحتلال اليهودي (عبر نشر قوات التدخل السريع الأمريكية على المواقع الإستراتيجية في الجولان). ومن المعلوم أن تسخين الأجواء الشعبية في فلسطين يسهم في عرقلة هرولة الأنظمة نحو التطبيع مع "إسرائيل" (الذي تحفزه أوروبا ورجالاتها)، ويسهم في استنزاف دموي وأمني واقتصادي "لإسرائيل".

وأمام حالة العناد الإسرائيلية، وفي أجواء المواجهة السياسية بين كلينتون ونتنياهو، تداعت القيادات اليهودية في أمريكا لمساندة نتنياهو، كما نشرت صحيفة "هآرتس" في 4/12/1997. ثم علت بعد ذلك نبرة فضائح الرئيس الأمريكي كلينتون في وسائل الإعلام العالمية وتكشفت علاقاته العاطفية المعيبة. وتردد في الأوساط الأمريكية أن لجان العمل السياسي الأميركية الإسرائيلية(AIPAC) كانت وراء إثارة تلك الفضائح لتخفيف الضغط الأميركي عن حكومة نتنياهو.

وظلت سياسة أمريكا تصبّ في تعطيل استكمال المفاوضات حسب مسار أوسلو، وعرقلة التطبيع المكمل لذلك المسار، وصارت تعمل لتشجيع "إسرائيل" على العناد على المسار الفلسطيني، فمثلا نقلت جريدة الحياة في 4/6/1998 أن نتنياهو صرّح أن جنرالات أميركيين نصحوه "ألا يتنازل عن سنتيمتر واحد لصالح الفلسطينيين لأن ذلك يمسّ بالأمن الإسرائيلي".

ولذلك استمرت اللقاءات والاتفاقيّات على المسار الفلسطيني دون تغيير جوهري في سياق الحل (غير زيادة التكبيل الأمني للسلطة كما في مر في الحلقة السابقة من هذه السلسلة)، ولم تكن أمريكا تريد استكمال ذلك المسار قبل أن ينضج مسار الحل السوري، بل صدرت إشارات أمريكية للتراجع عن اتفاق أوسلو (1993)، لأنه مكّن "إسرائيل" في المنطقة وفتح أمامها أفق التطلعات التوسعية من خلال التطبيع، مما يعطيها الفرصة للإفلات من يد أمريكا، التي تريد حصرها كأداة بيدها، وتعمل على تحجيمها ضمن الحدود التي تريدها لها.

وفي هذا السياق، نُقل عن حسن عصفور أحد أقطاب أوسلو قوله أن "الفريق الأميركي يحاول نسف اتفاقات أوسلو من أجل وضع اتفاقية سلام جديدة"، واتهم عصفور المبعوثَ الأميركي دنيس روس باتخاذ "موقف عدائي شخصي" ضد اتفاقات أوسلو (حسب وكالة أسوشييتد برس في 16/3/1998). وكانت قيادة المنظمة قد حاولت العودة إلى الاتصالات السرية في تموز  1997 ولكنها تكشفت، ثم حصلت عمليات فدائية في القدس عطلت استئناف المفاوضات (مجلة الوعي-العدد 124).

وفي تلك الفترة تحدث بعض المحلّلين السياسيين، مثل يوئيل ماركوس عن التجميد الأمريكي لانجاز المسار الفلسطيني، وشبهوا تحركات أمريكا كمن يركض "فوق قشاط الركض المتحرك" من دون أن يقطع مسافات. وفي ذلك السياق، أكّد ماركوس من جديد أن تحقيق اتفاق أوسلو والاتفاق مع الأردن تم "خارج نشاط الإدارة الأميركية"، وأن كل ما فعله البيت الأبيض هو أنَّه وفَّر الساحة للاحتفالات من دون أن يكون له دور مؤثر أو محرك (صحيفة هآرتس الإسرائيلية بتاريخ 21/4/1998)

ومع تأسيس الاتحاد الأوروبي، حاولت أوروبا توحيد سياستها الخارجية بشأن الشرق الأوسط على موقف محدد، وظلت أوروبا تعمل على فصل المسارين، بينما ظلت رجالات أمريكا وأوروبا في "إسرائيل" تتحرك ضمن محاولات التوفيق بين مصالحهم ومصالح القوى الغربية المتنافسة، وكل منهم يسوِّق الحل الذي يراه في مصلحته، بينما ظل العرب رهن إشارة القوى الغربية كعادتهم:

