الرئيسية - للبحث

المقاومة ومغازلة الأنظمة ... وفاء أم استخذاء ؟

الدكتور ماهر الجعبري

 

أمام الثورة في سوريا، تواجه حركات المقاومة موقفا صعبا، وهي تحاول الجمع بين دعوى "الممانعة ومقاومة الاحتلال" وبين صرخات "الثورة على الاستبداد"، وأمام هذه الجدلية الشائكة يطيب في الآذان رنين الشعر:

الله أكبر كم في الفتح من عجب            يا خالد الترك جدد خالد العرب

إذ حق لأمير الشعراء أحمد شوقي أن ينظم أبياته في ذلك القائد الفذّ (!) الذي تمرد على قوات الاحتلال، ومارس "ممانعة" في رفض الشروط المذلة القاسية التي يميلها الاحتلال في معاهدة (سيفر)، كما يفصّل كتاب "أزمة العصر"، وتشوفت الناس ذلك البطل الشاب وهو يقود "المقاومين"، وأمل شوقي أن يكون ذلك القائد المظفر "مبعوث العناية الإلهية لإقالة عثرة الخلافة وإحياء مجد الإسلام"، وأن "يحول الهزيمة إلى نصر كما فعل خالد بن الوليد".

 

وقد يستغرب بعض السياسيين "والمقاومين" ممن لم يعرفوا أشعار شوقي ومناسبتها، عندما يعلمون أن ذلك القائد الممدوح في أبيات شوقي كان أتاتورك الذي قضى على الخلافة، بدل أن يقيل عثرتها كما كان أمل المخدوعين به، وفرّط بالأرض والعرض والأمة بدل أن يحررها ويوحدها، وينقل الكتاب أن المسلمين في فرحتهم بانتصار مصطفى كمال، ظلّوا يحسنون الظن به ويبرّرون كل ما يصدر عنه، حتى وصل بهم الأمر أن دافعوا عن قيام مصطفى كمال بعزل الخليفة! وفي ذلك يقول شوقي:

أيقال فتيان الحمى بك قصـّروا             أم ضيعوا الحرمات أم خانـوك

 

ويتجدد المشهد المشوّه في صورة القائد الممانع في سوريا، ولكنه دور ممسوخ، لأن حاكم سوريا لم يخض حربا على الإطلاق، بل ظل يتوعد ويهدد كلّما تلقّى صفعة من الاحتلال أو قذيفة من طائراته، ولم يتذكر أن له جيشا إلا عندما صرخت الناس من أجل التحرر، فرد "مباشرة" بالقذائف على حمص التي ضمت رفات خالد العرب.

اهتز قبر خالد العرب، ولم تهتزّ مشاعر خالد مشعل، ولم تهتز ثقته بحاكم سوريا "الممانع!"، وظل وفيا له، كما كان رئيس حكومته في غزة قد اعتبر النظام السوري من قبل أمينا على قضية فلسطين.

 

إذ تصر قيادات المقاومة على التورط بقصائد مدح لهذا القائد الممانع (!) كما تورط شوقي قبل أن ينتبه إلى مكيدة أتاتورك، وينظمون لحاكم سوريا المجرم تصريحات "الوفاء لمحور الممانعة"، فيهبط نصر الله ويتزحلق مشعل، ويتلعثم غيره، ويقبل آخرون أن ينضموا إلى قوات الشبيحة، ويحملون السلاح (المدّعى للمقاومة) ضد الثورة، وهو موقف يلطخ صورة المقاومة بدماء الثوار في سوريا، ويسوّد وجوه القيادات وهي تصر على الوفاء لقاتل الأطفال الذي يحارب ثورة الأمة.

 

إن الوفاء على غير وعي وإخلاص لا يمكن أن يكون من شيم الأحرار والثوار والمقاومين، وإلا لوجب أن تفي الأمة لأتاتورك حروبه التي خاضها قبل أن يتفتق عن القضاء على خلافتها. وليس كل وفاء ممدوحا، وليس كل مدح للوفاء مقبولا، وإلا لمّا توقف النقّاد عند مدح الشاعر:

أنت كالكلب في وفائك بالعهد     وكالتيس في قراع الخطوب

 

لقد استطاع النظام السوري أن ينتج ملاحم مسرحية كمسلسلات "باب الحارة" التي خرّجت أبطالا مسرحيّين تكشفوا اليوم عن بالونات بطولة جوفاء وتقزموا أمام الثورة، كما استطاع أن يصطنع أبطال المقاومة المسرحية الذين ينشدون أشعار "المقاومة والاستبداد" في القصيدة نفسها، بينما استطاع الشعب في سوريا أن ينتج ملاحم بطولية واقعية يقف فيها حمزة الخطيب صادعا بالحق في وجه السلطان الجائر، في لحن ثوري واحد يرفض الاستبداد والاحتلال، لأنهما من جنس واحد، ويريد أن يحرر جيش سوريا من هيمنة الطبقة الحاكمة ليتحرك نحو تحرير فلسطين عبر الجولان، فإلى متى يستمر صمت الأتباع على هذا النهج المغازل لأنظمة متهاوية تتسارع نحو سقوط مدوٍ ؟

 

إن قادة المقاومة الذين يتملقون ذلك السلطان الجائر، ويوفون له بالعهد على استضافته لهم في فنادق دمشق وطهران لا يدركون أن الزحف نحو النصر يتسارع وأن الاعتذار للثوار بعد النصر لن يكون مقبولا من كل من وظّفه ذلك النظام ضد الثورة، سواء كان شبيحا أو "مقاوما" ينافخ عن الاستبداد.

 

فهل يعي أنصار المقاومة أبعاد الجريمة التي تركبها القيادات ضد المقاومة وهي تفي للنظام المستبد ؟ أم تستمر سكرة "الممانعة" الزائفة ؟ لقد صحا شوقي من سكرة الخديعة بأتاتورك التي سيطرت على الناس، فصدع بقصيدة من أعنف قصائده وأصدقها عاطفة، يهاجم فيها أتاتورك ويبكي "الخلافة التي ماتت حين ظنّ الناس أنها قد استقبلت عهداً جديداً كله عزة"، وقال شوقي رحمه الله:

والشام تسأل والعراق وفارس  أمحا من الأرض الخلافة ماحي

لقد محا أتاتورك "الممانع" الخلافة، كما يريد بشار الممانع أن يمحو ثورة الأمة، وبينما صحا شوقي فعنّف من سبق أن مدح، لم تصح قادة المقاومة، بل تصر على لعب دور شعراء البلاط في حماية ذلك النظام المستبد والمخادع. فهل يمكن أن تلتف الأمة حول من يخذلها ؟

 

إن "أزمة العصر" تتمثل اليوم في فسطاطين: فسطاط شعوب تريد الانعتاق من كل تبعية،  وفسطاط الحكام وجوقاتهم الذين يريدون أن يرسخوا هيمنة الحكام ومن ورائهم الغرب، والأصل أن المقاومة والاستبداد هما كالزيت والماء، لا يمكن خلطهما في محلول متجانس، وكل من يحاول أن يخلطهما سيفشل مهما دلّس.

ولا مجال لإحسان الظن بمن يقدم شهادة زور لحاكم مستبد مجرم، وبينما يصر خالد مشعل على التغني بأبيات شوقي لخالد الأمريكان في سوريا، تتأهب حمص التي ضمت رفات خالد بن الوليد، لكي تجدد خالد العرب، فهل تخرج أنصار المقاومة في غزة تصدع للشام وأهلها:

الهند والِهة ومصر حزينة                 تبكي عليكِ بمدمع سحّاح

30-12-2011