في العام 1998، حاولت بريطانيا إحداث اختراق جديد، واستغلت رئاستها للاتحاد الأوروبي في حينه، وتدخلت لحرف مسار الحل نحوها (كما فعلت في اتفاقية اوسلو الأولى)، وحاولت كسر "الجمود" الذي فرضته أمريكا التي تركّز على دفع المسار السوري. وحاولت بريطانيا إحراج أمريكا وكشف عجزها عن المضي قدما نحو السلام، من خلال ترتيب رئيس وزراء بريطانيا طوني بلير مع نتنياهو عقد جولة مباحثات سلام شرق أوسطية في لندن، وتمّت تلك المباحثات مطلع أيار 1998، بحضور وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت، ولكن أمريكا عادت واحتوت "التصعيد" السياسي البريطاني، وأفشلت التدخل الأوروبي، مما أكد لأوروبا أنها لن تستطيع حل قضية فلسطين دون أمريكا، التي صاغت سياستها الخارجية بما يحقق تفرّدها في منطقة الشرق الأوسط، وبما يمنع دخول أية قوة دولية أو إقليمية معها.

وكانت اتفاقية واي ريفير وما تلاها من تعديل الميثاق الوطني الفلسطيني قد زادت من قوة الأوراق التي تستخدمها أمريكا للضغط على حكومة نتنياهو للسير معها أو التنحي. ولكن حكومة نتنياهو لم ترضخ، إذ عاد مجلس الوزراء "الإسرائيلي" وقرر توقيف تنفيذ اتفاقية واي ريفر بعد أقل من شهرين من توقيعها (مشاريع التسوية السلمية للقضية الفلسطينية). ومن ثم قررت الكنيست "الإسرائيلي" إجراء انتخابات مبكرة، تمت في أيار 1999، وتمخضت عن حكومة برئاسة باراك من حزب العمل، وهو الذي أعلن في حملته الانتخابية أنه ملتزم بتحقيق السلام مع الفلسطينيين، مع الانسحاب من لبنان خلال سنة، وأنه ملتزم بوديعة رابين حول الانسحاب من الجولان. وتصدّر باراك المشهد "الإسرائيلي" (بعدما ساعده كلينتون في الوصول)، وبالفعل سحب قواته من بعض مدن جنوب لبنان في تموز 1999، ولاحت في الأفق فرص جديدة للتسوية.

وعلى الجانب الأردني، توفي الملك حسين مطلع العام 1999، فكانت جنازته حفلة تطبيع فريدة حيث جمعت الفرقاء، وحصل كسر جديد للجليد مع قادة "إسرائيل"، وقام نايف حواتمة الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بمصافحة الرئيس "الإسرائيلي" عزرا وايزمن. وعندما اعتلى الملك عبد الله العرش انفتحت أمريكا نحوه وأخذت تدعمه سياسيا، فيما عمل هو على فتح الباب واسعا للتطبيع، مركزا على بعده الاقتصادي، ففتح الأردن اقتصاديا للكيان "الإسرائيلي"، وبدأ بسنّ قوانين تصب في ذلك الاتجاه.

واندفعت الحكومة الأردنية نحو المشاريع المشتركة التي سمحت للأجانب ومنهم اليهود بشراء الأراضي في الأردن، وأصدرت قانون منطقة العقبة الخاصة، وقانون المدن الصناعية المؤهلة لخدمة تلك الغاية. وكان رئيس الوزراء الأردني علي أبو الراغب قد ردّ على المعترضين على تلك السياسات بالتأكيد على أن "الأبواب مفتوحة للجميع سواء إسرائيل أو غيرها"، فاتحا المجال ليكون الأردن جسرا للتطبيع الاقتصادي مع الدول العربية. وقال أبو الراغب: "وإذا أرادت إسرائيل استخدام العقبة كمحطة تنطلق منها إلى الوطن العربي، ما الذي يمنعها من استخدام عمان وإربد".

ولم يكن الأردن وحيدا في ذلك، وتتابع حكام العرب في الهرولة نحو الاعتراف بدولة الاحتلال اليهودي، منها قطر التي فتحت مكتبا تجاريا "إسرائيليا" في الدوحة في العام 1998، وقامت جمهـورية موريتانيا بإقامة العلاقات الدبلوماسـية الكاملة مع "إسرائيل" برعاية أميركا.

وهكذا أُقفل المشهد السياسي للعقد الأخير من القرن الماضي على هرولة نحو التطبيع من قبل الأنظمة العربية بعد انبطاح أمني من قبل المنظمة والسلطة، بينما ظلت عقدة الجولان عقبة أمام استكمال المسار الفلسطيني، ثم لاحت مع نهاية العقد فرصة للتسوية.